Reading Time: 11 minutes

إنّها واحدة من أطول العلاقات في التاريخ، واليوم يُعيد العلماء النظر في أصل هذه العلاقة.

يهرول «تشيفي»، وهو كلب بوسطن تيرير أبيض اللون يخالطه السواد، في أرجاء غرفة الاختبار العازلة للصوت. ظهر أنيقاً كأنه في ملابس رسمية، لكن سرعان ما يتلاشى مرحه عندما يزوره فريق من الباحثين بغرض إخضاعه لسلسلة من التجارب النفسية التي من شأنها إفزاعه وإرباكه. تشيفي المسكين على وشك أن يتشوش من أجل العلم.

قصة الكلب تشيفي

هذا الكلب الصغير الجميل هو المتطوع الأول في اليوم الأول من مشروع طَموح أطلقته «إيرين هشت»، عالمة الأعصاب التطورية في جامعة هارفارد الأميركية. يستهدف المشروع الإجابة على أسئلة جوهرية تتمحور حول سلوكيات الكلاب، والأسباب الكامنة ورائها. تعتزم هشت جمع بيانات عن سيكولوجية المئات من الكلاب من جميع السلالات، وعن السلوك الخاص بها على مدار سنوات، بما في ذلك مدى سهولة تكوين الصدقات، وكيف تتصرف، وحتى كيف تشعر تجاه المكانس الكهربائية. توثق هشت، بدقة ردود فعل تشيفي تجاه مناورات الباحثين، عبر أربع كاميرات فيديو. بينما يمكث باقي فريقها للمراقبة من غرفة الاستقبال المجاورة عبر مرآة ذات اتجاه واحد.

بعد القليل من الخدوش والضربات الخفيفة المبدئية، تُقدِّم هانا مكويستيون، الجامعية في هارفارد، بعض الطعام لتشيفي، ثم تضع الوجبة التالية تحت وعاء زجاجي. يستنشق تشيفي الوجبة برغبة، ثم يحدق فيها ويُميل برأسه جيئة وذهاباً، ليُظهر وجهه أقصى درجات اللطف. تُوضح هشت أنها حركة كلاسيكية في مواجهة موقف صعب، وفيها يتودد الكلب سريعاً إلى الإنسان لطلب المساعدة، وبعد عشرين ثانية رفعت مكويستيون الوعاء له وبدأ في التهام وجبته.

بعد بضعة اختبارات بسيطة، اقتيد تشيفي إلى قفص سلكي كبير، وتُرك بمفرده في الغرفة، وهُنا صدرت عنه حركات عصبية وبدأ في إطلاق أنين. تتدخل الزميلة الثانية في التجارب، ستايسي جو، لكنها تستدير وتلتفت نحو الحائط لفترة زمنية ليست بالقصيرة، يحدق خلالها تشيفي إلى ظهرها بثبات. تقترب جو من قفصه دون أن تنظر في عينيه أو تتكلم، وتجلس على بُعد قدم واحدة من باب القفص، وتصوب نظرها نحو صدره. تشيفي يقف بثبات، أذناه تهتزان، ويرتجف قليلاً.

يقول أحد المراقبين المحايدين للبحث العلمي إن هذا الكلب غريب تماماً، بدا المشهد من الجهة الأخرى من المرآة مؤلماً ومضحكاً في آن واحد، تماماً مثل إحدى أكثر الذكريات المحرجة في تاريخ العالم. تصرفتْ جو بشكل جيد عندما أدتْ دورها بوجه طبيعي الملامح. سوف تتمكن هشت -من خلال البيانات المستقاة من تلك الاختبارات، إضافة إلى عينات من الحمض النووي- من معرفة معلومات جديدة حول الأشياء التي تغيرت في الكلاب بعد انتقالها للعيش خارج البرية. فمن الناحية البيولوجية، تُصنَّف كلاب بوسطن في غالبية الأحيان ذئاباً تقريباً. ومن الناحية النظرية فإنها سلالات تنتمي إلى عائلة من الذئاب، لكنها تختلف اختلافاً جوهرياً عن أسلافها. وتستطيع تربية حيوان بري ثم يُروض ليصبح لطيفاً ودمثاً.

         اقرأ أيضاً: كلاب «الهاسكي» في خدمة البشر لآلاف السنين

لكن الترويض قصة مختلفة. بالنسبة إلى الكلاب والحيوانات الأخرى التي تعيش معنا؛ فالتسامح والثقة صفتان أصيلتان في جيناتها وعقولها. وبهذا تُشكّل دراسة هشت طريقاً للتعرف على موضوع ذي نطاق أوسع، والذي يتمحور حول كيفية تكوّن المادة العصبية تحت ضغوط بيئية قوية، وذلك مع اعتبار الظروف الغريبة جداً التي يعيشون بها، والتأقلم معها، وحب أنواع مختلفة من الكلاب. تقول هشت: “أنا مهتمة بالكلاب من أجل الكلاب ومن أجل ما يُمكن أن نتعلمه عن الإنسان أيضاً، لكن بشكل عام، تُعد الكلاب طريقة رائعة لفهم العمليات الأساسية حول كيفية تطور العقول”. تُحاول هشت، مع مجموعة من العلماء المتعطشين للعلم، معرفة كيف يمكن لهذه المخلوقات المكسوة بالفراء التي تلعق وجوهنا وتحرك ذيولها، أن تكون من أكثر المعجبين بنا كبشر.

من منظورنا كبشر، نحن نُفضل أن ننسب قصة الترويض لنا، ونروي قصصاً عن أنّ بعض الصيادين اختطفوا جرو ذئب، ثم هجّنوا فصيلاً جديداً يؤدي المهام كشريك لنا، مثل استنشاق الروائح، والحراسة، والمرافقة. لكن يعتقد معظم الباحثين أن صاحب القرار في قصة الترويض هم الكلاب أنفسهم، ومنذ زمن بعيد ربط الذئاب مصيرهم بنا، وبدأوا علاقة حب تتشابك بها أقدارهم وأقدارنا إلى الأبد.

بماذا يخبرنا علم الآثار عن ترويض الكلاب؟

رغم أنّ عِلم الآثار يُمكن أن يساعدنا في تحديد وقت ترويض الكلاب ومكانه (يسود حالياً اعتقاد أن ذلك حدث قبل 15 ألف عام على الأقل في أوروبا أو آسيا أو كليهما) ، إلا أنّ العظام لا تُقدم -في الغالب- أدلة حول منشأ هذه القصة أو أسبابها وكيفيتها. ومن خلال دراسة سلالات أخرى مثل الثعالب والذئاب، وتحليل جينات الكلاب وسلوكها وأدمغتها -أدمغة ودية لطيفة وشديدة الثقة- يُطور الباحثون أفكاراً جديدة حول كيف تحول الذئب الكبير السيئ إلى كلب صغير عزيز. يقترح البعض أنّ ذكاءهم الاجتماعي هو ما جعلهم غير عاديين، ويشير آخرون إلى تفانيهم، وهذا ما يطغى على روح الإنسان.

وبالحديث عن أول الأنواع المُروَّضة، فالكلاب نموذج لكيفية انخراط الثدييات الأخرى – بما فيها نحن البشر – في ذلك النهج. يرى العلماء في جيناتهم وعقولهم إشارات حول طبيعتنا المتسامحة غير العادية. كانت الكلاب إلى جانبنا على مرّ فترات طويلة من رحلة الإنسان، تلك التي بدأت من كونه مجرد حيوان ثدي، وصولا إلى ما هو عليه من تطور وسيطرة على العالم، لقد كانوا رفاقنا، وصدى صوتنا، وظلنا. وبينما ننظر الآن إلى عيونهم عن قرب، يمكننا أن نلمح صورة جديدة لأنفسنا.

في إحدى ليالي عام 2011، كانت هشت جالسة على الأريكة تشاهد التلفاز برفقة صديقها الأسترالي هفتي، عندما ظهر برنامج عن ثعالب بيليف الأسطورية. كان ديمتري بيليف، عالم الوراثة السوفياتي، في أوائل الخمسينات، عندما قمعت موسكو الأبحاث الوراثية باعتبارها منتجاً للغرب الإمبريالي. ولأنّ بيليف لم يكن قادراً على دراسة مجاله المختار في العلن، لمعتْ في ذهنه خطة بارعة، تتمحور حول أنه يستطيع ترويض الثعالب وتربيتها للحصول على فرائها للمعاطف. ونظراً إلى أنّ الحيوانات التي يحتفظ بها البشر تميل إلى التكاثر بشكل أكثر تكراراً، فقد سارع إلى إنتاج الفراء السوفييتي رسمياً.

لكنْ، شيئاً فشيئاً أخذ المشروع طابعاً علمياً؛ كانت نظريته أن تربية الحيوانات من أجل ترويضها فقط – هو ما يُسمى الآن متلازمة الترويض – سوف تُظهر سلوكاً أكثر طفولية، وتغييرات جسدية مثل اللطخات البيضاء على البطن والوجه، والأذن العريضة، ووجه أضيق، وأسنان أصغر. طبّق البحث بجدية في سيبيريا عام 1959. واختار شركاء بيليف الحيوانات التي كانتْ أقل خوفاً وأقل عدوانية في آن واحد – تترافق هاتان الصفتان – ثم رُوّضت. وبعد أربعة أجيال فقط، عام 1963، حين اقتربت ليودميلا تروت، وهي واحدة من زملاء بيليف، من قفص أحد الثعالب، هزّتْ إحدى هذه المجموعات ذيلها في وجهها. وبحلول عام 1965، كانت مجموعة من صغارها تتدحرج على ظهورها وتئن من أجل جذب الانتباه، تماماً مثل الجراء.

احتفظ الباحثون أيضاً بعدد من الحيوانات التي رُبيّت عشوائياً، وفي وقت لاحق، احتفظوا بسلالة من الحيوانات القتالية المخيفة. تستمر هذه الدراسة التاريخية حتى يومنا هذا. عرفتْ هشت بالفعل هذا التاريخ، إلا أنّ هذا العرض فتح الأفق لإدراك جديد: لم يُحلل أحد أدمغة الثعالب. عادةً ما يُربي الإنسان الماعز أو الأغنام أو غيرها من الحيوانات المستأنسة بسبب مزاياها العديدة، بما في ذلك الطبع والحجم ولون المعطف، وهذا كله قد يترك علامات غفلة في العقل.

إلا أنّ الاختلاف بين رأس الثعلب المُروَّض والثعلب العادي يُمكن أن يكون فقط بسبب السلوك، وهذا ما فعلَه بيليف وتورت، اللذين قررا أن يصبحا منارةً، ويُلقيا الضوء على الدوائر، أو الكيمياء العصبية الجديدة، التي حوّلت أنثى ثعلب شرسة إلى حيوان لطيف. وتمكنا من تمهيد الطريق إلى فهم أعمق حول الآلية التي يمكن بها للتطور أن يغير العقل. تقول هشت: «من ناحية أخرى، هناك سؤال أساسي حول كيفية تطور العقول: ما هي الارتباطات العصبية للترويض؟ والشيء المثير للدهشة أننا لا نعلم».

على الأقل ليس بعد، وأياً كان ما عثرتْ عليه هشت، فهو يقدم أيضاً رؤية واضحة لبعض النظريات الناشئة. تقترح إحدى هذه النظريات التي افترضها براين هير، عالِم الأنثروبولوجيا، ومايكل توماسيلو، عالِم النفس، عام 2005، أنه في الوقت الذي بدأتْ فيه بعض الذئاب الشجاعة بالتجول حول البشر بحثاً عن بقايا طعام، ترافق معها كسر حاجز الخوف من المجتمع جزئياً. مما مكّن هذه الذئاب من تغيير مهاراتها الاجتماعية الحالية لفهمنا، والتواصل معنا دون خوف من ردعها. وصاروا مُروَّضين ذاتياً. هذا هو جوهر الكلب، يقول العالمان هير وتوماسيلو: «إنّ قلة الخوف تجعلها أكثر قدرة على تمكين الإدراك الاجتماعي المتقدم، تلك القدرة الغريبة على قراءة عقولنا».

أطلقوا على الفكرة فرضية الترويض، واستدلوا بأنّ الجراء تفهمنا دون أي تلقين. الشمبانزي على سبيل المثال، يبذل قصارى جهده ليحول الإشارة إلى شيء ما مفهوم، أما الكلاب فإن غالبيتا تفهم ذلك على الفور. وهذا ما فعله تشيفي -النظر إلى مكويستيون- لحل مشكلته، وهو مثال آخر. دفعه حدسه إلى طلب المساعدة. ربما تتمكن هشت من رصد علامات ما في تلافيف أدمغة الثعالب حول صحة هذه النظرية أو بطلانها، أو حتى وجود نظرية أخرى. أرسلتْ بريداً إلكترونياً إلى تروت، الذي أرسل بدوره عشرات العينات من الأجيال الأخيرة من الثعالب الروسية، واستخدمتْ هشت التصوير بالرنين المغناطيسي لقياس الحجم والشكل النسبي لمختلف الهياكل في أدمغتها. ورأت هشت تغييرات في أجزاء من الجهاز الحوفي والقشرة قبل الجبهية التي لها دور في العواطف والسلوك الاجتماعي.

يُمكن أن تدعم هذه البيانات فرضية الترويض، إلا أنها لا تنفي صحة الأفكار المنافسة لها. يؤكد هذا الاكتشاف الأولي -في الغالب- أنّ مناطق الدماغ التي نتوقع أن تكون مختلفة، هي في واقع الأمر مختلفة فعلاً. لذا، تُضيف كريستينا روجرز فلاتري، من جامعة هارفارد، بُعداً آخر للتحليل في سعيها للحصول على صورة أكثر دقة، شرّحت أدمغة الثعلب إلى شرائح رقيقة من الأنسجة، واستخدمتْ الصبغة للكشف عن الكيمياء العصبية الخاصة بها. إنها تبحث في مسارات الخلايا العصبية التي تصنع هرموني فازوبريسين والسيروتونين، وكلاهما مرتبط بالعدوانية. كما أنها تُحقق أيضاً في الخلايا التي تصنع الأوكسيتوسين المسؤول عن تعزيز الترابط الاجتماعي.

عوامل ترويض سلوك الكلاب

هناك العديد من التعديلات العصبية المحتمَلة التي يُمكن أن تؤدي إلى ترويض السلوك، مثل تعزيز الدوائر المسؤولة عن الترابط الاجتماعي، أو تدعيم الأنظمة التي تقف وراء سلوك الهجمات العنيفة. قد تُحدد المجموعة نظرية الدماغ الموحَّدة الكبرى، أو على الأقل مخططها لدائرة عصبية، وهذا بعد إضافة نتائج التحقيق الذي أجراه فلاتري حول مسح الدماغ، بالتعاون مع باحثة مساعدة ثالثة وهي آنا كوكيكوفا، عالمة الوراثة من جامعة إلينوي الأميركية.

عضات الكلاب, صحة, عدوى, بكتيريا

في الوقت الذي يتجاوب فيه تشيفي مع التلقين الموجه له، فإنه لا يُمثل نفسه فحسب، بل يُمثل أيضاً سلالته. وفي حين أنّ لدينا جميعاً إحساساً بأن الثيران والذئاب في بكين وإيرلندا لها شخصيات مميزة وتتمتع بمهارات، تأمَل هشت أن تحدد تلك الاختلافات.

إنها طريقة أخرى لاستكشاف الآلية التي يعمل بها الضغط الانتقائي -في هذه الحالة (انتشار أماكن لتربية الكلاب)- على تكوين الدماغ. نشرتْ هشت، في مقال حديث لها، نتائج عملها في تحليل عمليات التصوير بالرنين المغناطيسي لـ 33 سلالة، ووجدتْ أنه، على سبيل المثال، رأس كلب من سلالة فايمار -كلب كبير رُبي أوائل القرن التاسع عشر بغرض الصيد- يمتلك منطقة إضافية مُخصصة للمعالجة المرئية، وأنّ كلب صيد باسط  -كلب ذو أرجل قصيرة رُبي لألعاب الصيد المنزلية – مُهيئ لتحليل الروائح. وأدرجتْ هشت في المقالة ذاتها دراستها لدماغ كلب صيد بوسطن، الذي كان مليئاً بالشبكات المرتبطة بالنشاط الاجتماعي، وبهذا لا يعتبر تشيفي استثناءً.

أُجريتْ الاختبارات وأُخذت عينات الحمض النووي. اقتحم تشيفي غرفة الانتظار متجهاً لتحية كل شخص على حدة، كإعصار من النعيم والفرح. وبحسب ما تُشير إليه دراسة، عام 2015، فمن المحتمل أن تنطلق كميات من الأوكسيتوسين في دماغه -وأدمغتنا أيضاً- بينما يُحدق في أعين البشر من حوله. يُعزز هذا الهرمون الترابط، الذي من الممكن أن يكون السبب في كون الكلاب جيدة جداً كعلاج، أو في كونها حيوانات تقدم الدعم العاطفي للأشخاص الذين تخطوا صدمات ما.

ألهمت مشاعر الصداقة تلك -جذب تشيفي للأصدقاء- نظرية أصيلة منافسة تتمحور حول المشاعر بدلاً من الإدراك، «قلوبهم لا ذكاؤهم»؛ على حد تعبير كليف واين، العالم السلوكي في جامعة ولاية أريزونا. يقترح واين، مع كل من المشاركين، نيكول دورين ومونيك أوديل من جامعة فلوريدا وجامعة ولاية أوريجون الأميركيتين، أنّ جوهر هوية الكلاب له علاقة بالصلات العاطفية، الحب. وهي كلمة نادرة في العلم «من الواضح أنها عاطفية بشكل مثير للدهشة».

لم يؤخذ هذا الأمر على محمل الجد ليكون موضوع بحث من قبل. خلُص الباحثون إلى هذه النتيجة من التحقيق، عام 2008، عندما شرعوا في إثبات المزيد من الأدلة حول فرضية الترويض، لكن دراستهم المباشرة للكلاب والذئاب وجدت نقيض ذلك. كانت الذئاب اجتماعية بشكل جيد مع باحثين في معهد أبحاث ولاية إنديانا، وتتبعت إيماءات الإنسان بسهولة، في حين أنّ بعض كلاب المأوى التي كان لها اتصال ضئيل مع الناس لم تفعل ذلك. أظهرت الدراسات اللاحقة أنّ القيوط، وحتى بعض الخفافيش التي تمت تربيتها يمكن أن تفعل ذلك أيضاً.

ظهرتْ مفاجأة أخرى بعد اختبار بسيط يقيس مقدار الوقت الذي يقضيه كل كلب برفقة شخص مألوف لديه. وتبيّن أن الكلاب تبقى قريبة في حين أن الذئاب التي تمت تربيتها منذ صغرها لا تفعل ذلك. وغلب الظن أن الكلاب لديها دافع فريد للترابط، حتى مع أفراد من فصيلة أخرى. يولد كل جرو مع هذه القدرة، بما في ذلك نحو 750 مليون كلب ضال في أنحاء العالم. وبالحديث عن الأمر، تُفسِّر هذه القدرة على تكوين روابط بين الأنواع أيضاً السببَ الذي يجعل سلالات الكلاب التي ترافق الماشية متيقظة جداً لحماية الأغنام أو البط. وفي الآونة الأخيرة، اكتشفتْ بريدجيت فون هولدت، عالمة الأحياء التطوري في جامعة برينستون، السبب الكامن وراء هذه الموَدة. وجدت مع فريقها علامة للضغط التطوري على الكروموسوم 6 في الحمض النووي للكلاب.

اختبار التعاطف

عند البشر، تُسبب الطفرات المكافئة متلازمة ويليامز -هي اضطراب وراثي نادر يصيب واحداً من كل 10 آلاف شخص- اضطراباً في النمو، يؤدي إلى إطلاق مشاعر ودية عشوائية، أو إلى فرط في التواصل الاجتماعي. تقول هولدت: «أحبُّ أن أفسر ذلك بطريقة إيجابية للغاية، وأقدس هذا النمط، ربما تمتلك الكلاب نسخة من هذه المتلازمة». نشأ هذا التغيير فيها أيضاً منذ البداية، وليس من خلال شيء فعلناه نحن البشر عن عمد. ومن غير الواضح كيف يُمكن لهذا التغيير في الجينات أن يحول الجميع إلى صديق مقرب للبشر أو الكلاب، وهذا الاتجاه واضح لدى كلاب لابرادور، المستخدمة لإرشاد الأشخاص فاقدي البصر، أكثر من غيرها. وفي أحد اختبارات هشت، الذي يُعرف باسم «اختبار التعاطف» تتظاهر مكويستيون أنها سحقت إبهامها بمطرقة وصرّت على أسنانها كما لو أنها تتألم.

في هذه الحالة يمكن أن تقفز بعض أنواع من الحيوانات إلى حضنها وتلعق الجرح المزيف، إلا أنّ تشيفي كان يتجاهلها إلى حد كبير. ومع ذلك، فإن الدراسات التي أُجريت على أنواع مختلفة من الكلاب في ظروف مماثلة تُشير إلى عدم قدرة نظرية فرط التواصل الاجتماعي أو نظريات الإدراك الاجتماعي مثل نظرية الترويض على تقديم إجابات الأسئلة المطروحة كلها. منذ عقد من الزمان، بدأتْ فرق في جامعة ستوكهولم السويدية، وجامعة الطب البيطري في مركز وولف للعلوم في النمسا، في جمع مجموعات من الكلاب والذئاب في المختبر. في الأشهر الأولى، كانت المجموعتان من الجراء مع الناس 24 ساعة في اليوم. بعد ذلك، عاشتْ الحيوانات في مجموعات مع رفقة إنسانية واسعة النطاق.

أشارت هذه التجارب إلى أنّ الكلاب ليست مجرد ذئاب تتمتع بمهارات اجتماعية أفضل، كما وجدت التجارب أن الذئاب التي تربت مع الإنسان منذ صغرها كانت ودية للغاية، وكانت تستقبل مربيها بسعادة، ومستعدة للتصدر خلال النزهات. عام 2020، لاحظَ فريق ستوكهولم، لفرط دهشتهم، أن عدداً قليلاً من الجراء يفهمون الإيماءات التي تأمر بجلب الأشياء بشكل حدسي، تماماً كما تفعل الكلاب. في الواقع، وجدت الأبحاث التي أجريت في مركز وولف للعلوم أنّه في بعض الحالات، تكون هذه الحيوانات البرية في الواقع أكثر تسامحاً من الكلاب، تحافظ الكلاب على مسافة من بعضها البعض عند وجود الطعام للمشاركة.

تتشاجر الذئاب وتزمجر في البداية ثم تتناول الطعام بسلام جنباً إلى جنب. في إحدى الدراسات، التي يجب أن تتعاون فيها أزواج من الذئاب أو الكلاب لاستعادة قطعة من اللحم، تقول الباحثة سارة مارشال بيسيني: «إن الذئاب تعمل معاً بفعالية، لكن الكلاب كانت سيئة للغاية». وعندما اختبرت الشراكات بين كل من الكلاب والبشر والذئاب والبشر، أصبح النمط أكثر وضوحاً: لا تخشى الذئاب من أخذ زمام المبادرة، في حين أنّ الكلاب تتراجع وتنتظر الإنسان للقيام بالخطوة الأولى. قادت هذه النتائج غير المتوقعة مارشال – بيسكيني إلى اتجاه نظرية ثالثة هي «ترويض الذات»، والتي تفترض أنه ربما لم يكن التحول مهارة اجتماعية جديدة أو تعبيراً عن الحب، بل استراتيجية جديدة لإدارة الصراع.

ريما يقتل البشر الذئاب الشرسة باعتبارها تهديداً، لكنهم يتسامحون مع الكلاب الأصيلة التي تحوم حول المخيم بحثاً عن أي طعام. من المحتمل أن تكون الأصناف العدوانية ظاهرة حديثة، وهي نتيجة تربية مُربِّي الحيوانات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للسلالات الحديثة كلها تقريباً. تبحث مجموعة هشت في الكلاب القروية لفهم المزيد عن البنية الاجتماعية للكلاب وكيف يستجيبون للبشر. بالمقارنة مع حيواناتنا الأليفة، فإنّ هذه الحيوانات الحرة قد تكون أكثر شبهاً بالكلاب الأوائل منذ زمن بعيد، بعضها ودود، وبعضها خجول، وجميعها في علاقة متقلبة غير متكافئة مع الإنسان الذي يعتمدون عليه للنجاة.

إنّ التدقيق في تفاصيل هذا البحث يشبه ذئباً يحوم حول نيران معسكر، لأنّ هذه الفكرة يمكن أن تنطبق علينا كبشر في أننا روضنا أنفسنا. وتُشكل هذه الفكرة أحد الأسباب التي تأمل هشت أن تجدها، وإذا حدث ذلك، فيمكنها حينئذ البحث عن النمط نفسه في أدمغة القطط المنزلية مقارنةً بالحيوانات البرية، وفي مادتنا الرمادية على عكس القرود. ويفترض هير، في كتاب “بقاء الأصدقاء” الذي تناولتْ فيه أصولنا البشرية، أننا مثل الكلاب، أصبحنا أكثر ثقة في بعضنا البعض في ماضينا القديم، وهو ما سمح لنا بتطوير مهارات فائقة في التواصل، وتُشكل اللغة أحد الأمثلة الواضحة.

تصدّر مفهوم ترويض الإنسان لنفسه على الأقل منذ زمن داروين، لكن اليوم هناك أدلة فعلية على ذلك، كما يُشير عالِم الرياضيات ريتشارد ورانجهام، من قسم البيولوجيا التطورية البشرية بجامعة هارفارد. يرى ورانجهام أن تسامحنا غير المعتاد -بالنسبة للرئيسيات- مع الغرباء، هو من السمات المرتبطة بفرضية الترويض.

مقارنة بأسلافنا من البشر، لدينا وجوه أقصر وأسنان أصغر. في 2014، اقترح ورانجهام وزملاؤه آلية بيولوجية محتملة في خلايا القمة العصبية، والتي تُساعد على تشكيل العديد من أجزاء الجسم أثناء التطور الجنيني. إن المعنى الضمني -وهو أمر غير معقول كما قد يبدو هذه الأوقات- هو أن جنسنا تطور لنتوافق معاً في سلام. وفي ديسمبر 2019، وجدتْ مجموعة أوروبية أن أحد الجينات الموجودة في منطقة ويليامز بايرن يؤثر على شكل الوجه عن طريق توجيه هذه الخلايا.

يقول ورانجهام إنّ هذا ربما يُفسر جزءاً من قصة ترويض الإنسان. وبالعودة إلى مختبر هشت يخوض متطوع جديد -وعلى سبيل المصادفة هو أيضاً كلب بوسطن يدعى كودا- اختباراً. وفي أحد المهام، تضع مكويستيون طعاماً على الأرض، وتقول «لا! لا تأخذها!» ثم تُغلق عينيها. الكلاب تعرف معنى العيون المغلقة، وفي هذه اللحظة يُدرك الأمر. سوف ينجح كودا، كما تقول مالكته، إنه دائماً ما يكون كلباً جيداً، وبالفعل يسترق كودا نظرة إلى الطعام، ويلعق شفتيه، ثم يحدق في الفضاء، وينتظر، ويؤجل، ويتجنب الصراع، مثلما قُدر له ككلب. على الجانب الآخر من المرآة أحادية الاتجاه، الباحثون المراقبون في القاعة المجاورة غارقون في هذه الدراما. ويصيح أحدهم: “كلب جيد”.

حتى بعد أن منحته مكويستيون أخيراً الإذن لتناول وجبة خفيفة، فإنه لا يزال يقف هناك ينظر إليها بحزن. تتعالى الصيحات من الغرفة الانتظار المجاورة “هيا كودا… خذ الوجبة”. يمكننا جميعاً أن نرى رغبته ونشعر بقوة ضبط النفس لديه، وهذا كاف لجعلك تتساءل مَن بالضبط تطور لقراءة عقل مَن؟ إنّ النظر إلى كلب، حتى من خلال مرآة أحادية الاتجاه، هو النظر إلى جنسنا أيضاً، لما يلزم للعيش في وئام، لفهم بعضنا البعض، لاستبدال الحب والولاء بالخوف والعدوان. ربما هذا هو السبب في أنّ الكلاب مثيرة للفرح دائماً. إنها تذكير حي بنسخة أفضل من أنفسنا.

يأخذ كودا وجبته ويهز نفسه بعد ظهر يوم من الضغط النفسي. تأتي صاحبته إلى الغرفة، ويقفز إلى حضنها، يلهث بسعادة، ويحدق بعمق في عينيها وهي تنظر مباشرة إلى عينيه.

لدى الكلاب علاقات ودية مع أفراد من سلالات أخرى.


نُشرت هذه القصة في العدد 18 من مجلة بوبيولار ساينس، 2020