Reading Time: 4 minutes

أعلنت الأمم المتحدة في يناير/كانون الثاني من عام 2018 أن يوم 20 مايو/أيار من كل عام هو اليوم العالمي للنحل، وهذا لزيادة الوعي العام بأهمية النحل. وفي اليوم العالمي للنحل لهذا العام؛ رفعت الأمم المتحدة شعار «العمل من أجل النحل» ويتناول قضايا تربية النحل بشكل سليم؛ ونصائح لإنتاج منتجات عالية الجودة، ولكن هل يجب علينا حقاً الاهتمام بالنحل؟ وماذا سيحدث لو اختفى النحل؟.

النحل الذي نعرفه

بداية يوجد على الأرض ما يقرب من 25 ألف إلى 30 ألف نوع من أنواع النحل، ولعل أشهرهم هو نحل العسل الذي يتميز بجسمه كثيف الشعر، ويعيش نحل العسل في الأصل في تجويفات الشجر، لكن يمكن تربيته في خلايا صناعية. نوع آخر من النحل هو النحل النطاط والذي يتميز بجسمه الأصفر، ويعيش في خلايا صغيرة الحجم تتكون من 150 إلى 200 نحلة، وهذا النوع له القدرة على اللدغ أكثر من مرة على عكس نحل العسل، ويتواجد في العادة في حُفر داخل التربة. وهناك تصنيفات أخرى للنحل وفقاً للمهمة التي يؤديها، مثل نحل البرسيم المتخصص في تلقيح أزهار البرسيم، ونحل الميسون البستاني الذي يلقح أشجار الفاكهة.

يعتمد النحل في غذائه بشكل كلي على الأزهار، لهذا نرى النحل يبني الخلايا التي يعيش فيها مع بداية تفتح الأزهار في موسم الربيع، وتنقسم خلية النحل إلى ثلاث فئات، الأولى هي الملكة وهي أكبر النحل حجماً، والوحيدة التي يسمح لها بالتكاثر، ومهمتها هي وضع البيض وإنتاج المزيد من النحل. الفئة الثانية؛ العاملات وهن جميعاً من نسل الملكة، ويعملن داخل الخلية لبناء هيكل الخلية السداسي والحفاظ على صغار النحل، وخارج الخلية أيضاً في جمع الرحيق واللقاح والماء. والفئة الأخيرة هم الذكور ومهمتهم تخصيب ملكة الخلية، وملكات الخلايا الأخرى أيضاً.

تتميز النحلات العاملات بالنشاط والعمل الشاق، فهن يطيرن حوالي 2 كيلومتر لجمع الرحيق واللقاح للخلية، ويستخدم اللقاح كمصدر للبروتين ليرقات النحل، وأما الرحيق فيستخدم لصناعة العسل عن طريق تجفيفه من الماء؛ وإضافة إليه بعض الإفرازات من غدد النحل. بالإضافة إلى أهمية العسل للبشر، فهو غذاء صغار وكبار النحل داخل الخلية أيضاً، ويمكن أن يصل حجم العسل الذي تنتجه خلية النحل في نهاية كل صيف إلى 45 كيلو جرام.

والأزهار تريد النحل

من أهم أسباب اهتمامنا بالنحل ليس انتاجه العسل، ولكن لكونه من أبرز المُلقِحات الطبيعية. تعتمد ما يقرب من  75% إلى 95% من الأزهار على التلقيح للتكاثر، فعندما يزور النحل أحد الأزهار لجمع الرحيق واللقاح من داخل العضو التناسلي الذكري للزهرة، يلتصق بعض من اللقاح على شعيرات النحل، ثم ينتقل النحل إلى الأزهار المجاورة فيسقط اللقاح الملتصق بالشعيرات إلى داخل العضو التناسلي الأنثوي للزهرة، وبهذا يحدث التكاثر بين الأزهار. 

التلقيح ليس فقط لإنتاج المزيد من الأزهار، ولكنه أساسي أيضاً لإنتاج ثمار الأزهار التي نعتمد عليها في الطعام وفي الصناعات المختلفة، فنجد أن ثلث الغذاء العالمي اليوم يعتمد على النباتات التي تلقحها النحل، مثل الأفوكادو، والتوت، والبروكلي، واللوز، والفول، والخيار، واليقطين، والفراولة، وغيرهم الكثير. ويظهر أيضاً دور مهم آخر للنحل في تلقيح أزهار القطن والكتان. 

ماذا لو اختفى؟

ربما نظن أن النحل بمأمن من الانقراض نظراً لأنواعه الكثيرة والمتنوعة، ولكن في الواقع أعداد النحل في تراجع وهذا لأسباب مختلفة؛ مثل اضطراب انهيار الخلية وهو مرض يُصيب في العادة نحل العسل الأوروبي ويسبب موت جميع أفراد الخلية، ولم يتوصل العلماء بعد إلى سبب حدوثه. كما يؤثر استخدام بعض أنواع المبيدات الحشرية على قدرات النحل الادراكية فقد لا يجد طريق العودة إلى الخلية، وفي حالات أخرى قد تقتل المبيدات الحشرية النحل. أيضاً يؤثر التغير المناخي في بعض المناطق كذلك على نمو الأزهار التي يعتمد عليها النحل في صنع غذائه.

إن استيقظنا يوماً على خبر اختفاء النحل، ما الذي يعنيه هذا للنظام البيئي والبشر؟ في بداية الأمر، سيقل إنتاج الأزهار التي تعتمد في تكاثرها على التلقيح الذي توفره لها النحل، وإن لم يتدخل البشر لتلقيحها -وهي عملية مرهقة للبشر- ستنقرض نهائياً في وقت من الأوقات، ثم بعد هذا سنفقد تدريجياً الحيوانات التي تعتمد في غذائها على هذه الأزهار مما يسبب في انهيار سلسلة الغذاء. 

الأكثر خطورة مما سبق معرفة أن النحل يلقح  أكثر من 70 نوعاً من بين 100 نوع من المحاصيل التي توفر 90% من الغذاء في العالم، وهذا يعني أن اختفاء النحل يعني اختفاء ال70 نوع بشكل تدريجي من العالم؛ أي نقص الغذاء العالمي، ويضع تناقص أعداد النحل اليوم  أكثر من 20 ألف نوع من أنواع الأزهار في خطر الانقراض على مدار العقود المقبلة.

النحل الآلي 

نتيجة لكل الصعوبات المصاحبة لعملية التلقيح اليدوي، ابتكرت عدة فرق بحثية على مستوى العالم حلاً لمواجهة انخفاض أعداد النحل الطبيعي؛ وهو ابتكار نحل آلي يحاكي النحل الطبيعي، على سبيل المثال؛ قدم فريق بحثي من جامعة دلفت للتكنولوجيا بهولندا نحل آلي بأجنحة تحاكي حركة أجنحة ذباب الفاكهة، وتمكن هذا النحل الآلي من التحليق بسرعة طيران تساوي أكثر من 6 أمتار بالثانية، وتمكن من الدوران 360 درجة، وأضاف الفريق البحثي له حساسات مخصصة للتنقل بين الأزهار دون الاصطدام ببعضه بعضاً.

أيضاً تبنت شركة وول مارت الأميركية، فكرة التلقيح الآلي ونشرت براءة اختراع خاصة بها لنحل آلي يعمل على تلقيح الأزهار؛ ومجهز هذا النوع من النحل بعدسات وحساسات لنقل اللقاح بين الأزهار تماماً كالنحل الطبيعي.

إضافة إلى ذلك طور فريق بحثي من كلية الهندسة والعلوم التطبيقية، في جامعة هارفارد الأميركية،  لأكثر من عقد من الزمن روبوتات صغيرة، يمكنها الطيران، وتمكَّنوا في نهاية المطاف من تطوير النحل الآلي القادر على الطيران. وفي مايو/آيار من عام 2013، طار النحل الآلي الذي أُطلِقَ عليه روبو بي، في أول رحلة له. ولا يهدف الباحثون إلى استخدام النحل الآلي مستقبلاً في عملية تلقيح المحاصيل فقط، بل يطمحون إلى استخدامه في العديد من المهام الأخرى مثل عمليات البحث والإنقاذ، والمراقبة، وقياس الطقس والمناخ والرصد البيئي. 

للأسف لا تزال كل محاولات العلماء في ابتكار نحل آلي قيد التجارب، ولا يمكن في الوقت الحالي الوثوق بأي نوع من أنواع النحل الآلي في عمليات التلقيح، لذا الأفضل هو محاولة الاهتمام بالنحل الطبيعي، ومواجهة تقلص أفراده في العالم، ومحاولة التوعية بدوره في حياتنا اليومية والمستقبلية.