Reading Time: 3 minutes

منذ أكثر من 10 آلاف عام، انفجر نجمٌ في مجرتنا. لكن الضوء المنبعث من هذا الانفجار لم يصل إلى الأرض حتى عام 1572، عندما رأى عالم الفلك «تايكو براهي» موجة ساطعة في سماء الليل ظنّها مؤشراً على ولادة نجمٍ جديد. لكننا بتنا نعلم الآن أن تلك الموجة كانت في الواقع هي موتَ تدريجي لنجم قزم إلى أن انفجر، وأحدث ما يُعرف بانفجار «السوبر نوفا» أو «المستعر الأعظم». ينتج هذا الانفجار النجمي أثناء موت النجم، حيث تنبعث موجةٌ متفجرةٌ هائلةٌ من الطاقة والمادّة، التي تتبعثر في الفضاء. وبالرغم من مضي ما يقرب من 500 عام من اكتشاف النجم الذي رآه تايكو، ما تزال آثار انفجاره ظاهرة.

نشرت وكالة ناسا منذ أشهر أحدث صورٍ لبقايا المستعر الأعظم «تايكو» (سمّي كذلك تيمناً بالعالم الذي اكتشفه). حيث تشبه الصورة التي التقطها مرصد «تشاندرا» للأشعة السينية كرةً من غزل البنات البرّاقة.

يقول «برايان ويليامز»، عالم الفلك في وكالة ناسا الذي ساعد في التقاط الصورة الأخيرة لبقايا المستعر الأعظم: «عندما أنظر إلى الصورة، أتخيلها كحلوى كونية من غزل البنات». في الحقيقة، يدرس العلماء هذه المستعرات العظمى لتكوين فهمٍ أفضل للكون، واختبار النظريات المتعلّقة بالمستعرات العظمى. وحسب ويليامز، لا يعلم العلماء حتّى الآن كيفية حدوث المستعرات العظمى في الكون، أو تسلسل هذه الانفجارات الهائلة. بالإضافة إلى ذلك، ما تزال الآلية التي تتخذ فيها هذه المستعرات شكلها «الرقيق» و«المتكتل الكروي غير المنتظم» لغزاً محيراً بالنسبة للعلماء.

يُصنف «تايكو- Tycho» كمستعرٍ عظيم من النوع «1a»، حيث نتج عن انفجارٍ نووي حراري هائل، مُطلقاً بذلك موجةً صدمية انتقلت بسرعة بلغت 5 آلاف كيلومترٍ في الثانية. أصابت الموجة الغاز والغبار الكوني القريبين منها ما أدّى لتسخنهما إلى ملايينٍ من الدرجات المئوية. طبعاً لا يمكن للعين البشرية ملاحظة أيّ من هذا النشاط الضخم، لكنّه كان واضحاً جداً من خلال صور الأشعة السينية (الأشعة السينية ذات طاقةٍ أعلى من طاقة الضوء المرئي، وغالباً ما تنتج عن أجسامٍ شديدة الحرارة، مثل الثقوب السوداء وتجمّعات المجرات والمستعرات العظمى).

يقول «جيلز فيراند»، الفيزيائي الذي يستخدم البيانات لبناء مشاهد ثلاثية الأبعاد للمستعرات العظمى: «إن صورة تايكو هذه ملفتة للنظر من الناحية البصرية، ولها مغزىً علمي أيضاً. في الواقع ليست المرة الأولى التي نلتقط فيها صورة لتايكو، إلا أنّ هناك شيئاً جديداً في هذه الصورة المثيرة للاهتمام».

الشيء الجديد هما اللونين الأزرق والأحمر في وسط الصورة. معظم الألوان في الصورة (الأحمر والأصفر والسماوي والأزرق الداكن والأرجواني والبرتقالي) تشير إلى مستوياتٍ طاقيةٍ مختلفة كما نُميزها من خلال تلسكوب الأشعة السينية (الأحمر، الأصفر هو أدناها، بينما البرتقالي والأرجواني هو أعلاها). وقد تمكّن العلماء من خلال هذه الصورة الجديدة من عزل ورؤية عنصر السيليكون تحديداً، حيث كانت بقع اللون الأزرق في الوسط تمثل السيليكون الأقرب إلينا، بينما تمثل البقع الحمراء السيليكون البعيد عنّا.

لدى العلماء تفسيران مُحتملان لكيفية تشكيل بقايا «تايكو» لهذه التكتلات الكروية غير المنتظمة الرقيقة (كُرات غزل البنات). الأول يفترض أن الانفجار كان كروياً وسلساً، ومن ثمّ ومع تمدده، تسبب عدم استقرار السوائل (بين الحُبيبات في الفضاء والمادّة الناتجة عن الانفجار) في تشكّل هذه التكتلات الصغيرة غير المنتظمة. أما الاحتمال الآخر فيقول أن «تايكو» كانت متكتلاً بهذا الشكل منذ البداية، حيث من المفترض أن النجم الميت لم يتعرض لانفجارٍ رئيسي وحيد فقط، بل للعديد منها. ولتبسيط الأمر، في الاحتمال الأول تعرّض النجم القزم الأبيض لانفجارٍ نووي وحيد، أما في الاحتمال الآخر، فالأمر أشبه بوضع الملايين من عصي الديناميت في أماكن متفرقة منه ومن ثمّ تفجيرها.

ولحسم الأمر، استخدم العلماء ما دعاه وليامز تقنيةً معقدةً لتحليل الصور، للتحقّق من عدد التكتلات والثقوب في الصورة (التدقيق في مكان ظهورها والأمكنة التي لا تظهر فيها، وما هو حجمها). ومن خلال كل هذه البيانات، تمكنوا من بناء خريطةٍ ثلاثية الأبعاد لهذه التكتلات. وعندما قارن الفلكيون هذه الخريطة بمحاكاةٍ حاسوبية لآلية حدوث المستعر الأعظم، تبيّن لهم أن الاحتمال الثاني -أي ملايين عصي الديناميت التي انفجرت في وقتٍ واحد- كان أكثر ترجيحاً ومنطقية.

هذه التكتلات غنيةٌ بالعناصر الثقيلة مثل الحديد والسيليكون، وذلك منطقي بالاعتماد على المعلومات المتوفرة لدى العلماء عن كيفية تشكّل الكون. ففي البداية كان الكون الشاسع مكوناً من بعض العناصر الخفيفة البسيطة؛ كالهليوم والهيدروجين، بينما أتت معظم العناصر الثقيلة التي تشكّلت داخل النجوم؛ من خلال انفجارات المستعرات العظيمة الهائلة. كما أدّت هذه الانفجارات إلى تطاير هذه العناصر في أرجاء المجرة. وهكذا، في المرة التالية التي تتشكل فيها نجومٌ جديدة، فإنها تتشكل من هذه العناصر المتطايرة في الفضاء.

يقول وليلامز: «لا بدّ وأنك قد سمعت بالمقولة الشهيرة: كلّ ما في هذا الكون، حتى نحن، مصنوعٌ من غبار النجوم! هذا تماماً ما علمناه من هذه الصورة».