Image

الأمر حقيقي.. تابع القراءة لتعرف أكثر

Bread assortment
لا يبدو لنا بلوتو مكترثاً كثيراً بهذا النقاش

من الأفضل أن تكونوا مستعدين لما هو قادم، فقد عاد النقاش بشأن بلوتو من جديد، ويبدو أنه لن يكون بمقدور الناس إغلاقه. فقد يكون بلوتو على وشك استعادة مكانته بين الكواكب.

قد يبدو الأمر وكأن العلماء يضللونكم. فقد سبق لهم أن قرروا بالإجماع قبل عقد من الزمن أن بلوتو ليس كوكباً – الذي هو في الواقع كوكب قزم – والآن يبدو أنهم يريدون فجأة تغيير ذلك من جديد؟ قد تعتقدون أن تطور القضية تتجه نحو إثبات كم كان الأمر برمته عبثياً منذ بدايته. فالكوكب، والكوكب القزم إنما هي على أي حال أمثلة لنظام مصطنع من التصنيفات يتم تحديده من قبل مجموعة غير معلنة.

ولكن التصنيفات هامة في الواقع، وكذلك التعريفات التي نستخدمها للوصول إلى هذه التصنيفات. إن حقيقة تردد الناس (حتى الخبراء منهم مثل علماء ناسا) بشأن التعاريف التي ينبغي لنا استخدامها، لا يقلل من أهميتها ودلالتها. فهذا يعني فقط أننا لا زلنا نتعلم. فهذا هو المغزى النهائي من العلم: علينا أن نكون قادرين على تعديل ما لدينا من تعريفات لكي تتناسب مع فهمنا. وقضية بلوتو هذه هي خير مثال.

لنبدأ بالنقاط الأساسية. يأمل مجموعة من العلماء من بعثة نيو هورايزونز التابعة لناسا – والتي قامت بدراسة بلوتو من مسبار فضائي يحلق على مقربة من سطحه في العام 2015 –  باقتراح تعريف جديد لمصطلح “كوكب” في مؤتمر علوم القمر والكواكب القادم في شهر مارس.

يقودهم في هذا المسعى الباحث آلان ستيرن الذي يُعد أحد مؤيدي بلوتو الكوكب منذ زمن طويل. منذ “التخفيض” المفترض لرتبة بلوتو، دافع ستيرن وآخرون عن تصنيف بلوتو ككوكب في الوقت الذي واجهوا فيه انتقادات من المعسكر الآخر من العلماء لمحاولتهم إعادة النظرة المبسطة لنظامنا الشمسي. قد يؤدي التعريف الجديد الذي يقترحه ستيرن ووزملاؤه في نيو هورايزونز إلى استعادة بلوتو لمكانته بين الكواكب، ولكنه سيمنح الكثير من الأجرام في نظامنا الشمسي لقب “كوكب”، ليبلغ إجمالي عددها في نهاية المطاف 110 كواكب. وتذكّروا فقط، أنكم تذمّرتم بشأن الارتباك المتعلق بالانتقال من 9 كواكب إلى 8.

أما عن التعريف الفعلي الذي يقترحونه فهو “جرم كبير دون نجمي لم يتعرض لاندماج نووي على الإطلاق، ولديه ما يكفي من الجاذبية الذاتية لنفترض شكله الكروي الذي يوصف بدقة بأنه قطع ناقص مجسّم ثلاثي المحاور (إهليج) بصرف النظر عن مؤشراته المدارية المتغيرة”. أي أنهم يقترحون بلغة مبسطة “أجساماً كروية في الفضاء تكون أصغر من النجوم”. إنه مصطلح واسع إلى حد ما. فقد يعني أن كل الأشياء التي نعتقد أنها كواكب، سيكون لديها الآن أيضاً كواكب أصغر منها تدور حولها. بناء على هذا التعريف، يمكن اعتبار قمرنا على أنه كوكب، وكذلك سيكون حال جميع الأقمار التي تدور حول الكواكب الأخرى في الكون. وبالتالي قد تتساءلون في هذه اللحظة إن كان الأمر فيه شيء من المبالغة. كيف لأقمار أن تصبح كواكب؟ هل يعقل هذا!

ولكن هؤلاء العلماء لا يقدمون حججهم لطرح تعريف جديد واسع رغبةً منهم في إثارة التعاطف في دفاعهم عن بلوتو، بل هم يحاولون القول إن تعريفنا الحالي لا يستند إلى ميزات لها أهمية فعلية في دراسة الكواكب. فما يجعل الجرم الفضائي كوكباً ليس موقعه، أو حجمه، كما يقولون. ما يهم هو كيف يبدو الكوكب بالفعل.

عندما طرح الاتحاد الدولي الفلكي (IAU) تعريف “الكوكب” في العام 2006، استقروا على هذا التعريف: جرم سماوي يدور شمسنا له كتلة كافية لتجعل شكله مكوّراً وتخلي مداره من الأجرام الأخرى. هذا يعني أن أي “كوكب” تم اكتشافه حديثاً خارج نظامنا الشمسي لا يعتبر كوكباً من الناحية التقنية، وإنما كوكباً خارجياً.

يعارض علماء نيو هورايزونز هذا الأمر. كما أنهم يعتقدون أيضاً أن ضرورة إخلاء الكوكب لمداره من أي جرم هو أمر غير معقول، لأنه يتطلب كواكب لها مدارات واسعة لتكون كبيرة جداً. إن وقعت الأرض في مدار بلوتو، فلن تتمكن هي الأخرى من استبعاد كافة الأجرام خارج مسارها المداري. بالإضافة إلى ذلك، حتى المدارات “الخالية” من الأجرام الكبيرة تصادف في كثير الأحيان مرور أجسام صغيرة، وبالتالي يمكنكم أن تقولوا إنه لا توجد “كواكب” ناجحة في تحقيق هذا المعيار بشكل فعلي.

يمثل كل ذلك جزءاً من حجتهم الأوسع: لا يتم اعتبار جرم فضائي على أنه كوكب بناءً على مدار معين يدور فيه، أو حجم معين يبلغه. بل نعتبره كوكباً بناءً على خصائصه الفيزيائية. نحن ندرس الكواكب لأننا نجد عليها براكين جليدية، وبحيرات متدفقة من الميثان، وحقولاً مغناطيسية مضطربة، وليس لأنها تزيل الحطام الكوني من مسارها وهي تدور حول الشمس. فالتصنيفات التي نستخدمها لكي نفهم العالم من حولنا تكون مفيدة فقط عندما تصف الأشياء بطريقة هادفة.

جبال نورجاي وهيلاري على بلوتو، كما رأتها بعثة نيو هورايزونز

جبال نورجاي وهيلاري على بلوتو، كما رأتها بعثة نيو هورايزونز

لا يعني هذا أن علماء نيو هورايزونز قد ابتكروا أفضل تعريف للكواكب. فالكثير من الباحثين يعتقدون أنه ينبغي لحجم الجرم السماوي أن يشكل أهمية، وليس شكله فقط. فكواكبنا الثمانية الحالية هي أكبر بكثير من كافة الأجرام الأخرى في النظام الشمسي (باستثناء الشمس طبعاً)، ويعتقد العديد من الفلكيين مثل مايك براون – المسؤول عن “تخفيض” رتبة بلوتو – أنه أمر له أهميته. ونحن لم نصل بعد إلى الجوانب الجيولوجية. فهل يعد امتلاك الكوكب لغلاف جوي أمراً هاماً؟ حيث يمتلك بلوتو غلافاً جوياً وسطحاً جيولوجياً معقداً، إضافة إلى الجبال والأنهار الجليدية، لكن بعض المذنبات لديها الشيء نفسه.

إذاً، ما الذي ينبغي أن يعنيه لقب كوكب بالنسبة لجرم سماوي؟ من الواضح أن IAU قد رأى في الموقع والحجم جوانب هامة تميز عائلة الكواكب. في حين يمتلك فريق نيو هورايزونز رؤية مختلفة. لا بأس بذلك، طالما أنه مسموح لنا الاختلاف بشأن ما نعتقد أنه ذو أهمية، فمجرد وجود نقاش هو بحد ذاته أمر مهم، لأنه يعني أننا نفكر بشكل جدي بشأن عالمنا (عوالمنا). من السهل اعتماد جوانب بناء على الأشياء الخاصة بنا التي نتوق إليها، ولكن رغبتنا باعتبار بلوتو كوكباً لأننا نشأنا مع حقيقة مفترضة بوجود 9 كواكب، لا يعني أنه سبب فيه ما يكفي من الأهمية.

وإن كان يصعب عليكم الشعور بالحماسة تجاه المبررات العلمية وراء تعريف مصطلح كوكب بطريقة أو بأخرى، ليحاول أحدكم أن يبدأ نقاشاً يمكن أن يضعه في موقف صعب للغاية، وليكن السؤال هو: هل الـ “هوت دوج” شطيرة (شطيرة السجق الساخنة)؟ تريث قليلاً لتتأمل بالسؤال. قد تعتقد أنها كذلك، لأن الشطيرة ببساطة هي أي شيء يوضع بين قطعتين من أحد أنواع الخبز.

هل يهم نوع الخبز المستخدم في الشطيرة؟ فرقائق التورتيلا هي من أنواع الخبز، وبالتالي هل تعتبر الكيساديا شطيرة أم كعكة محشية مكونة من عدة طبقات؟ ماذا عن الشطيرة مفتوحة الجانبين؟ التي نجد فيها قطعة خبز واحدة (توضع كقطعتين منفصلتين في الغالب) إن كنت تعتقد أن الشطيرة مفتوحة الجانبين يبقى اسمها شطيرة، فقد نعتبر عندها فطيرة البيتزا شطيرةً أيضاً، فكلاً منهما ليس سوى أحد أنواع الخبز مع مكونات إضافية تعلو وجهها.

والآن، هل يعقل أن نعتبر كلاً من الـ “هوت دوج” والبيتزا كشطائر؟

يبدو تصنيفاً خاطئاً بلا شك، وبالتالي ربما ينبغي لنا أن نبتكر تعريفاً يفصل بينهما. ربما ينبغي للتعريف أن يهتم بنوع الخبز الذي نستخدمه، أو المكونات الإضافية التي نضعها فوقه.

لا يهمنا في الحقيقة إن كانت الـ “هوت دوج” شطيرة أم لا. ولكن كل هذه الأسئلة المضحكة تدور في الواقع حول السؤال الأكثر أهمية: ما الذي يجعل شيئاً ما يستحق لقب شطيرة؟ ما هي الجوانب التي نعتقد أنها تلعب دوراً هاماً في منح لقب شطيرة؟ هذه هي الأسئلة نفسها، إلى حد ما، التي يطرحونها على أنفسهم فيما يتعلق ببلوتو.

أو تلك التي يطرحونها الجيولوجيون على أنفسهم بشأن ما إذا كان هناك قارة ثامنة. الأمر الأكثر أهمية في نهاية المطاف، لا يتعلق بما إذا كان بلوتو كوكباً، أو ما إذا كان هناك ثماني قارات، أو ما إذا كانت الـ “هوت دوج” شطيرة، بل ما يهم هو أننا ننظر إلى العالم من حولنا باهتمام وإمعان. فتفكيرنا لا يدور فقط حول ماهية بلوتو كجرم سماوي، بل أيضاً حول كيفية تفكيرنا بشأن الأجرام السماوية وأماكن تواجدها في أرجاء الكون. إنه أمر يتعلق باتخاذ القرار بشأن ما هو مهم.

وأخيراً يمكنني أن أقول لكم: الـ “هوت دوجز” ليست شطائر. فأنتم تعلمون الآن لماذا.

error: Content is protected !!