Reading Time: 3 minutes

تُسجَّل معظم حالات الإصابة بحُمَّى الوادي المتصدع بالولايات المتحدة في أريزونا وكاليفورنيا، ويبلغ عددها 10 آلاف حالة سنوياً. وتتسبب البيئة والطقس -الصحراء الجافة ومواسم الأمطار-، في خلق الظروف الملائمة لبقاء وازدهار فطريات «الكروانية» المسببة للمرض وازدهارها. سترتفع درجة الحرارة مع التغير المناخي، وستتغير أنماط الطقس. وبحدوث هذه التغيرات، سيتسع النطاق الذي تغطيه هذه الفطريات بحلول عام 2100؛ مما سيؤدي إلى زيادة عدد حالات الإصابة بحمى الوادي المتصدع بنسبة 50%، وفقاً لنموذج جديد نُشر في دورية «جيو هيلث». نطاق انتشار الفطريات حالياً محدود؛ بسبب المطر ودرجة الحرارة في الولايتين، لكن التغير المناخي سيساهم في إزالة الحواجز البيئية التي تحد من انتشارها.

وفي معرض حديثه عن الموضوع، قال «مورجان جوريس»، الباحث في قسم علوم نظام الأرض في جامعة كاليفورنيا، والباحث الرئيسي في الدراسة: «نعلم أن حمى الوادي المتصدع -والفطريات المسببة لها- تقتصر على الأماكن الحارة والجافة؛ أي المناخات الصحراوية، وبفعل التغير المناخي توقَّعنا أن ثمة مناطق أخرى يمكن لهذه الفطريات أن تعيش فيها في المستقبل».

تنمو فطريات الكروانية داخل التربة في المناطق التي تشهد تساقط ضعيف للأمطار، بعدها تجف خلال فترات الجفاف، وتُحرِّر أبواغاً تحملها الرياح وغيرها من الاضطرابات الهوائية. عند وصول الهواء المحمل بالفطريات إلى الرئتين، يُصاب الإنسان بالحمى، وعادة ما تكون الأعراض خفيفة؛ مثل: السعال، والحمى (ارتفاع درجة الحرارة)، والقشعريرة. ومع ذلك؛ تتسبب حمى الوادي في وفاة نحو 200 شخص في الولايات المتحدة سنوياً، لا سيما كبار السن، ومن يعانون ضعفاً على مستوى الجهاز المناعي. بالمقارنة تُسجَّل نحو 120 حالة وفاة فقط في المتوسط؛ نتيجة الإصابة بفيروس غرب النيل كل عام.

المناخ, التغير المناخي, الاحتباس الحراري, مستقبل المناخ

التغير المناخي — حقوق الصورة: Matt Barringer/ Unsplash

وقارن الباحثون معدلات هطول الأمطار، ودرجات الحرارة، والبيانات البيئية الأخرى، بمعدلات حمى الوادي لتحديد الظروف البيئية المرتبطة بالإصابة بالمرض، ثم استخدموا تلك المعلومات؛ للتنبؤ بالأماكن التي قد يظهر فيها المرض بانتظام، في ظل الظروف المناخية المتوقعة في نماذج المناخ المستقبلية. من خلال تقديراتها، تَبيَّن أن المناطق التي ستتأثر بانتظام بحمى الوادي ستشمل معظم الولايات الغربية والشمالية.

وفي تعليقه على هذا، قال «جيمس راندرسون»، الأستاذ في قسم علوم نظام الأرض بجامعة كاليفورنيا: «ستمر حمى الوادي عبر أوكلاهوما وكولورادو ووايومنج؛ أي المناطق الأكثر جفافاً، ثم تنتقل إلى المناطق التي ضربتها قصعة الغبار». ويضيف: «يدعو هذا إلى القلق؛ لأننا نعلم أن الظروف المناخية في الماضي أدت إلى نشوء عواصف غبارية»، وهذه الأخيرة يمكن أن تزيد من حدة انتشار حمى الوادي. ومن المتوقع في شمال كاليفورنيا وأجزاء من ولاية أوريجون أن يؤدي التغير المناخي إلى زيادة هطول الأمطار؛ مما سيردع هذه الفطريات، بالرغم من أن درجات الحرارة سترتفع.

بيَّنت الدراسة أيضاً أن اعتدال المناخ -نتيجة تراجع استخدام الوقود الأحفوري، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من الاحتباس الحراري- يمكن أن يَحُولَ دون اتساع رقعة انتشار حمى الوادي المتصدع. يقول راندرسون: «لقد أبرزت الدراسة أهمية اتخاذ خطوات للتخفيف من آثار التغير المناخي، ونتائجها الإيجابية على الصحة العامة». وحالياً لم تُبلِّغ سوى بعض الولايات مراكز السيطرة على الأمراض بتسجيل حالات إصابة بحمى الوادي المتصدع. ويقول راندرسون: «تشير خرائطنا وتوقعاتنا إلى أنه سيكون من الأنجع أن ترسل الولايات الحدودية مزيداً من التقارير لمعرفة ما إذا كان المرض يتحرك أم لا»، وسيساعد هذا في تعزيز الوعي بالمرض بين مسؤولي الصحة العامة، والأطباء الذين لا يصادفون هذا المرض عادةً.

وتقول «سارة كوتس»، طبيبة أمراض جلدية بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: «من الصعب أن يتكيف الأطباء مع أمراض ليسوا معتادين على مقابلتها. هذا أمر مهم، نحتاج إلى التطرق إليه في مرحلة التدريب الطبي؛ أي دراسة التغير المناخي والأمراض المتأثرة به». لا تشهد مدينة سان فرانسيسكو تسجيل العديد من حالات الإصابة بحمى الوادي المتصدع؛ فعادة ما تُسجَّل حالة واحدة في السنة، لكن في عام 2016، شهدت المنطقة تسجيل عدد أكبر من المعتاد من حالات الإصابة بالمرض، الأمر الذي قد يكون له ارتباط بموسم الأمطار الغزيرة الذي شهدته المدينة في ذلك العام، واستُشِيرت كوتس بشأن الحالات التي أثرت فيها الفطريات على الجلد، العلامة التي تدل على استفحال المرض، وتقول في هذا الصدد: «أظهرت هذه الحالات ضرورة إدراج حمى الوادي المتصدع ضمن قائمة الأمراض التي يمكن أن تسبب تلك الأعراض؛ لذلك إنْ لم تتلقَ تدريباً مناسباً يُمكِّنك من التعرف عليها، فقد تجد نفسك أمام مرض لا تملك إمكانية تشخيصه على نحو دقيق».

ويمكن أن تساعد النماذج المناخية الأطباء في التعرف على الأمراض -التي قد تواجههم في المستقبل القريب- مع التغير المستمر في المناخ، وترى كوتس أنه: «من المفيد استخدام هذه البيانات لتحديد نوعية التدريب الذي ينبغي أن يحصل عليه الأطباء في تلك الولايات؛ لكي يكون بمقدورهم ربط الأعراض الملاحظة بالأمراض المحتملة المسببة لها، وسيحدث هذا فرقاً كبيراً».

يأمل جوريس أن يستخدم مسؤولو الصحة العامة هذه الدراسة لتطوير برامج ملائمة لمراقبة الأمراض، ويُعلِّق على هذا الأمر قائلاً: «سيكون من المفيد مساعدة المجتمع في فَهْم مخاطر المرض، وجَمْع بيانات يمكن استخدامها في الأبحاث اللاحقة».