Image

تؤثر بعض الدقائق الصغيرة التي تطلقها عوادم السيارات على الدماغ بشكل مباشر

Bread assortment يعتبر دخان السيارات من أهم مصادر التلوث
مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

عندما بدأت الحرائق الهائجة تجتاح جنوب كاليفورنيا في هذا الشهر، طلبت ديانا يونان من أفراد عائلتها الساكنين في مسار الدخان البقاء في الداخل قدر الإمكان. حيث أن الحرائق ترفع من مستوى التلوث بشكل سريع، وتملأ الهواء بأجزاء صغيرة متطايرة. درست يونان الصحة البيئية في كلية كيك الطبية في جامعة ساذرن كاليفورنيا، وهي تدرك تماماً الأضرار التي يمكن أن تتسبب بها هذه الدقائق الصغيرة.

تقول يونان: “من المعروف أن تلوث الهواء قد يؤثر على الوظائف والصحة التنفسية، ولكن لا يعرف الكثيرون أنه قد يؤثر أيضاً على الدماغ”. وعلى مدى السنوات العشر المنصرمة، بدأ العلماء بملاحظة تراكم الأدلة التي تقترح أن استنشاق الهواء الملوث يصيب الدماغ بالتسمم. وقد بدؤوا بربط هذا الأثر بالسلوك تدريجياً، خصوصاً لدى الأولاد واليافعين.

تقول يونان أن هذا الأمر مشابه لما حصل من قبل عند الربط ما بين المشاكل السلوكية لدى الأولاد وتعرضهم للرصاص الذي كان يستخدم في الوقود والطلاء. بل إن بعض العلماء يشكون بأن انخفاض معدل الجريمة في الولايات المتحدة (والكثير من الدول الأخرى) منذ التسعينيات يعود إلى إزالة الرصاص من الوقود. وتقول: “إن الرصاص هو ما أطلق الأبحاث في مجال عوامل الخطر البيئية”. بعد تحليل بيانات حوالي 700 طفل، وجدت يونان وفريقها أن الأولاد الذين تعرضوا لمقدار أكبر من التلوث أثناء النمو في لوس أنجلوس كانوا أكثر ميلاً للتورط في نشاطات مخالفة للقانون. نشر هذا البحث في مجلة Journal of Abnormal Psychology، كما تبين أن الأثر السلوكي لنفس المقدار من التلوث كان يزداد إذا كانت العلاقة ما بين الأهل والأولاد سيئة، أو عند ظهور أعراض الاكتئاب على الأمهات.

اعتمدت الدراسة على بيانات جُمعت من أطفال على مدى عقد من الزمن تقريباً، وكان عمرهم في بداية الدراسة تسع سنوات. وكان الأهل يقدمون يجيبون عن استبيانات حول سلوك أولادهم كل بضعة سنوات، وتضمنت الاستبيانات أسئلة حول أشياء مثل الكذب والغش، وتعاطي المخدرات، والتخريب. بعد هذا، استخدم الفريق البحثي بيانات يومية حول نسبة تلوث الهواء في المنطقة لتحديد مقدار التلوث الذي تعرض له كل من هؤلاء الأولاد قرب المنزل على مدى الدراسة.

ركزت يونان على التلوث بالدقائق 2.5، وهي أصغر من الشعرة البشرية بمقدار 30 ضعفاً. تقول يونان: “لا يمكن للبشر رؤية هذا الدخان. وهو أمر سيء”. وتضيف أن هذا النوع من التلوث ينتج بشكل أساسي عن السيارات وحركة السير. لا يمكن تفسير الصلة بين مستويات التلوث والسلوك المخالف للقانون بالاعتماد على الاختلافات في العرق أو الحالة الاجتماعية والاقتصادية أو الجنس أو غيرها من العوامل الاجتماعية. ولكتها تشير أن الناس الأكثر فقراً هم أكثر ميلاً للسكن قرب طريق سريع أو في منطقة أكثر تلوثاً، ويتعرضون لهذه الدقائق ذات التأثير السلبي بشكل أكبر.

تشير يونان إلى بعض نقاط الضعف في هذه الدراسة. فعلى سبيل المثال، لم تأخذ التلوث بالضجيج بعين الاعتبار، كما أن الأهل لم يوضحوا سلوك الأولاد إلا ضمن المنزل، وليس في المدرسة أو ضمن النشاطات الاجتماعية. وتأمل أن الدراسات المقبلة يمكن أن تساعد على إثبات صحة النتائج، وتقول: “إنه مجال جديد للغاية للبحث”. بدأت ديبورا كوري سليتشا، وهي بروفسورة في الطب البيئي في جامعة روتشيستر وغير مشاركة في هذه الدراسة، حياتها العملية بالبحث في مسألة التعرض للرصاص. ولكن في السنوات الأخيرة، انتقلت نحو البحث في موضوع تلوث الهواء. في البداية، كانت مشككة في تأثير التلوث على الدماغ. تقول كوري سليتشا: “ولكن شعرنا بالذهول إزاء ما بدأنا نكتشفه. لقد تفاجأ الجميع، على الأقل، بمدى خطورة هذه التأثيرات”.

درست كوري سليتشا تأثير تلوث الهواء على أنماط الحيوانات، وتقول أن التغيرات السلوكية التي ظهرت في هذه الدراسات توافق، على ما يبدو، نوع السلوك المخالف للقانون في دراسة يونان الطولية (مراقبة نفس مواضيع الاختبار على فترات طويلة). تقول كوري سليتشا: “حتى عندما تتعرض الحيوانات لمستويات منخفضة نسبياً من التلوث، تظهر تغيرات سلوكية، مثل حدة المزاج، والتي يمكن أن نعتبرها ذات صلة بالسلوك المخالف للقانون”.

أما بالنسبة لطريقة وصول التلوث إلى الدماغ، فهناك بضعة طرق محتملة. يمكن للجزيئات المستنشقة إلى داخل الرئتين أن تدخل إلى الدم، ومن ثم ينتهي بها المطاف في الدماغ. كما يمكن للمواد الدقيقة أن تسبب الإجهاد للرئتين، ما يؤدي إلى إنتاج جزيئات مثيرة للالتهاب تتجه إلى الدماغ. يمكن للتلوث أن يصيب الدماغ بشكل مباشر أيضاً، وذلك عند استنشاق الهواء الملوث عبر الأنف، والذي يتصل بجزء من الدماغ يسمى بالبصلة الشمية. ويعني هذا المسار أن الدقائق تتخطى حماية الحاجز الدموي الدماغي، كما تقول كوري سليتشا.

غالباً ما تترافق الدقائق مع المعادن، والمواد العضوية، أو غيرها من الملوثات التي تخرب الدماغ، خصوصاً في فترة النمو الحساسة. تقول يونان: “إنها استجابة جسدية للتلوث، وتتسبب بالضرر للدماغ”. عندما أزيل الرصاص من الوقود، انخفضت معدلات الجريمة، وتتوقع يونان أن تتكرر نفس الحالة بالنسبة لتلوث الهواء أيضاً، وتقول: “على مدى العقدين الماضيين، تناقص تلوث الهواء وانخفض معدل الجريمة. سيكون من المثير للاهتمام دراسة العلاقة بين هذين التغيرين”.

ازدهرت الأبحاث حول تلوث الهواء والدماغ في السنوات الخمس المنصرمة، وفقاً لكوري سليتشا، ولكن هذا المجال ما يزال جديداً، وهناك الكثير من العمل. تقول كوري سليتشا: “ما زلنا في البداية وفقاً للكثير من النواحي”.

error: Content is protected !!