Reading Time: 3 minutes

افترض الفلكيون لعقود من الزمن أن الميكروبات قادرة على الانتقال عبر الفضاء مثل حبوب اللقاح في الهواء، حيث تنشر بذور الحياة في الكون. يشير بحث جديد من مهمة «تانبوبو» البيولوجيّة الفلكية أن الميكروبات قادرة فعلاً على ذلك، وهذا قد يجعل الحياة أكثر انتشاراً في الكون مما كنا نعتقد سابقاً.

يقول «أكيهيكو ياماجيشي»، وهو عالم الأحياء الدقيقة في جامعة طوكيو، وباحث رئيسي في مهمة تانبوبو، ومؤلف رئيسي للورقة الجديدة: «أصل الحياة هو أكبر لغز يتعلق بالبشر»، ويضيف أن الفريق استطاع إثبات أن الميكروبات يمكنها البقاء على قيد الحياة دون حماية في رحلة من المريخ إلى الأرض إذا تجمعّت في كتلٍ مع بعضها.

وحتى يتمكنوا من إثبات ذلك، نقل البيولوجيون الفلكيون تجاربهم إلى الفضاء ليكتشفوا كيف يمكن أن تصمد الحياة الأرضية في هذه البيئة القاسية، حيث من المتوقع أن تعيقها ظروف انعدام الأكسجين والفراغ، والأشعة فوق البنفسجية، ودرجات الحرارة المرتفعة. في هذه الدراسة التي نشرت في 26 أغسطس/ آب في مجلة «فرونتيرز أوف مايكروبيولوجي»، يصف الباحثون كيف بقي نوع معين من البكتيريا حياً ضمن هذه الظروف القاسية لثلاث سنوات في المحطة الفضائية الدولية.

أولاً: وضع رائد الفضاء «سكوت كِلي» -من وكالة ناسا- كرات كثيفة من بكتيريا تدعى «داينوكوكس» على ألواح خارج المختبر الفضائي الكبير عام 2015. توجد هذه البكتيريا في الطبقات الخارجية من غلافنا الجوي، وهي معروفة بقدرتها الغريبة على مقاومة الضرر الجيني الناتج عن التعرض الكبير للأشعة فوق البنفسجية، وأنها تميل لتشكيل مستعمرات كبيرة نسبياً.

تفقّد رواد الفضاء الألواح لاحقاً بعد سنة وسنتين و3 سنوات. وبعد انقضاء فترة 3 سنوات، أُتلفت الطبقات الأرق من البكتيريا بسبب الأشعة فوق البنفسجية، لكن هذه الطبقات الميتة من البكتيريا ساهمت في حماية المادة الوراثية للميكروبات تحتها، وجد الباحثون أن كل العيّنات الأكبر من 0.5 ملم نجت جزئياً من التجربة. يقترح ياماجيشي وزملائه أن أي مستعمرة لها ضعف سماكة المستعمرة السابقة -وعرضها يقترب من عرض عملة العشرة سنتات- قد تبقى حية لـ 8 سنوات في الفضاء. هذه المدة أكثر من كافية لتسافر هذه المستعمرة من المريخ إلى الأرض، وذلك وفقاً لياماجيشي.

تدعم هذه النتائج نظرية «التبذّر الشامل»، والتي تنص أن الحياة على كوكب الأرض أتت من كوكب آخر. الفكرة بسيطة: لم تبدأ الحياة على الأرض، وبدلاً عن ذلك، فهي انتقلت إليها من مكانٍ آخر من الكون.

يقول «تشاندرا ويكراماسينج»، عالم متخصص في البيولوجيا الفلكية في جامعة «بكينجهام»، وغير مشارك في الدراسة الجديدة: «هذه الدراسة متينة للغاية». كان ويكراماسينج أول من صاغ النظرية السابقة بطريقة علمية رصينة عام 1974. ويضيف: «خلال 4 عقود منصرمة، أُثبتت كل تنبؤات نظرية التبذّر الشامل المذنّبية. وهذا مستبعد للغاية لو كانت النظرية خاطئة».

يعتبر «ماناسفي لينجام»، عالم متخصص في البيولوجيا الفلكية في معهد فلوريدا للتكنولوجيا، وغير مشارك في الدراسة الجديدة، أن هذه الدراسة تمثل «إضافة قيّمة على مجموعة الأدلة المتنامية التي تفيد بأن الكائنات «المحبّة» للظروف القاسية، لها قدرة كبيرة على التحمّل، وهي قادرة على الصمود في وجه مخاطر الفضاء الخارجي»/ على الأقل لفترة قصيرة من الزمن. مع ذلك، يضيف أن البحث الجديد له تبعات جدّية على مجالي الحماية الكوكبية والتلوث البيولوجي. إذ أن الكائنات المحبة للظروف القاسية مثل بكتيريا «داينوكوكس» قد تكون انتقلت بنجاح إلى المريخ، مع المركبات الفضائية القديمة والحديثة، مفسدة بذلك البيئة المريخية بشكلٍ غير متعمّد. إذا اكتشفنا الحياة على المريخ يوماً ما، فسيكون من الصعب تحديد فيما إذا كانت قد تشكلت على المريخ أو انتقلت إليه من جسم كوكبي آخر.

بينت دراسات سابقة أن البكتيريا يمكنها أن تبقى حية في الفضاء إذا كانت محمية بواسطة الصخور، ولكن ياماجيشي وزملائه يقترحون أن البكتيريا أن تبقى حية أيضاً عن طريق تجمعها على بعضها، وتشكيل «مراكب عابرة للكواكب» لنشر الحياة، وهو مفهوم أطلق عليه الباحثون اسم «ماسابانسبيرميا».

على  الرغم من أن هذه الدراسة تمثل أفضل تقدير لمعدل بقاء البكتيريا على قيد الحياة في الفضاء الخارجي حتى الآن، إلا أن نظرية التبذر الشامل تبقى مثيرة للجدل. إذ هناك العديد من الأسئلة التي لم تجب عنها بعد حول كيفية بقاء البكتيريا على قيد الحياة عبر انتقالها بين الأجرام السماوية. سيستمر كل من فريق ياماجيشي ومهمة تانبوبو بإجراء التجارب باستخدام أنواع مختلفة من البكتيريا، وضمن ظروف مختلفة، وذلك بهدف الإجابة عن بعض هذه الأسئلة.