Reading Time: 5 minutes

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية؛ يموت شخص ما كل 40 ثانية في مكان ما حول العالم بسبب الانتحار. ويقدم على الانتحار نحو 800 ألف شخص كل عام.

لا يرتبط الانتحار بعمر محدد، حيث كان ثاني الأسباب الرئيسية للوفاة لدى الأشخاص الذين تراوحت أعمارهم بين 15 و29 عاماً في عام 2016. ويعد الانتحار ظاهرة عالمية؛ فهو لا يقتصر على البلدان المتقدمة ذات الدخل المرتفع فحسب، بل أن 79% من حالات الانتحار حدثت في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض في إحصائية لعام 2016. وتعتبر أكثر طرق الانتحار شيوعاً هي تناول السموم واستخدام الأسلحة النارية والشنق. ويصادف يوم 10 سبتمبر/ أيلول من كل عام، اليوم العالمي لمنع الانتحار، والذي دشنته منطمة الصحة العالمية للتوعية بإمكانية منع الانتحار.

ما هو الانتحار؟

يُعرَّف الانتحار «Suicide» بأنه قتل المرء لنفسه، ويأتي من الكلمة اللاتينية «suicidium»، وهي ما تعني حرفياً «قتل النفس». يُعتبر الانتحار في بعض المجتمعات، تاريخياً وحتى يومنا هذا، جريمة ومن المحرمات الدينية. بالنسبة للآخرين ممن لم يقعوا في قبضة الاكتئاب الحاد واليأس من الحياة، فمن الصعب فهم الدافع الحقيقي وراء الانتحار؛ فهو آخر محاولة يائسة للهروب من معاناة الحياة التي أصبحت لا تُطاق.

لا يتمكن الشخص الذي يفكر في الانتحار من رؤية أي وسيلة أخرى ليعثر على الراحة إلا من خلال الموت، وقد يكون هذا بسبب الاكتئاب الحاد ومشاعر الكراهية للذات واليأس الشديد، والعزلة. ولكن على الرغم من رغبته في أن يتوقف الألم، إلا أن معظم الأشخاص الذين يقدمون على الانتحار يترددون بشدة حول إنهاء حياتهم، ويتمنون لو كان هناك حلاً بديلاً للانتحار، لكنهم لا يستطيعون رؤية هذا الحل البديل. لذا من المهم معرفة عوامل الخطر والعلامات التحذيرية التي قد توضح ميول الشخص للانتحار، وكيف يمكن منع وتجنب حالات الانتحار. كما يمكنك أن تساهم في إنقاذ حياة إنسان يفكر في الانتحار، وتساعده بالفعل على رؤية الحل البديل.

عوامل تزيد من خطر الانتحار

الانتحار, طب, طب نفسي, اليوم العالمي لمنع الانتحار

عوامل الخطر هي الخصائص أو الظروف التي تزيد من فرص محاولة شخص ما الانتحار، تشمل عوامل الخطر الأكثر شيوعاً الآتي:

1. الاضطرابات النفسية

تلعب الاضطرابات النفسية دوراً كبيراً في زيادة خطر الانتحار؛ حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 90% من الأشخاص الذين ينتحرون يعانون من أحد أنواع الاضطرابات النفسية، والتي تشمل اضطرابات الاكتئاب الرئيسية، والاضطراب ثنائي القطب، والفصام الذهاني، واضطرابات الشخصية، واضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات الأكل. يتناقص خطر الانتحار بنسبة كبيرة بمجرد البدء في عملية العلاج.

2. إدمان المخدرات والكحوليات

بعد الاكتئاب الحاد والاضطراب ثنائي القطب، يُصنف إدمان المخدرات والكحوليات في المرتبة الثانية من حيث نسبة خطر الانتحار. وتزداد نسبة الخطر في حالة إصابة الشخص بالاكتئاب أو أحد الاضطرابات النفسية وتعاطي المخدرات أو الكحوليات في ذات الوقت.

3. الظروف الاجتماعية السيئة

تساهم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية للأسرة في زيادة خطر الانتحار؛ فالبطالة والتشرد والفقر والإيذاء الجنسي في مرحلة الطفولة، والعزلة الاجتماعية، وفقدان أحد أفراد الأسرة وغيرها من ضغوط الحياة يمكن أن تزيد من نسبة خطر الإقدام على الانتحار بصورة كبيرة.

4. الوراثة

ربما قد يكون من المفاجئ أن الوراثة تلعب دوراً في زيادة خطر الانتحار؛ فقد يشير تاريخ العائلة في الانتحار إلى زيادة نسبة الخطر بين أفراد الأسرة الآخرين، وفقاً لما ذكرته دورية «JAMA Psychiatry» في دراسة نشرت عام 2015. ويعد تاريخ العائلة في الإصابة بالاضطرابات النفسية وتعاطي المخدرات عاملاً في زيادة نسبة الخطر. وكذلك التعرض لحالات الانتحار، مثل مشاهدة أحد أفراد الأسرة ينتحر أو العثور على جثته، يدل أيضاً على زيادة خطر السلوك الانتحاري.

العلامات التحذيرية للانتحار

الانتحار, طب, طب نفسي

عندما تشعر بالقلق من أن شخصاً ما لديه ميولاً انتحارية، يجب أن تبحث عن تغيير في السلوك، أو ظهور سلوكيات جديدة تماماً لدى هذا الشخص؛ خاصةً إذا كان السلوك الجديد أو المتغير مرتبطاً بحدث مؤلم، أو خسارة شديدة أو تغيير في نمط حياته. معظم الأشخاص الذين ينتحرون أو يحاولون الانتحار يُظهرون بعض العلامات التحذيرية، من خلال كلامهم أو أفعالهم، وربما رسائل صريحة بالرغبة في الموت.

1. العلامات الشفهية

قد يكثر حديث الشخص عن الرغبة في الموت أو الرغبة في الانتحار، وعن الشعور بالفراغ النفسي أو اليأس أو عدم وجود سبب للحياة، وعن الشعور بالذنب أو العار، وعن الشعور بأنه مُحاصر أو الشعور بعدم وجود أي حلول أخرى، وعن الشعور بألم لا يُطاق سواءً كان جسدياً أو نفسياً، وعن كونه عبئاً على الآخرين من حوله.

2. العلامات السلوكية

قد يظهر على الشخص تغييراً في سلوكه وأفعاله، مثل التخطيط أو البحث عن طريقة للانتحار من خلال البحث على الإنترنت، أو الاحتفاظ بالعقاقير والأدوية، أو الحصول على أدوات قاتلة مثل الأسلحة النارية والحبال، والاتجاه إلى إدمان الكحوليات أو المخدرات. كذلك الانسحاب من العلاقات الاجتماعية مع العائلة والأصدقاء، والتغير في عادات الأكل والنوم، والتعرض للمخاطر التي قد تؤدي إلى الموت مثل القيادة بتهور شديد، والتعرض لتقلبات مزاجية حادة، والتخلي عن ممتلكاته الهامة بسهولة.

كيف يمكنك المساهمة في منع الانتحار؟

تستند طرق الوقاية من الانتحار والعلاج على عوامل الخطر لكل شخص؛ توصف العلاجات على حسب نوع المرض أو الاضطراب النفسي أو الحالة العامة، بالإضافة إلى محاولة منع الأفكار والأفعال الانتحارية. إذا كان الشخص يُعاني من اضطراب عقلي، فتُوضع خطة لعلاج هذه الحالة أولاً.

واحدةً من أكثر أساليب الوقاية ومنع الانتحار شيوعاً هي العلاج النفسي في شكل  لعلاج السلوكي المعرفي، وهو شائع في علاج مجموعة كبيرة من الاضطرابات العقلية، حيث يتعلم الشخص طرقاً جديدة للتعامل مع الضغوطات النفسية وتجارب الحياة المُجهدة. بهذه الطريقة، عندما تأتيه أفكار انتحارية، يمكنه إعادة توجيه تلك الأفكار والتعامل معها بطريقة مختلفة بدلاً من محاولة الانتحار.

كما يمكن استخدام العلاج السلوكي الجدلي أيضاً، لمساعدة الشخص في التعرف على المشاعر أو الأفعال المُدمّرة أو غير الصحية، ثم تقدم هذه الوسيلة في العلاج تقنيات حول كيفية التعامل مع المواقف الصعبة أو المثيرة للقلق لدى الشخص.

غالباً ما يتعرف العائلة والأصدقاء أولاً على العلامات التحذيرية للانتحار، ويمكنهم اتخاذ الخطوة الأولى نحو مساعدة الشخص في العثور على العلاج المناسب، والتحدث مع طبيب متخصص في تشخيص وعلاج حالات المرض العقلي. إذا كنت تعرف شخص ما يحاول الإقدام على الانتحار، أو ظهرت عليه العلامات التحذيرية، لا تترد في الحديث معه، ومحاولة طلب المساعدة بأسرع وقت، فكلما كان الوقت مبكراً زادت فرصة نجاح العلاج ومنع الانتحار.

اقرأ هنا: 5 خطوات لمساعدة أشخاص تراودهم أفكار انتحارية

أما عن حالات تراجع الانتحار حول العالم، فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية، سجلت سريلانكا تراجع بنسبة 70% وإنقاذ نحو 93 ألف شخص في الفترة بين عام 1995 و 2015. وبعد حظر مبيد الأعشاب «باراكوات» في جمهورية كوريا الذي كان يستخدم في أغلب حالات الانتحار؛ تراجعت نسبة الانتحار إلى النصف في الفترة بين عام 2011 و 2013.

مفاهيم شائعة خاطئة حول الانتحار

الانتحار, طب, طب نفسي, اليوم العالمي لمنع الانتحار

هناك بعض المفاهيم التي تنتشر في المجتمعات حول الانتحار، ولكنها مفاهيم خاطئة تماماً، وقد تتسبب في نتائج عكسية، إليك بعض هذه الأمثلة:

1. الأشخاص الذين يتحدثون عن الانتحار لن يفعلوا ذلك

أي شخص حاول الانتحار، أو انتحر بالفعل، قد أعطى بعض الدلائل أو العلامات التحذيرية، لكننا نميل إلى تجاهل الحقائق. لا تتجاهل أي شيء، حتى الإشارات غير المباشرة للرغبة في الموت أو الانتحار. بغض النظر عن الكيفية التي قيلت بها، فقد تشير إلى ميول انتحارية خطيرة.

2. كل من يحاول الانتحار مجنوناً

معظم من يحاولون الانتحار ليسوا مجانين أو فقدوا عقولهم. هم يشعرون بألم شديد أو يعانون من الحزن أو الاكتئاب الحاد أو اليأس، وكل هذه العلامات لا يمكن وصفها بالجنون.

3. إذا كان الشخص عازماً على الانتحار فلن يمنعه أي شيء

حتى الشخص الأكثر اكتئاباً لديه مشاعر مختلطة حول الموت، يتأرجح حتى اللحظة الأخيرة بين الرغبة في العيش والموت. معظم من يفكرون في الانتحار لا يريدون الموت حقاً، هم يبحثون عن وسيلة توقف الألم فحسب. الدافع لإنهاء كل شيء، مهما كان قوياً في بعض اللحظات، لا يدوم إلى الأبد.

4. الحديث عن الانتحار قد يعطي الشخص الفكرة

الحديث عن الانتحار قد يكون من الأشياء المحرمة، إذا تحدثت مع شخص يفكر في الانتحار، فلن تعطيه أنت الفكرة، بل العكس هو الصحيح. طرح موضوع الانتحار ومناقشته علناً من أكثر الأشياء المفيدة التي يمكنك القيام بها معه، فهو يحتاج إلى من يستمع إليه بشدة.

إذا لاحظت ظهور أي علامات تحذيرية على شخص تهتم به، فقد تتساءل عما إذا كان من الجيد أن تتحدث معه. ماذا لو كنت مخطئاً؟ ماذا لو غضب الشخص؟

في مثل هذه الحالات، من الطبيعي أن تشعر بعدم الارتياح أو الخوف، لكن أي شخص يتحدث عن الانتحار أو يظهر علامات تحذيرية أخرى يحتاج إلى مساعدة فورية، كلما أسرعت في التدخل كان ذلك أفضل. فقد يكون في أمس الحاجة إلى مساعدتك في إيجاد حل بديل عن الانتحار للتخلص من الألم الذي يعانيه.