Reading Time: 6 minutes

“لا يمكن التنبؤ بالمستقبل، وأية محاولات لفعل ذلك ستبدو مضحكة خلال سنوات قليلة جدًا” 

بهذا الاقتباس يبدأ آرثر سي. كلارك، روائي الخيال العلمي الأشهر، كتابه “لقطات من المستقبل”، لكنه من الغريب حقاً أن تصدر كلمات كتلك من شخص كرّس معظم حياته للحديث عن مستقبليات. حينما نشاهد فيلم (2001: سبيس أوديسي)، الرائعة التي كتبها بالتعاون مع ستانلي كوبريك، سوف ندرك تماماً قدر التعجب المطلوب تجاه اقتباس كهذا.

لكن كلارك، في الحقيقة، كان أكثر ذكاءً من رفاقه الذين يحاولون البحث في الإمكانات المستقبلية، حيث مال بالأساس إلى توضيح الهياكل الرئيسية التي يمكن خلالها أن تقع الأحداث المستقبلية. فإذا اعتبرنا أن ما هو مقبل علينا من عصورٍ كأنه خريطة لم تستكشف بعد، سيكون من المفضل أن نبدأ بتوضيح حدودها ومداها الذي يبدأ بالأساس من المتاح حالياً، أما الجغرافيا التفصيلية لها فلا يمكن أن نصل لها أبداً.

ملوك الليزر

لكن، ما المتاح؟ في تلك النقطة دعنا نرجع بالزمن إلى العام 1980. في تلك الفترة تصور الكثير من الفيزيائيين أن نهاية عهد علوم الليزر قد حلّت. فعندما تم اكتشاف الليزر، قبله بعدة عقود عمل الفيزيائيون على تضخيم قدراته شيئاً فشيئاً، فبدأ يدخل تقريباً في كل مجالات الحياة، لكن المشكلة كانت أن تضخيم الليزر يرفع من قوّته، بالتالي يتلف ذلك الأدوات المسؤولة عن تضخيم الليزر. لقد عنى ذلك شيئاً واحداً فقط، أنه سيأتي يوم ونصل إلى الحد الأقصى لقدرات الليزر في تاريخنا، وانتهى الأمر.

لكنه لم يفعل، حيث تمكن كلاً من دونا ستريكلاند وجيرارد مورو، متخصصا هندسة الكهرباء والبصريات، والحاصلين معاً على نصف جائزة نوبل في الفيزياء للعام 2018، من ابتكار طريقة جديدة غاية في البساطة لحل تلك المشكلة، حيث تمكنا من “مط” نبضات الليزر قبل دخولها إلى غرف التضخيم. هنا تصبح النبضات أقل قوة، ثم بعد أن تدخل يقومان بضغط النبضات مرة أخرى، فتصبح أكثر قوة من جديد.

أدخلنا ذلك إلى عصر الفيمتو ثانية، لكن ما أنجزه المصري الحاصل على نوبل “أحمد زويل” أصبح طيف من الماضي حينما ارتفعت سرعة وشدة النبضات لندخل في عصر الأتو ثانية. وهناك آمال عريضة بوصول قدرات البشر في تطوير سرعة وشدة نبضات الليزر بحيث نصل إلى عصر الزبتو ثانية. نتحدث هنا عن صور تلتقط بسرعة ألف مليون مليون مليون جزء من الثانية، يعني ذلك مرحلة جديدة تماماً في تاريخنا كبشر.

دائماً كنّا قادرين على خلق الحلول الاستثنائية في لحظاتٍ استثنائية. يمكن هنا أن نعود إلى الستينات من القرن الفائت، حينما أصدر بول ايرليش، البيولوجي من جامعة ستانفورد، كتابه الأكثر شهرة “قنبلة السكّان”، والذي تسبب في دفع المخاوف من الانفجار السكّاني العالمي إلى أقصاها. في كتابه قال ايرليش أن الأمر محسوم، بحسبة بسيطة يمكن توقع أن تتفوق أعداد السكّان في العالم على كم الموارد المتاحة، سيؤدي ذلك إلى المزيد من العنف والفقر والجهل، وستكون بداية النهاية من الهند.

التراقص على حافة الفوضى

في تلك الفترة التي شاع بها الرعب في أنحاء العالم، كان نورمان بورلوج، المهندس الزراعي وأستاذ الجامعة الأميركي والحاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 1970، يعمل على فكرة جديدة عبقرية تقول أن إنتاج نوعيات من القمح بساقٍ أقصر سوف يوفر الطاقة التي يمكن أن تُستغل في إنتاج سنابل أكبر، بالتالي أمكن تعديل القمح وراثياً بحيث ينتج المحصول الواحد أربعة أضعاف القيمة المعروفة في أكثر حالات المناخ قسوة.

مع اللحظة الأولى التي ظهرت فيها نتائج أبحاث بورلوج، بدأت المعركة ضد الفقر الذي كان قد ضرب بالفعل بعض جوانب الهند وغيرها من الدول. لكن الهند، على سبيل المثال، تمكنت بالفعل عبر تقنيات بورلوج الحيوية الجديدة من مضاعفة إنتاج الأرز بصورة هائلة للدرجة التي حولتها من مستورد للأرز إلى مصدرٍ له. إنها الثورة الخضراء التي أنقذت، وما زالت تفعل، أكثر من مليار شخص في هذا العالم.

في كل مرحلة من مراحل تاريخنا، كانت هناك تلك القفزة التي تنقلنا إلى مستوى جديد للعبة. وبعد أن يتصور الجميع أنه لا توجد حلول لتلك المشكلات التي نتعرض لها، وأنه قد آن للشمس أن تغرب عن شيءٍ ما، يعود الفجر من جديد في صورة فكرة أو نظرية جديدة، يسميها توماس كون، فيلسوف العلم الأمريكي واسع الشهرة، بالثورة العلمية.

وتعني هذه الفكرة، بتعبير بسيط، أنه في تلك الأثناء التي يتوقف فيها مسار العلم -وقس الأمر على التكنولوجيا كذلك- بحيث يبدو وكأن البرنامج المعرفي الموجود حالياً قد أصبح كارثة مليئة بالثغرات والأخطاء، يظهر برنامج معرفي جديد كأنما جاء من لا مكان، ليحل موضع الآخر، ويستمر العلماء في البحث عن الحقائق من خلال هذا البرنامج لفترة طويلة، إلى أن تحين نهايته.

لكن أفكار توماس كون عادة ما تستخدم للنظر إلى العلم من وجهة نظر غير عقلانية، بحيث تجعله من غير الممكن أن نقول إن كان العلم أو التكنولوجيا يتقدمان أم لا. على الرغم من ذلك، فإن تلك اللحظات الاستثنائية في تاريخنا كانت دائماً قفزة للأمام؛ قفزة النسبية على سبيل المثال، قفزة الكوانتم، ويمكن أن نرجع بتاريخنا إلى تلك اللحظة التي قرر فيها كوبرنيكوس أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية، أو تلك التي رأى فيها جاليليو أقمار المشتري.

نهاية العالم

في رواية “على الشاطئ”، والتي لاقت شهرة واسعة خلال القرن الفائت، يصوّر نيفيل شوت نورواي العالم كاملاً كساحة حرب، روسيا تدخل الصين كرد فعل على حرب سابقة، السلاح النووي يُستخدم بصورة قاسية، الغلاف الجوّي معبأ بالسموم، والموت قادم من الشمال، بينما يقف طفل وأبيه على أحد شواطئ ملبورن، في مواجهة المحيط الواسع، بانتظار النهاية القادمة.

قبل ذلك بعدة عقود كان نورواي يعمل بالأساس في مجال هندسة الطائرات، في العام 1929 كان رئيساً للفريق الذي يعمل على تصميم المنطاد الملكي “R100″، والذي كان بدوره جزءاً من مشروع تحاول المملكة البريطانية مد أذرعها من خلاله إلى العالم كله.

في تلك الفترة كتب نورواي بحثاً يدرس خلاله الإمكانات الواعدة لمجال الطيران في المستقبل، وصولاً إلى العام 1980 وما بعده. فقال خلال بحثه، وبدرجة كبيرة من الثقة، أن هناك مدى واضح ومحدد للسرعة لا يمكن أن تتخطاه الطائرات التجارية، وهو حوالي 200 كيلومتر في الساعة، بحمولة 4 طن فقط، مع مدى لا يتخطّى 1000 كليومتر.

نعرف بالطبع أن تلك الأرقام قد تضاعفت أكثر من خمس مرّات، وأن المجال – رغم تعقيداته النظرية والتقنية – يأمل أن تتضاعف مرة أخرى في حدود الممكن، وإن كانت القفزات الجديدة تتم ببطئ في كل مرة. لكن السيد نورواي لم يدرك أنه، في كل مرة نتعرض بها لتلك النقطة التي تتوقف عندها الاحتمالات، يتقدم أحدهم بقفزة.

في عالمنا المعاصر نواجه عدة مشكلات شبيهة بتلك التي تصور نورواي وجودها. في الفيزياء النظرية، على سبيل المثال، لا يمكن أن نجد بعد أية قدرة على اختبار النظريات المتصارعة والتي تحاول دمج عالم الكوانتم مع عالم النسبية. إذا كنت طالباً في أحد الكلّيات الخاصة بالفيزياء، ربما ستجد تناقضاً عجيباً بين محاضرات النسبية ومحاضرات الكوانتم لدرجة تدفعك للتساؤل: “هل يعرف هؤلاء ما الذي يدرسونه لنا؟ هذا الهراء ضد بعضه!”.

على الرغم من ذلك، فإن محاولاتنا المستميتة لحل هذا التناقض تمخضت عن اتجاهين رئيسيين، لكلٍ منهما تفرعات عدة، وهما نظرية الأوتار القادمة من عالم الجسيمات دون الذرية، ونظرية الجاذبية الكمومية الحلقية، ولا نعرف بعد أي منهما يصف طبيعة الواقع بصورة أفضل. بحد تعبير “توماس كون”، فإن الوسط العلمي يقف في حالة من الفوضى بين نموذج معرفي وآخر، يسميها “نموذج إرشادي” أو “بارادايم”.

حدود البشر

أما في عالم التقنية، فنحن نقف بالفعل على حدود قانون مور، والذي ينص على أن عدد الترانزيستورات على الشريحة الإلكترونية للمعالج في الحاسوب يتضاعف كل عامين تقريباً مع ثبات سعر الشريحة. تأمّل الآيباد 2 على سبيل المثال، قدرة هذا الجهاز على معالجة المعلومات هي نفسها قدرة حاسب في الخمسينيات تكلّف بناؤه 98 تريليون دولار.

ذلك لأن قدرات المعالجات تتضاعف، لكننا نقترب من نهاية هذا القانون شيئاً فشيئاً. فمع تطوير قدراتنا على زرع الترانزيستورات في شرائح الحواسيب الدقيقة اقتربنا من أرض الكوانتم، وأصبح الأمر مكلفاً للطاقة. بالتالي فإننا أمام أحد تلك الحدود التي تحدث عنها نورواي، أو الفيزيائيون قبل ظهور أفكار دونا ستريكلاند و جيرارد مورو، أو بول ايرليش في كتابه “قنبلة السكّان”. 

لقد أخطأوا جميعاً في توقعاتهم عن المستقبل، لسببٍ واحد يقول أنه على الرغم من أن الموارد قد تكون محدودة، إلا أن المعيار الرئيسي الذي يتحكم بها ليس في كميتها، بقدر ما هو في قدرتنا على الإبداع في استخدامها، يفتح ذلك الباب لرؤية استثنائية ذات علاقة بالمستقبل، هل سينتهي العالم قريباً؟

لا شك أن هذا احتمال قائم، لكنه ليس الاحتمال الوحيد، ولا حتّى الأكثر قرباً من الواقع. لكن تأمل مثلاً ذلك الاحتفاء الشديد باقتراب وصولنا لمرحلة “البكتيريا المقاومة لكل المضادات الحيوية”، أو “مخاطر التغيرات المناخية”. ما تراه على وسائل التواصل هو أقرب ما يكون لحالة احتفاء بقدومها، وكأن الأمر، كما قال هاروكي موراكامي ذات مرة : “أن كل واحد منا، في أعماق قلبه، ينتظر قدوم نهاية العالم”.

هل انتهت المعركة؟

لكنه ليس كذلك، في كتابه “هل انتصرت البكتيريا؟” يسأل “هيو بننجتون” أستاذ علم البكتيريا في جامعة إبردين قائلاً: لماذا تحاصرنا المخاوف من المستقبل رغم أن تاريخنا مع المرض حافل بالانتصارات؟ لقد انتصرنا على شلل الأطفال، جنون البقر، الجدري، الملاريا، ويمكن أن ننتصر على أي شيء آخر، لأن البشر غالباً ما يفعلون شيئاً ما تجاه الأمر.

هل سيكون المستقبل مشرقاً؟ ذلك احتمال قائم، قد لا نتمكن من تحديد معالمه بدقة، لكننا نعرف أنه في يونيو الفائت تمكن باحثون من جامعة أدنبرة من إنتاج خنازير معدلة جينياً لتقاوم مرض فيروسي شائع يسمى “الأذن الزرقاء”. من جهة أخرى تمكن باحثون في الأكاديمية الصينية للعلوم في مايو الماضي، عبر التحرير الجيني، من إنتاج نوع من الأرز يعطي إنتاجاً من الأرز أكبر بقيمة 31%. قد يساعدنا التحرير الجيني يوماً ما حينما نقترب من جديد من حدود نقص الغذاء.

تأمل التطور التقني العالمي في ثلاثين سنة فقط، الهواتف والحواسيب والإنترنت فائق السرعة، تأمل كل ما نعيش فيه من تقدم تكنولوجي بداية من القطار البخاري. كل ذلك جاء في مائتي سنة فقط من تاريخنا. قبل فترة قصيرة أعلن الباحثون من مرصد “أفق الحدث” عن أول صورة للثقب الأسود في تاريخنا، قد لا تفيدك كثيراً بينما تستذكر الدروس في الجامعة أو تعمل بكد من أجل الحصول على مستوى معيشي مناسب، لكنها إشارة لفهم المستقبل، للطريقة التي يقفز بها البشر على استثناءات. تأمل 30 سنة مضت، ماذا يمكن أن يحدث بعد  300 سنة  أخرى؟

تم نشر هذا المقال في العدد الثالث عشر من مجلة بوبيولار ساينس – العلوم للعموم عن علوم القوى الخارقة. يمكنكم الاطلاع عليه وشراءه من هنا.