Reading Time: 3 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


تخطط وكالة ناسا لإرسال رحلةٍ جديدةٍ مأهولة إلى القمر، لكن العلماء يعملون لاستكشاف مكانٍ آخر ما يزال مجهولاً بنفس القدر تقريباً على الأرض؛ إنها أعماق المحيطات. في الواقع، تُعتبر أعماق المحيطات المظلمة والباردة والتي يصعب الوصول إليها من أكبر الأماكن التي تعجّ بالحياة على الأرض، وتحتوي على أسماكٍ غريبة المظهر وكائنات أخرى مختلفة بالإضافة للعديد من الأنواع لم يتم تحديدها علمياً.

في ورقةٍ بحثية جديدة نُشرت في دورية «بلس وان»، ينظر علماء كنديون باحتمالٍ آخر مذهل لمراقبة حيوانات أعماق المحيطات، وهي تقييم أعداد هذه الحيوانات من خلال الأثر المتبقي من جيناتها في مياه البحر. يتضمن هذا النهج، والمعروف باسم «الترميز الأيضي للحمض النووي البيئي»، تقييم الأثر المتبقي من الحمض النووي الذي تطرحه الكائنات الحية في عينات من مياه البحر للتعرّف على أعدادها ووفرتها ومدى تنوعها في أعماق المحيط.

يقول «مهرداد حاجبابائي»، أستاذ علم الأحياء في معهد الأحياء التكاملي والتنوع البيولوجي في أونتاريو بكندا: «هناك أجزاء من جينوم كل كائن حي ترمز للجينات الخاصة بالأنواع. وفي هذا النهج، تعمل هذه الأجزاء مثل «الباركود»، حيث تحدد وجود كلّ كائنٍ حي من خلال وجود حمضه النووي في مياه البحر».

تقنية ترميز الحمض النووي البيئي

استخدم حاجبابائي وزملائه في الدراسة شفرة الحمض النووي الخيطية (أسلوب تصنيف الذي يستخدم علامة جينية قصيرة في الحمض النووي في الكائنات الحية للتعرف على أنها تنتمي إلى نوع معين)، على الحمض النووي البيئي الموجود في عينات مياه البحر التي جمعوها من أعماقٍ تزيد عن 1440 متراً. وقد حدد العلماء كمية المياه التي يجب أن تكون في العينة الواحدة لكي تعطي قراءات الحمض النووي المفيدة في التحليل بأكثر من 1.5 لتراً.

تمكن العلماء من خلال استخدام تقنية ترميز الحمض النووي البيئي من تحديد عددٍ مقاربٍ من الأنواع التي يمكن اكتشافها بطرقٍ أكثر تقليدية؛ بأخذ عينات المياه من أعماق البحار. لكنهم يعتقدون أن هذه التقنية يمكنها الكشف عن المزيد من الأنواع في أعماق المحيط إذا ما تمّ تحسين أساليب جمع العينات والبحث في تلك البيئة القاسية. لذلك يعكفون حالياً على تحديد حجم العينة الأمثل والأساليب المختبرية الأفضل للحصول على قراءات العينات.

تقول إليزابيث آلان، الباحثة ما بعد الدكتوراه في معهد «وودز هول أوشياك» والتي تعمل في مشروع منطقة شفق المحيطات التابع للمعهد: «لا يمكن للأساليب التقليدية، التي تشمل الصيد بشباك الجر والكاميرات المزودة بطعم، سوى عرض جزءٍ صغيرٍ للغاية من عالم أعماق المحيطات الواسع والمعقد. كما أن إمكانياتها محدودة، حيث لا يمكنها سوى كشف الكائنات الحية المتواجدة في وقت أخذ العينة. لكن الحمض النووي للكائنات الحية يستمر في الأعماق الباردة والمظلمة لأكثر من يوم، مما يعني أن عينات مياه البحر يمكنها أن تخبرنا الكثير عن الكائنات التي كانت موجودةً مؤخراً في هذا الجزء من المحيط».

تطرح الكائنات الحية بعضاً من حمضها النووي سواء في خلايا جسمها، مثل خلايا الجلد، أو في إفرازاتها مثل البول والبراز. مع ظهور تقنيات جديدة للكشف عن المواد الجينية، بدأ العلماء النظر في الحمض النووي الذي تطرحه الحيوانات في بيئاتٍ معينة لمعرفة حالها وتقدير عددها. وفي كثير من الحالات، كما هو الحال في تقييم كائنات أعماق المحيطات، يمكن أن يكون هذا النهج أقل تكلفة وتعقيداً من الناحية اللوجستية وأكثر شموليةً من طرق مسح أعداد الحيوانات التقليدية.

وقد اُستخدم تقييم الحمض النووي البيئي بالفعل في دراساتٍ أخرى تتعلق بكائنات المحيطات أيضاً. يقول «مارك ستويكل»، الباحث الرئيسي في برنامج البيئة البشرية التابع لجامعة روكفلر، والذي يدرس تشفير الحمض النووي والحمض النووي البيئي: «إنه ببساطة نقطة تغير حقيقية في علوم المحيطات. تمثل هذه الورقة البحثية مدخلاً مثالياً لسد الفجوات حول ما لا نعرفه حقاً حول كيفية إجراء تقييمٍ للحمض النووي البيئي في أعماق المحيطات، حيث تشير نتائج دراستهم إلى أن هذه الطريقة قد تكون مناسبةً لدراسة أعماق المحيطات بالفعل».

لكن لا بد من استخدام طرقٍ أخرى تتكامل مع طريقة الحمض النووي البيئي للحصول على نتائج أكثر دقة. يناقش الباحثون في الورقة إمكانية أخذ عيناتٍ لتقييم الحمض النووي البيئي مع الاستعانة بطرقٍ أخرى لتحديد أفضل مكانٍ لأخذ العينة منه، مثل استخدام تقنيات الاستشعار المائي الصوتي، والتي تكتشف وجود ووفرة الكائنات الحية في أعماق المياه. يقول آلان: «تمتلك تقنية تقييم الحمض النووي البيئي إمكانياتٍ أكبر إذا اُستخدمت جنباً إلى جنب مع طرقٍ أخرى مثل هذه».

يقول حاجبابائي: «هدف بحثنا هو إظهار إمكانية استخدام التكنولوجيا وتطويرها لاستكشاف أعماق البحر. سيواصل فريقنا العمل على اكتشاف المزيد عن أعماق المحيطات باستخدام هذا النهج، وستتناول الأوراق المستقبلية الأنواع التي تم اكتشافها».

هناك عالم آخر هناك ينتظر أن يتم استكشافه، تماماً مثل القمر.