Image

بدأت منصات فيسبوك وهوكد وغيرها تغيِّر طريقتنا في القراءة.

Bread assortment بدأنا نرى شكلاً أدبياً خاصاً بالهواتف الذكية، فهل سيدوم؟
مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

لسنا من الشعوب المحبة للقراءة بشكل خاص، ولسنا وحدنا، بل حتى في أميركا، حيث إن نسبة الأميركيين الذين يقرؤون بهدف المتعة في الأيام العادية لا تتجاوز 15% من الرجال و22% من النساء، وفي السنة الماضية بلغت نسبة الأميركيين الذين لم يقرؤوا أي كتاب بأية صيغة كانت -كتاب ورقي، أو إلكتروني، أو صوتي- قيمة 25%.

ولكن يبدو أن شركات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية تعتقد أنها تمتلك حلاً لمشكلة الإعراض عن المطالعة، وقد بدأت الجهود تتصاعد من قِبل جميع الأطراف لجلب الأدب إلى الهواتف الذكية، بدءاً من الشركات ذات الوزن الثقيل في وادي السيليكون وصولاً إلى الشركات الناشئة التي يديرها عشاق المطالعة. وعلى الرغم من أن قراءة كتاب في فيسبوك مسنجر، أو “رواية الدردشة” في سناب تشات قد يبدو أمراً غريباً أو سخيفاً أو مضنياً، فإن كل مبادرة جديدة من هذا النوع تدفع بالمطالعة إلى خارج الحدود الورقية.

وفي السنة الماضية، عرض جيمس باترسون (وهو من أنجح الكتاب على الإطلاق من الناحية المالية، وقد قدرت مجلة فوربس دخله في 2016 بقيمة 95 مليون دولار) وفريقه على فيسبوك أن تنشر إحدى روايتيه المقبلتين في تطبيق الدردشة الخاص بالشركة؛ لأنه يعتقد أن الأميركيين في حاجة إلى “أدب مشترك”. وقد اختارت الشركة رواية عن محقق في نيو أورليانز يدير شاحنة طعام شهيرة مع زوجته السابقة. وبعد بضعة أشهر من التطوير العاجل، أُطلقت رواية “الطاهي The Chef” على مسنجر، ويمكنك أن تجدها الآن بمجرد البحث عن العبارة التالية: “The Chef by James Patterson” (رواية الطاهي لجيمس باترسون) ضمن التطبيق.

ونظراً لعدم وجود بوابة مستقلة خاصة بالكتب ضمن التطبيق (يقول أحد المصممين إنهم يعملون عليها حالياً)، اضطر المشرفون على العمل إلى استخدام البنى الحالية الموجودة سابقاً ضمن التطبيق من أجل كل جزء من رواية باترسون. وتتطلب الكتب تقليب الصفحات، ولكن فقرات الرواية تظهر بالتتابع على مسنجر مع كل ضغطة على إيموجي السكين.

ويُعرض النص ضمن فقاعة واحدة أو عدة فقاعات دردشة (الشكل المحيط بكل كتلة من الدردشة)، وقد راعى المصممون أن يملأ كل مقطع صفحة واحدة على شاشة الجهاز الخليوي بدون أية زيادة، بحيث لا تضطر إلى تحريك النص. وسيتم إطلاق الرواية المطبوعة ورقياً في فبراير 2019، وهي أطول مما نشر على مسنجر، الذي يحتوي فقط على أكثر المقاطع حيوية وأهمية بهدف المحافظة على اهتمام القراء.

وتستغرق النسخة المطبوعة حوالي 6 ساعات لإنهائها، في حين يتطلب بوت الدردشة المستخدم للرواية حوالي 3 ساعات فقط، ولكن تجربة القراءة ضمن التطبيق يمكن أن تعوض عن النقص في النص بالكثير من الميزات الأخرى المتاحة في الملتيميديا؛ حيث تم استخدام القالب الأساسي للإعلانات من أجل “المفاجآت المخفية” الرقمية، مثل صور مستوردة من حساب (المختبر الابتكاري) على إنستغرام لشاحنة الطعام في الرواية، كما أن هناك خرائط لنيو أورليانز، ودروس تدريبية في إعداد الأطباق المحلية، إضافة إلى مقاطع فيديو من كاميرات المراقبة (وهي التي تطلبت استخدام ممثلين ومنتجين ونص تمثيلي) حول جرائم خيالية.

ويُعتبر هذا المشروع أول محاولة للمنصة للدخول في مجال الروايات، ولكنها أقرب إلى تجربة منها إلى نموذج أعمال، حيث لا تحتوي القصة على أية إعلانات أو صفقات ترويجية، وفي الواقع فهي لا تولِّد أي دخل فعلي على الإطلاق، وهي أشبه بأول كلمة في صفحة فارغة. ولهذا، فإن مشرفي المختبر الابتكاري التابع لمسنجر، وفيسبوك بشكل عام، لا يعرفون ما يمكن أن يحدث. وفي مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً، كان أعضاء فريق التصميم يتحدثون عن التحسينات التي يأملون بتطبيقها على الكتاب المقبل، قبل إطلاق الكتاب الأول حتى، وكانت الغرفة تعج بالحديث عن الاحتمالات الممكنة.

تحتوي رواية الطاهي لجيمس باترسون في مسنجر على خرائط ومنشورات إنستغرام وغيرها.
مصدر الصورة: تقدمة من مسنجر

قد يقدم لنا تطبيق مطالعة أكثر تخصصاً بعض المعلومات عما يمكن أن نتوقعه من فيسبوك، وقد أُطلق تطبيق “هوكد Hooked” في 2015، وهذا التطبيق لا يعتمد على نشر أعمال كتاب معروفين، بل ينحو باتجاه قصص مخصَّصة للتواصل الاجتماعي. وتعتبر هذه الأعمال الأصلية جزءاً من نمط أدبي رقمي تُطلق عليه الشركة اسم “روايات الدردشة”، وهي قصص مكتوبة على شكل رسائل نصية تظهر بشكل متتابع على الشاشة.

وقد قام باراج تشورديا وبريرنا جوبتا -وهما متزوجان- بإطلاق الشركة الناشئة بعد عدة صيغ ومحاولات تجريبية، وكانا يأملان في البداية بتحقيق نجاح كبير في الميديا القائمة على الصور، بالاعتماد على القصص المصورة ومقتطفات من روايات ناجحة. ولكن معدلات الاستكمال لدى الجمهور المستهدف -بأعمار تتراوح من 13 إلى 24 سنة- كانت منخفضة، فقد أنهى 35% من القراء فقط قراءةَ المقتطفات وفقاً لجوبتا. ومع ذلك فقد ازدهرت روايات الدردشة؛ حيث إن القصص المؤلفة من 1,000 كلمة -والتي تتضمن حواراً ضمن الرسائل النصية بين شخصيتين على الأقل حول تطورات الحبكة- قد حققت نسب استكمال تتراوح حول 80% و أحياناً 90%.

ومؤخراً أطلق هوكد أطول عمل من روايات الدردشة في تاريخه، وذلك على قناة مخصَّصة لهذا الهدف على سناب تشات، وقد ظهرت القصة المؤلفة من 30,000 كلمة، بعنوان “المادة المظلمة Dark Matter” على شكل “حلقات” (أو “فصول”، بشكل أكثر تقليدية)، وكل حلقة مؤلفة من 5,000 إلى 8,000 كلمة.

وعلى غرار جميع قصص هوكد، تعتمد هذه القصة بشكل كبير على النهايات المفتوحة والمشوقة للمحافظة على استمرار القراء بالمطالعة من رسالة إلى أخرى؛ فقد ظهرت النقاط الثلاثة المتتابعة بشكل متكرر في النص، كما اعتمدت القصة على لغز يزيد من التشويق تدريجياً. تقول جوبتا: “عندما تمسك بالهاتف الخليوي، توجد الكثير من العوامل التي تحاول الاستحواذ على انتباهك، ولهذا يجب أن يشعر المستخدمون بوجود ما يشبه المكافأة في كل حلقة”، وإلا فلن يعودوا مرة أخرى.

رواية الدردشة كما تبدو على الشاشة.
مصدر الصورة: تقدمة من هوكد

يبدو مصطلح “كتاب ضمن سناب تشات” أشبه بخلطة كلمات من عصر ما بعد الحداثة، ولكن أسلوب هوكد في التقسيم إلى حلقات كان ناجحاً على امتداد قرون عدة. ففي الحقبة الفيكتورية، كان معظم الكتاب ينشرون قصصهم على شكل أجزاء ضمن الصحف، بحيث يستمر نشر الرواية الواحدة لأسابيع أو أشهر، وهناك الكثير من القصص العالمية التي نشرت في البداية بهذه الطريقة، مثل مذكرات بيكويك لتشارلز ديكنز، وكونت مونتي كريستو لألكسندر دوما، وقصص شيرلوك هولمز.

وقد يكون هذا السبب هو الذي دعا التقليديين في مجال الأدب إلى دخول فضاء روايات التواصل الاجتماعي أيضاً، ففي 2012 مثلاً نشرت مجلة نيويوركر قصة أصلية لجنيفر إيجان على تويتر، وقد ظهرت هذه القصة بعنوان “الصندوق الأسود Black Box” على الإنترنت وفي المجلة، ولكنها بدت مكتوبة بشكل خاص لتناسب النشر على منصة التواصل الاجتماعي؛ حيث إنها مؤلفة من مئات من الأسطر التي يحوي كل منها حوالي 140 محرفاً (وهو العدد الأقصى المسموح به للمحارف في منشورات تويتر) بدلاً من الشكل التقليدي القائم على المقاطع والفقرات.

كما بدأت مكتبة نيويورك العامة بتحويل الكتب العامة إلى قصص إنستغرام (طويلة للغاية)، ويمكنك الدخول إلى حساب المكتبة على إنستغرام @NYPL والبحث ضمن القصص المحفوظة، وستجد هناك نسخاً ذات صور متحركة يمكن تقليب صفحاتها بالنقر من كتب “ورق الجدران الأصفر The Yellow Wallpaper” و”أليس في بلاد العجائب Alice in Wonderland” (في جزأين)، و”الغراب The Raven”.

Alice Part 1 – @nypl

ولكن يوجد شيء آخر يتم التحضير له أيضاً، وهو أمر ليس مستغرباً في مجال النشر الذي لم يشهد الاستقرار في تاريخه؛ فبدءاً من الرهبان القابعين في غرف النسخ وهم يرسمون الكلمات في كتب لم يكن أحد قادراً على قراءتها، وصولاً إلى فجر الطباعة، وانتهاء بحقبة الكتب الإلكترونية، كانت طريقة قراءتنا تتغير باستمرار، والشيء الوحيد الذي بقي ثابتاً هو الأهمية المطلقة للكلمات نفسها.

وإن محاولة إقناع شخص من عشاق قرقعة الورق الطازج بقراءة رواية على فيسبوك مسنجر أمر صعب، وكذلك من الصعب إقناع مراهق يحب سناب تشات بقراءة كتاب قديم من المكتبة قد تراكم عليه العفن. ولكن استدراج شخص يحب الروايات الخيالية إلى قراءة رواية لجيمس باترسون، سواء في كتاب ورقي أو إلكتروني أو فقاعة مسنجر، أمر أكثر صعوبة؛ حيث أصبح من الصعب التمييز بين الرسالة والوسيلة التي تحملها، ولكن الرسالة ما زالت الأهم.

وفي المحصلة، فإن رواية الطاهي على مسنجر ورواية المادة المظلمة على هوكد ليستا موجهتين للجميع، ولا تدَّعيان أنهما تناسبان الجميع. ومن باترسون إلى جوبتا، يبقى الهدف المعلن هو اجتذاب المزيد من الناس إلى المطالعة، بأي شكل يفضِّلونه، ولذلك يمكنك أن تدعم التنوع في منصات المطالعة، وتحافظ في نفس الوقت على علاقتك الحميمية مع كتبك الورقية.

error: Content is protected !!