Reading Time: 3 minutes

يحتوي النصف الجنوبي من كوكب المريخ على المئات من شبكات الوديان التي حيّرت الجيولوجيين منذ زمنٍ طويل. يعتقد الجيولوجيون أن هذه الأودية ناجمة عن عوامل الحتّ والتعرية التي يسببها تدفّق الماء. يشير ذلك إلى أن المريخ كان مكاناً دافئاً نسبياً في البدايات. لكن النماذج الحاسوبية السابقة أشارت إلى أن الكوكب الأحمر كان بارداً ومتجمداً خلال تلك الفترة الزمنية.

قام علماء الكواكب مؤخراً بالبحث أكثر حول ماهيّة وديان المريخ وسبب نشوئها، وقارنوها بالتكوينات المماثلة على الأرض. وجدوا أن المياه المتدفقة تحت الصفائح الجليدية ساهمت بتشكّل نسبةٍ كبيرة من هذه الوديان على المريخ، مما يؤكد أن الكوكب الأحمر كان بارداً ومتجمداً في المراحل المبكرة من تاريخه. وقد نشر العلماء نتائج دراستهم في دورية «نيتشر جيوساينس» في 3 أغسطس/آب.

تقول «آنا جراو جالوفر»، عالمة الكواكب في جامعة ولاية أريزونا في تيمبي، والمؤلفة المشاركة في الدراسة: «هل كان كوكب المريخ في الأساس كوكباً متجمداً، وهل كان هناك ماء سائل يجري على سطحه؟ أم كان كوكباً يمتلك دورة مياه مماثلة لدورة المياه على الأرض؟» كان هناك خلاف بين الباحثين، حيث بنوا وجهات نظرهم بناءً على نوعين من الأدلة. تقول جالوفر: «كانوا عالقين بين النماذج الحاسوبية التي تقترح أن المريخ كان جليدياً في بداياته، وبين الأدلة الجيولوجية التي تشير إلى وجود الأمطار والمحيطات والبحيرات على المريخ».

تشير جالوفر إلى أن النتائج الجديدة تسد الفجوة بين هذين المصدرين للمعلومات، ويمكن أن تساعد العلماء أكثر في بحثهم الدؤوب عن احتمال وجود حياة على المريخ.

تشكلت الوديان التي درستها جراو جالوفر وزملائها منذ ما يقدر بنحو 3.9 إلى 3.5 مليار سنة، أي في الوقت الذي ظهرت فيه الحياة أول مرة على الأرض. وتتوزع وديان المريخ فوق المرتفعات الجبلية في النصف الجنوبي من الكوكب، وتتراوح أبعادها بين الضيقة جداً، والممتدة لأميال قليلة إلى شبكاتٍ واسعة ومعقدة تشبه روافد الأنهار الأرضية مثل نهر النيل، أو الميسيسبي.

درست غراو جالوفر وزملاؤها 10276 وادياً تنتمي إلى 66 شبكة مختلفة. وبناءً على شكل تلك الوديان وخصائصها الطبيعية الأخرى، تمكن الباحثون من تحديد أنواع عمليات التعرية التي ساهمت بتشكيلها. كما وجد الباحثون أن الأودية تشكلت بعدة طرق مختلفة، فمن بين 48 وادياً تملك سماتٍ مميزة، وجدوا أن 3 وديانٍ من المحتمل أنها تشكلت نتيجة جريان المياه الجوفية الآتية من الينابيع، و9 منها تشكلت نتيجة عوامل التعرية بواسطة الأنهار الجليدية، و14 منها بسبب الأنهار، بينما حُفرت الوديان المتبقية نتيجة جريان المياه الذائبة تحت الصفائح الجليدية.

يتشابه النوعين الأخيرين من الوديان إلى حدٍ كبير، ويبدو أن لهما تشكلا بطريقةٍ متشابهة بالفعل.

تقول جالوفر: «هي مجرد مياه تتدفق على السطح، ولكن يمكنها أن تتدفق تحت الجليد، أو تكون مكشوفة وتلامس الهواء». تشير جالوفر إلى أن القنوات المائية التي تجري تحت الجليد تشبه إلى حدٍ ما أنابيب المياه في أنظمة السباكة.

هذه الوديان تذكّر جالوفر وفرقها بالوديان الموجودة حول جزيرة «ديفون» في أرخبيل القطب الشمالي في كندا. فقد لاحظ الباحثون أن الوديان التي سببتها القنوات الجليدية -سواء على الأرض أو المريخ- متشابهة إلى حدٍّ كبير لأنها محفورة من الأسفل للأعلى. يمكن أن يجري الماء من الأسفل إلى الأعلى عندما يُجبر ضغط الصفيحة الجليدية الماء الموجود في القنوات تحت الجليد على الانتقال من المناطق التي يكون الغطاء الجليدي سميكاً؛ إلى المناطق ذات السُّمك الأقل. تقول جالوفر: «يمكن أن يتدفّق الماء صعوداً في الأقنية تحت الجليد، وذلك لا يمكن أن يحدث أبداً في حالة الأنهار».

قد يشير وجود الوديان الناتجة من الأنهار والصفائح الجليدية إلى أن بعض المناطق في مرتفعات المريخ القديمة ظلت خالية من الجليد. تقول جالوفر: «قد يعني ذلك أن كوكب المريخ قد سادته مناخات مختلفة في فتراتٍ زمنية مختلفة. ربما انتشر الجليد على نطاقٍ واسع في مرحلة ما على سطح المريخ، ولكن في مرحلةٍ أخرى، تراجع هذا الجليد وذاب بما يكفي ليشكّل الأنهار».

ومع ذلك، لم يتضح بعد متى حدثت هاتان الفترتان، أو أيهما حدث أولاً. تقول جالوفر: «قد تحمل العينات التي جمعتها مركبة «بيرسيفيرانس» التي أطلقتها ناسا مؤخراً في النهاية الإجابة أخيراً عن هذا السؤال».

قد يكون وجود الصفائح الجليدية مبكراً على المريخ جعله أكثر قابلية للحياة. حيث يوفر الغطاء الجليدي فرصة لوجود حياةٍ تحته إذا كان غنياً بقنوات المياه بشكلٍ ثابت. كما سيوفر الغطاء الجليدي عزلاً حرارياً للكائنات الحية المحتمل وجودها ضد التقلبات الكبيرة في درجات الحرارة على السطح، وستحميها أيضاً من الإشعاع الشمسي.

تزدهر الحياة على الأرض عبر مجموعة كبيرة من الموائل المختلفة، كما يشير «روبن وردزورث»، عالم الكواكب في جامعة هارفارد الذي لم يشارك في البحث. يقول في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني إلى بوبيولار ساينس: «إذا كان المريخ بارداً بالفعل خلال مرحلةٍ طويلة في بداياته، فإن ذلك يستوجب توسيع البحث عن أشكال الحياة القديمة لتشمل مدىً متنوعاً من البيئات. إن استنتاج الباحثين بأن العديد من شبكات الوديان على المريخ قد تشكلت تحت الجليد؛ يوفر منظوراً جديداً مذهلاً لطبيعة مناخ المريخ المبكر الغامض».