Reading Time: 4 minutes

عندما جعل العالم الدنماركي «هنريك دام» مجموعة من صغار الدجاج تتبّع نظاماً غذائياً خالياً من الكوليسترول قبل حوالي 90 سنة، لاحظ حدوث نزيف حاد عند بعضها، ولم يتوقّف هذا النزيف بعد أن استبدل الكولسترول بمغذٍ آخر. استنتج دام في النهاية أن النزيف كان متعلّقاً بـ «نفاذ مركّب مضاد للنزيف»؛ أطلق عليه اسم فيتامين «ك» (من كلمة «كواجيوليشن»؛ أي تخثّر الدم في اللغة الدنماركيّة). فاز دان بجائزة نوبل للفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) أو الطب عام 1943 بسبب هذا الاكتشاف.

معظم الأشخاص يعرفون الفيتامينات أ، ب، ج (سي)، د ، وهـ؛ لكن فيتامين ك ليس مشهوراً. مع ذلك، فهو أساسي للحياة؛ لأنّه ضروري لتخثّر الدم السليم، ويكتشف العلماء في وقتنا الحاضر أن هناك المزيد من المزايا لهذا الفيتامين؛ الذي لا يُقدّر كغيره.

اليوم، يرعى كل من مركز «جين ماير» لأبحاث التغذية البشريّة جول الشيخوخة؛ التابع لوزارة الزراعة الأميركية، وجامعة «تافتس»، الفريق البحثي الوحيد المختصّ بدراسة التغذية المبنية على فيتامين ك، وأنا عالمة باحثة في هذا الفريق؛ الذي يدرس أعضاؤه الطرق التي توفّر فيها الأطعمة فيتامين ك بهدف تعزيز التقدّم الصحّي بالعمر.

بحث, فيتامين ك, معمل

يستكشف العلماء ألغاز فيتامين ك في مركز أبحاث التغذية البشريّة حول الشيخوخة التابع لوزارة الزراعة الأميركية في جامعة تافتس.- مصدر الصورة: ديب دوتشر/ مركز أبحاث التغذية البشريّة حول الشيخوخة التابع لوزارة الزراعة الأميركية، جامعة تافتس.

لماذا فيتامين «ك» ضروري؟

اكتشف العلماء خلال العقود القليلة المنصرمة وجود بروتينات مُعتمدة على فيتامين ك في العديد من أنواع الأنسجة في جسم الإنسان (أي بروتينات يساهم الفيتامين بتفعيلها وظيفياً). يشير هذا إلى أن فيتامين ك له أدوار فسيولوجيّة لا تقتصر على دوره في تخثّر الدم فحسب. على سبيل المثال؛ في الأنسجة الشريانيّة، البروتينات المعتمدة على فيتامين ك يمكن أن تساعد في الوقاية من التكلّس. هذا أمر بالغ الأهمية؛ إذ أن التكلّس الشرياني يمكن أن يتسبب بالنوبات القلبيّة.

دون وجود فيتامين ك؛ لن تستطيع هذه البروتينات أن تمنع التكلّس. ونتيجة لأن هذه البروتينات المُعتمدة على فيتامين ك توجد في الغضاريف والعظام، فنحن ندرس أيضاً علاقتها بالتهاب العظام والمفاصل.

مثلما توجد أشكال مختلفة من فيتامين «ب»؛ هناك أيضاً أشكال متعددة من فيتامين ك، ويعرف العلماء على الأقل 12 شكلاً منها. «الفيلوكينون»؛ والمعروف أيضاً باسم فيتامين «ك1»، يتم تركيبه في النباتات، ويوجد بكميات كبيرة في كل من الخضروات الورقية الخضراء؛ مثل السبانخ وأوراق الكرنب الأخضر، وزيوت الخضراوات؛ مثل زيت الصويا والكانولا.

تحتوي الأطعمة الحيوانية؛ مثل منتجات الحليب وبعض أنواع اللحوم، على كمّيات متفاوتة من مركّبات «الميناكونين»؛ وهي صنف آخر من فيتامين ك معروف باسم فيتامين «ك2». هذه المركبات تُركّب أيضاًَ عن طريق الميكروبيومات المعوية، إلّا أن قيمتها الغذائيّة ليست مؤكّدة.

قام فريقنا بقياس كمية فيتامين ك في آلاف أنواع الأطعمة التي تُستهلك في الولايات المتحدة، وبالاشتراك مع وزارة الزراعة الأميركيّة؛ أصبحت المعلومات التي استنتجناها متوفّرة للعوام على موقع بيانات الغذاء المركزي التابع للوزارة نفسها، وهو يحتوي على أشمل قاعدة بيانات متعلّقة بالتغذية في العالم، وقد تم تلخيص أكثر من 350 ألف نوع من الأطعمة فيه.

ما هي الخطوة التالية؟

إحدى أهداف بحثنا هي تحديد ما يدعى بـ «المخصّصات الغذائية الموصى بها» لفيتامين ك. في الولايات المتحدة؛ يُشار إلى هذه الكمية بتعبير «المَدْخول الوافي»؛ وهي الكمية التي يُفترض أنها توفّر قيمة غذائيّة كافية. يتم اعتماد المدخول الوافي لمغذٍ ما عندما لا تتوفّر دلائل علمية كافية لتحديد المخصصات الغذائية الموصى بها بدقّة. بالنسبة للرجال فوق عمر 18 سنة؛ فإن المدخول الوافي لفيتامين ك هو 120 ميكروجرام يومياً، أما بالنسبة للنساء؛ فهو يساوي 90 ميكروجرام يومياً. يحتوي كوب واحد من السبانخ النيئة على 145 ميكروجرام من «الفيلوكينون». المرضى الذين يتناولون عقار «وارفارين» يجب عليهم أن يستشيروا خبراء الصحة حول مدخولهم من فيتامين ك.

فيتامين ك, كرنب أجعد, خضروات

تحتوي الخضراوات الورقيّة ذات الأوراق الخضراء الداكنة -مثل الكرنب الأجعد- على كميات كبيرة من فيتامين ك. – مصدر الصورة: Adolfo Félix / أنسبلاش

تشوهات التخثر الناتجة عن قلة تناول فيتامين ك نادرة للغاية؛ لأن كل شخص تقريباً يستهلك ما يكفي من هذا الفيتامين في نظامه الغذائي للحفاظ على تخثر الدم الطبيعي. على الرغم من أن الأدلة الجديدة تشير إلى أن انخفاض مدخول فيتامين ك قد يتسبّب في عواقب صحية لا علاقة لها بالتخثّر، إلا أن هذه الأدلة لا تشير حالياً لضرورة تناول مكمّلات فيتامين ك الغذائية، حتّى مع توافر هذه المكمّلات في السوق. مكمّلات الميناكونين أصبحت رائجة بشكلٍ خاص، بسبب الادعاءات التي تنص على أن لها فوائد صحيّة مميّزة لا يمتلكها الفيلوكينون.

مع ذلك؛ فإن ربط آثار مغذٍّ معين بجانب صحّي محدد بشكلٍ مباشر هو أمر صعب للغاية، وما هو أكثر صعوبة هو التوصية باستخدام المكملات بناءً على الدراسات التي تمت حتى الآن. يجب تصميم التجارب السريرية الواسعة حتى تعالج هذه المسائل، وهذه التجارب، والتي يمكن أن تكلّف الملايين، لم تتم على فيتامين ك بعد. بينما التجارب المحدودة التي تمت بالفعل على هذا الفيتامين لا تحقق المعايير العلمية الصارمة المطلوبة للتشجيع على استخدام مكملات فيتامين ك حالياً.

مع استمرار بحثنا، نحن نسعى للوصول إلى فهم أفضل للدور الذي يلعبه فيتامين ك في جوانب صحية مختلفة عن تخثّر الدم. نريد أن نعرف ما هي الكمية الكافية من فيتامين ك التي تقي من الأمراض المتعلّقة بالتقدّم بالعمر والإعاقة. مع ذلك، حتّى نحصل على المزيد من الأدلة الرصينة؛ التي تشير ضرورة استخدام المكملات، فمن الأسلم (والأكثر إمتاعاً) الحصول على فيتامين ك من الطعام.

[تنويه من المصدر الأصلي]: «أي آراء أو مكتشفات أو استنتاجات أو إرشادات وردت في هذا المقال تخص المؤلّفة ولا تعبّر بالضرورة عن آراء وزارة الزراعة الأميركية».