Reading Time: 3 minutes

في أغسطس 2017، التهمت حرائق الغابات مناطق شاسعة شمال غرب المحيط الهادئ، مما أدى إلى تكون سحب هائلة من الدخان. عندما تجمع السخام – جسيمات الكربون الناتجة عن الاحتراق غير الكامل للهيدروكربونات-  متجهاً نحو الستراتوسفير – إحدى طبقات الجو العليا – أدرك العلماء أنهم أمام أول اختبار محتمل لنظرية الشتاء النووي.

يقول آلان روبوك، عالم المناخ وأحد المشاركين في دراسة جديدة نشرت في دورية ساينس والذي يدرس نظرية الشتاء النووي منذ الثمانينات: «أجرت الطبيعة التجربة التي انتظرناها». ولدت الحرائق التي امتدت على مساحة 1.1 مليون فدان عبر شمال الولايات المتحدة وكندا سحابة «Pyrocumulonimbus»، تخيل السحب الضخمة الداكنة الهائلة التي تصاحب العواصف الرعدية ثم أضف إليها النيران والدخان. تسبب هذه الغيوم الضخمة حدوث عواصف غادرة بينما ترسل في الآن ذاته الدخان والهباء الجوي إلى الستراتوسفير. وقد تمكن الباحثون من استخدام الأقمار الصناعية لتتبع آثار هذه الحرائق على مدى 8 أشهر.

استقر الدخان على ارتفاع 7.5 ميل فوق سطح الأرض في طبقة التروبوسفير العلوي، وظل يطفو فوق المكان المسؤول عن حالة الطقس. لكن بعد ذلك، بدأ الدخان في «الصعود تلقائياً». امتص الكربون الأسود – المعروف باسم السخام – الموجود داخل السحابة الإشعاع الصادر من الشمس وباتت الجسيمات المسخّنة أكثر نشاطاً. نتيجة لذلك، ارتفعت السحب إلى الستراتوسفير، وفي غضون شهرين فقط انتقل ارتفاع الدخان عن سطح الأرض من 7.5 ميل إلى 14 ميلاً.

يقول بينج في يو، مؤلف الدراسة الرئيسي وعالم دراسة المناخ بجامعة جينان في الصين، توقعت الدراسات السابقة عن الشتاء النووي – فكرة أن حرباً نووية ستطلق ما يكفي من الدخان لحجب أشعة الشمس وخفض درجات الحرارة وتغيير الطقس في العالم – أن الدخان قد يتصاعد بسرعة بمساعدة الطاقة الشمسية، لكن هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها هذا جلياً. يعتبر «الصعود التلقائي» عاملاً محورياً في نظرية الشتاء النووي نظراً لأن الدخان المتصاعد نحو طبقة الستراتوسفير هو الذي يؤدي إلى حدوث آثار دائمة وضارة. عادة ما ينظف المطر جزيئات الدخان من السماء في غضون بضعة أيام أو أسابيع، لكن الأمطار لا تتشكل في طبقة التروبوسفير. بدون هطول الأمطار يمكن نظريا؛ أن تظل السحب الضخمة في الطبقة العليا من الستراتوسفير لسنوات عديدة. 

الشتاء النووي يعني أن كميات هائلة من الدخان ستطفو تلقائياً نحو طبقة الستراتوسفير وستحملها الرياح في كل مكان، مما يخلق طبقة تحجب الشمس عن جزء كبير من الأرض. بدون هطول المطر، يمكن أن تبقى هذه الطبقة الحاجبة لسنوات، مما سيخلق ظروفاً باردة وجافة من شأنها أن تعرقل إنتاج الغذاء. يمكن أن يؤدي نشوب حرب بين بلدين إلى حدوث مجاعة في جميع أنحاء العالم.

استغرقت السحابة الضخمة الناتجة عن دخان حرائق الغابات بضعة أسابيع للوصول إلى الستراتوسفير، وبمجرد استقرارها هناك واصلت حركتها حول الأرض لأكثر من ثمانية أشهر، وهي مدة أقصر بنسبة 40% من المدة التي قدرها الباحثون في البداية. ويعلق روبوك على هذه النتيجة قائلا أنهم لم يتوقعوا أن تؤدي جزيئات الأكسجين شديدة التفاعل في الجو إلى كبح جماح السحابة.

تتبعت الدراسة سلوك السحابة وتكوينها، لكن أعمدة الدخان كانت أصغر من أن تُقاس أو يُتحقق من تأثيرها على المناخ. يقول يو: «إن سحب الدخان المتكونة أصغر بنحو 10 آلاف مرة من تلك التي ستتكون جراء نشوب حرب نووية». حيث إن الشتاء النووي سينتج عن احتراق البنيات التحتية والبلاستيك الموجود في مدن بأكملها، مما ينتج كميات سخام أكبر بكثير مما ينتج عن احتراق الأشجار. تسببت حرائق عام 2017 في ضخ 300 ألف طن من السخام في الجو، لكن نشوب حرب بين الهند وباكستان قد ينتج 15 مليون طن من السخام، أما الحرب بين الولايات المتحدة وروسيا  فسيؤدي إلى تحرير 150 مليون طن من السخام في الغلاف الجوي، وفقاً لتقديرات دراسة سابقة نشرها روبوك. مع ذلك، يمكن أن تساعد البيانات الجديدة في التحقق من النماذج التي تتوقع ما سيحدث في حالة نشوب حرب نووية وتحسينها.

 في ذروة الحرب الباردة، أوضحت الأبحاث التي أجراها علماء من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أن حرباً نوويةً لن تكون حدثاً معزولاً، وإنما سلسلة من ردود فعل مدمرة. يقول روبوك إن هناك تسع دول تمتلك رؤوساً حربية نووية، معظمها أقوى بكثير من القنابل التي ألقتها الولايات المتحدة فوق هيروشيما قبل 74 عام. توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا دفع الصحفيين والعلماء إلى التشديد على التدمير المتبادل المؤكد والذي سيتولد عن الشتاء النووي. ويأمل روبوك أن يكون بحث فريقه بمثابة تذكير بالتبعات المحتملة لهذا الحدث، ويقول: «نأمل أن يكون بحثنا هذا خطوة لجعل العالم أكثر سلاماً».