Image

زيادة احتمال وجود كائنات دقيقة تتنفس الأكسجين على المريخ.

Bread assortment إذا كانت الحياة موجودة على المريخ، فمن المرجح أنها مُشبَعة بالملح.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا

بعد اكتشاف الماء السائل على المريخ في 2015، ارتفعت الآمال بوجود دلالات على الحياة تختبئ في مكان ما على الكوكب الأحمر. ولكن من الناحية العملية، فقد تجاهل العلماء بشكل أو بآخر ما إذا كانت هذه التجمعات المائية بالتحديد ذات علاقة بالحياة في الوقت الحالي؛ حيث إن الماء لا يمكن أن يوجد بالشكل السائل على هذا الكوكب البارد إلا إذا كان مُشبَعاً بالملح، الذي يُخفض من درجة التجمد. وبطبيعة الحال، فالماء شديد الملوحة ليس بالبيئة المثالية لنشوء الحياة وتطورها.

ولكن قد يستحق كل هذا الماء نظرة أخرى، فقد نشرت مجلة Nature Geoscience نتائج جديدة تُشير إلى أن هذه الأحواض قد تحوي من الأكسجين الصالح للتنفس أكثر مما كنا نعتقد، وبنسبةٍ تكفي لوجود الحياة على السطح أو قربه.

يقول لويس وارد (أخصائي بالبيولوجيا الأرضية في جامعة هارفارد، ومؤلف مشارك في الدراسة الجديدة): “إنها مجموعة رائعة من الملاحظات قد تفتح بعض الاحتمالات الجديدة للحياة على المريخ، خصوصاً التي لم تكن ممكنة في المراحل المبكرة من كوكب الأرض”.

ويُعتقد بأن الغلاف الجوي للمريخ يحتوي نسبة تافهة من الأكسجين لا تتجاوز 0.145%، وهي نسبة لا تكاد تقارن بما يحويه الغلاف الجوي للأرض من أكسجين بنسبة 21% تقريباً، غير أن هذا الرقم ليس بالضرورة كافياً للقضاء على أحلامنا بلقاء المريخيين، حيث إن أولى الكائنات الحية على الأرض لم تتمكن من الحصول على الأكسجين الحر (بالشكل الجزيئي الذي يمكن تنفسه) لأول ملياري سنة تقريباً، وقد حُلَّت هذه المشكلة بفضل تطور التمثيل الضوئي. ولكن بما أن الأكسجين يمكِّن الكائن الحي من استخدام مقادير كبيرة من الطاقة، فإن نقص الأكسجين الحر سيقضي على آمالنا بالعثور على حياة تتجاوز في تعقيدها الشكل الأساسي بقليل.

ولكن يمكن للظروف المناسبة أن تسمح بانحلال كميات هائلة من الأكسجين في هذه المستوعبات المائية المريخية، خصوصاً أن الأكسجين ينحل في الماء بشكل أفضل مع انخفاض الحرارة. ولكن من سوء الحظ، كما يقول وارد: “لم يفكر أحد من قبل في كمية الأكسجين الموجودة في الماء السائل على المريخ؛ لأننا لم نمتلك أي دليل يشير إلى الدور الهام الذي يمكن أن يلعبه الأكسجين. وهذه هي المحاولة الأولى لمعرفة المقدار الفعلي للأكسجين هناك حالياً”.

ويتعلق البحث عن وجود أكسيد المنجنيز على سطح المريخ، فقد ظهرت على الأرض دلالات على أكسيد المنجنيز في نفس الفترة الزمنية التي بدأ فيها الأكسجين بالتراكم في الغلاف الجوي منذ حوالي 2.5 مليار سنة، وعلى عكس الحديد -الذي يعتبر سبب اللون الأحمر المميز للمريخ- فإن المنجنيز صعب التأكسد، ولهذا لا يحدث هذا التأكسد على الأرض إلا ببطء شديد، أو بمساعدة البيولوجيا.

ولكن في 2014 وجدت العربة الجوالة كيوريوسيتي تجمعات عالية التركيز من المنجنيز على المريخ، مما دفع وارد وزملاءه للتساؤل عن احتواء البيئات المائية القريبة على الأكسجين المطلوب لأكسدة هذه المواد. وأكسدة المنجنيز تتصل -بشكل قوي للغاية (وإن كان غير حصري بالتأكيد)- بالنشاط البيولوجي، ولهذا يمكن أن تُعتبر هذه الدراسة أشبه بمجموعة من الأسئلة المتداخلة: أولاً، ما كمية الأكسجين اللازمة لأكسدة المنجنيز؟ ثانياً، هل يمكن أن يوجد الأكسجين بهذا التركيز في مياه المريخ؟ وأخيراً، في قلب الدراسة: هل تزيد هذه الكمية من الأكسجين من احتمال وجود كائنات تتنفس الأكسجين على المريخ؟

يقول وارد: “إذا كانت كمية الأكسجين كافية لإحداث تأثير كيميائي بأكسدة المنجنيز، فهذا يشير إلى وجود ما يكفي لإحداث نشاط بيولوجي واضح أيضاً”.

وتحمل الدراسة الجديدة أجوبة مشجعة عن هذه الأسئلة، فقد قام الفريق بتطوير نماذج لستة تراكيز ملحية مختلفة يمكن أن تحافظ على الحرارة في السائل ما بين (133-) و)27( درجة مئوية، مع أخذ عدة ضغوط على الكوكب بعين الاعتبار. وتقول جميع النماذج إن السائل المالح قادر بسهولة على التقاط الكميات القليلة من الأكسجين المتناثر فوق سطح المريخ، بل إن وارد يقول إن النماذج تشير إلى أنه “في الواقع، يوجد على المريخ حالياً كمية من الأكسجين تفوق ما كان موجوداً على كوكب الأرض عندما بدأ التمثيل الضوئي، مما يشير إلى أنه قد يوجد ما يكفي من الأكسجين لعملية الاستقلاب لدى المتعضيات الميكروية”.

أما بالنسبة للمتعضيات التي تستخدم الأكسجين لاستهلاك الكربون من أجل الطاقة، “فقد تبين لنا أن هناك كمية كبيرة من الأكسجين بما يكفي لدعم هذه البكتيريا وبعض أنواع الإسفنج في هذه العملية” وفقاً لوارد، كما تشير النتائج إلى أن هناك ما يكفي من الأكسجين على سطح المريخ والطبقات القريبة تحت السطح لدعم استخلاص الطاقة من مصادر أخرى، مثل الميثان والحديد.

وتعتبر الإسفنجيات نموذجاً مفيداً على نحو خاص عندما نفكر في ما يمكن أن يعيش في هذه البيئات، حيث يقول وارد: “تعتبر الإسفنجيات من أوائل أنواع الكائنات التي تطورت”؛ حيث إنها كائنات بسيطة تتغذى بشفط المياه وتصفيتها، ويمكن أن تكتفي بالبكتيريا، وهي قادرة على العيش في أنظمة بيئية بسيطة للغاية. ولكن وارد يعترف بأن ” من الأفضل لنا -من أجل دراسة احتمالات وجود الحياة على المريخ وغيره من الكواكب- أن نقتصر في تفكيرنا على الميكروبات”، ولكن المستويات المنخفضة من الأكسجين التي يمكن أن يكتفي بها الإسفنج تمثِّل معلومة مثيرة للاهتمام عندما نفكر في ما يمكن أن يتطور على سطح المريخ.

ويأمل وارد وفريقه بأن هذه النتائج ستساعد العلماء في وضع خريطة أولية للمناطق التي يمكن أن تدعم وجود أكبر تراكيز من الأكسجين على المريخ بناء على درجات الحرارة والضغط الجوي، ومن ثم تركيبها على خريطة أخرى توضِّح المواضع التي تحوي أكبر الكميات من الهيدروجين والميثان اللذَين يمكن استهلاكهما للحصول على الطاقة. يقول وارد: “يمكن في الواقع أن نحدد بعض الأماكن على المريخ التي يزداد فيها احتمال اكتشاف نشاط بيولوجي”، وكتلة حيوية أيضاً. كما يمكن أن تساعد الدراسة على إلقاء الضوء على عوالم أخرى يمكن أن تحتوي أيضاً على الحياة مثل قمر أوروبا.

وبطبيعة الحال، يوجد ما يكفي من الأسباب التي تدعو للنظر إلى الدراسة بشيء من الحذر؛ نظراً لأنها مبنية على نماذج حاسوبية، لا على ملاحظات مباشرة. وسيكون من الصعب أن نؤكد هذه النتائج، ليس على المريخ فحسب، بل على الأرض أيضاً، فما زال العلماء يواجهون صعوبات في إجراء تجارب ضمن بيئات مخبرية خاضعة للسيطرة تؤدي إلى قياسات جيدة لقابلية الأكسجين للانحلال في الماء المالح البارد. أما على المريخ نفسه، فيجب أن ندرس المياه المالحة التي تتصل مع الغلاف الجوي بشكل كافٍ لتسهيل التبادل الغازي والسماح بانحلال الأكسجين الهوائي في الماء.

يقول جوناثان تونر (وهو بيولوجي فلكي في جامعة واشنطن، ولم يشارك في الدراسة) إنه يعتقد أن الدراسة بيَّنت بشكل جيد أن محتوى الأكسجين في المياه المالحة على المريخ قد لا يكون العامل الوحيد الذي يحدِّد وجود الحياة، كما يعتقد أن من المثير للاهتمام ظهور نقاش حول علاقة الغلاف الجوي بالمياه المالحة، مما “قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز الصلاحية للحياة”. ولكنه يؤكد على أن ارتفاع نسبة الأكسجين ممكن فقط بوجود نسب ملوحة عالية للغاية، وهو أمر “يمثل تحدياً كبيراً” للحياة.

وإذا جمعنا هذا المعامل مع حرارة تبلغ وسطياً 55 درجة مئوية تحت الصفر، “فستنتج لدينا ظروف لا يمكن أن تدعم أياً من أشكال الحياة المعروفة على الأرض؛ حيث إن الحياة لا تحتاج إلى معامل واحد فقط (مثل وجود ما يكفي من الأكسجين)، بل إلى مجموعة من العوامل التي يجب أن تكون موجودة في نفس الوقت”. وإذا وُجدت الحياة حالياً على المريخ “فيجب أن تكون متكيِّفة مع ضآلة كميات المواد المغذية، ودرجات الحرارة المنخفضة، والملوحة العالية، إلى درجةٍ تتجاوز بكثير ما يمكن أن يتحمله أي شكل من الحياة على الأرض”.

وعلى الرغم من هذا، تشير بضعة دراسات إلى أنه ليس من المستحيل تماماً أن نحلم بوجود أشكال حياتية معقدة على المريخ، غير أن الكوكب يُثبِت لنا في كل سنة أنه أقل تقبُّلاً للحياة مما كنا نظن من قبل، وهو ما يزيد من الشروط التي يجب على العلماء التحقق منها في بحثهم الصعب عن وجود الحياة عليه.

error: Content is protected !!