Image

دوامة النفايات الكبرى في شمال المحيط الهادي أصبح لها نظير في الجنوب

Bread assortment البلاستيك لا يلوث المحيط وحسب، ولكن يمكن الشعور بتأثيراته على امتداد النظام البيئي.
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

“نحن نعيش عصر البلاستيك، ولكننا نجهل مخاطره، ولم نتعلم كيف نخاف منه أو نحترمه”. هذا ما قاله تشارلز مور لمجلة بوبيولار ساينس – العلوم للعموم.

ومور هو مؤسس ومدير الأبحاث في مؤسسة ألجاليتا للأبحاث والتعليم البحري، وقد عاد حديثاً من رحلة دامت ستة أشهر للتقصي عن التلوث بالبلاستيك في جنوب المحيط الهادي. واكتشف مور أن المياه في دوامة جنوب المحيط الهادي -وهي موقع بعيد يبدأ على بعد حوالي 6100 كيلومتر شرق أميركا اللاتينية- تختنق حالياً بالبلاستيك.

وأن يكون لنفاياتنا هذا الوجود القوي هو أمر مخيب للآمال، ولكنه غير مستغرب تماماً. وقد وجدت دراسة حديثة أن البشر أنتجوا منذ الخمسينات 9.1 مليار طن من البلاستيك، أي ما يعادل وزن 93 ألف من حاملات الطائرات الأثقل في العالم. ولكن دوامة النفايات الجديدة تظهر إلى أي مدى يجب علينا أن نقوم بإزالة الآثار السيئة لتصرفاتنا. ويقدر مور أن دوامة النفايات الجديدة تغطي مساحة مليون كيلو متر مربع، وهي مساحة أكبر مرة ونصف من مساحة ولاية تكساس الأميركية. ولكن الإدارة الوطنية للمحيط والغلاف الجوي تحذر أن أحجام هذه الدوامات لا يمكن تحديدها بدقة بالغة.

والدوامات المحيطية هي أنظمة هائلة من تيارات محيطية جوالة، وهي نوع من الدوامات بطيئة الحركة. ومع كون المحيطات موطناً للعديد من هذه الدوامات، فإن خمساً منها تملك تأثيراً كبيراً على المحيطات وهي: دوامة شمال الأطلسي، ودوامة جنوب الأطلسي، ودوامة شمال الهادي، ودوامة جنوب الهادي، ودوامة المحيط الهندي. وتساهم هذه الدوامات الخمس الكبرى في دفع ما يسمى بالحزام الناقل المحيطي الذي يساعد على دوران مياه المحيط حول العالم. ولكنها أثناء القيام بذلك، تسحب معها التلوث الذي ينتجه البشر في المناطق الساحلية.

والمثال الأشهر لقيام الدوامة المحيطية بسحب النفايات البشرية، هو دوامة النفايات الكبرى في المحيط الهادي والتي تقع في الدوامة المحيطية شمال المحيط الهادي. وهي منطقة تتركز فيها المخلفات، وخاصة البلاستيكية منها. وفي حين تم ذكر هذه الدوامة لأول مرة في الثمانينات في دراسة كتبها باحثون من الإدارة الوطنية للمحيط والغلاف الجوي، فإن مور كان أول من يعرّفها على أنها حشد للمخلفات البشرية.

وأعطت النماذج التي قام باحثون من جامعة هاواي بتصميمها مور فكرة عن وجود دوامة محيطية جنوب المحيط الهادي. يقول مور: “أشارت النماذج النظرية إلى أن هذه المنطقة ستكون منطقة تراكم نفايات”. ولذلك قرر أن يذهب ويرى بنفسه.

عينة من شبكة الجر مانتا
حقوق الصورة: تشارلز مور

قبل عدة سنوات، كان ماركوس إريكسن، مدير الأبحاث والمؤسس المشارك لمعهد الدوامات المحيطية الخمس (وهي منظمة غير ربحية تركز على معالجة قضية التلوث البلاستيكي في جميع أنحاء العالم)، قد مر بالمنطقة وشاهد بعض التلوث البلاستيكي. وقد أورد في دراسة شارك في وضعها ونشرت في مجلة “بلاس ون” ما يلي: “تشير تقديراتنا إلى أن منطقتين من مناطق المحيطات في نصف الكرة الشمالي تحتويان على 55.6 في المائة من الجسيمات و 56.8 في المائة من الكتل البلاستيكية مقارنةً مع نصف الكرة الجنوبي، حيث يحتوي شمال المحيط الهادي على 37.9 في المائة من الجسيمات، و35.8 في المائة من الكتل البلاستيكية. ويبدو أن المحيط الهندي في نصف الكرة الجنوبي يحتوي على كمية أكبر من الجسيمات في العدد والوزن مقارنة بجنوب الأطلسي وجنوب الهادي مجتمعين”.

وتشير نتائج استخدام شبكة الجر التي قام بها مور إلى وجود مشكلة أكبر. يقول مور: “أخبرني الدكتور إريكسون أنه في كل المرات التي استخدم بها شبكات الجر الخاصة به، كان بإمكانه أن يأخذ البلاستيك ويمسكه بقبضة يده. بينما كان في دراستي الكثير من شبكات الجر، ولكن كمية البلاستيك لا تناسب حجم قبضة يدي”.
ولا يأتي البلاستيك إلى المحيط على شكل أمواج عائمة من حطام البلاستيك كما توحي بذلك كلمة “دوامة النفايات”. في الحقيقة، فإن البعض يجادل في أن كلمة “الدوامة” تسمية خاطئة إلى حد ما، وأن كلمة مثل “غمامة” ستكون مناسبة أكثر. فدوامة النفايات لا تكون مملوءة عادة بقطع كبيرة من البلاستيك، كالأكواب، والملاعق البلاستيكية غير المرتجعة، وعبوات المياه.  وهي تتكون غالباً من الميكروبيدات والألياف البلاستيكية التي تنجرف إلى البحر مع قطع البلاستيك التي تنفصل عن أجزائها الأكبر عندما نأخذ حمّاماً أو نقوم بغسل الملابس. وبخلاف الورق أو القطن، فإن البلاستيك لا يتفكك أبداً ليعود إلى مكوناته الكيميائية بحيث يمكن أن يعاد استخدامه في العمليات الحيوية التي تغذي الحياة على الأرض، ولكنه بدلاً من ذلك، يتفكك إلى أجزاء أصغر حجماً.

ولكن مور كان محظوظاً بما يكفي لدراسة كثافة معينة من دوامة النفايات في جولته العلمية. وبدلاً من القطع ذات الحجم المجهري، كان هناك أجزاء من المخلفات يستطيع رؤيتها فعلاً.

وقد استخدم مور أداة تدعى شبكة جر مانتا. وتملك شبكة الجر هذه أجنحة واسعة تطفو على السطح، مع فتحة بعرض متر واحد مصنوعة من شبكة ذات ثقوب بحجم 0.3 ملم. وتغوص الشبكة بعمق 20 سم تحت السطح لتغرف من العوالق البحرية، وهي نباتات أو حيوانات تعتبر الغذاء الرئيسي للكثير من الحيوانات البحرية كالحيتان والأسماك، بحيث تكون النفايات كبيرة بما يكفي لتعلق بالشبكة.

وعندما يسحبون شباك الجر، يقوم مور وزملاؤه بفرز صيدهم. وفي هذه الأيام، غالباً ما تكون كمية البلاستيك أكبر من كمية العوالق.

تعتمد الحيوانات التي تمر عبر الدوامة المحيطية على العوالق، ولكنها بدلاً من ذلك تجد البلاستيك وتتغذى عليه. وهذا أمر سيئ، ليس بسبب أن البلاستيك لا يصلح كمادة غذائية، ولكن لأن البلاستيك في المحيط يقوم بامتصاص الملوثات الكيميائية. وإذا أكلت الأسماك هذه المواد الكيميائية التي يرتبط بعضها بالاختلال الهرموني والسرطان، فإنها ستأخذ في النهاية طريقها إلى السلسلة الغذائية. ويذكر مور أن أول سمكة تونة من نوع البكور يقومون باستخراجها خلال رحلتهم داخل الدوامة المحيطية، كانت تحتوي على البلاستيك في بطنها.

يقول مور: “لقد كنا نجد ستة كيلوجرامات من البلاستيك مقابل كل كيلو جرام من العوالق البحرية في دراستنا الأصلية عام 2009 على شمال المحيط الهادي”.

ولم يقم الفريق بعمل حصيلة دقيقة لنسبة النفايات إلى العوالق في جنوب المحيط الهادي، ولكن مور يقول: “إن شعوري الشخصي هو أن الوضع في جنوب الهادي متأخر عشر سنوات تقريباً عن الوضع في شمال الهادي”.

ويرى مور أن الفارق الزمني يرجع إلى الاختلافات في اعتماد البلاستيك بين بلدان الشمال والجنوب. حيث كانت دول مثل الولايات المتحدة تستخدم كمية كبيرة من البلاستيك لفترة طويلة جداً، في الوقت الذي بدأت فيه بلدان أميركا الجنوبية للتو في اللحاق بالركب. إنها أسوأ لعبة مطاردة في العالم.

وعلى المدى الطويل، فإن الحل الوحيد هو خفض التلوث بالبلاستيك عن طريق خفض استعماله، وعن طريق كسر سلسلة استخدامه أيضاً، بمعني أن نكون واثقين في المقام الأول من أن البلاستيك لن ينتهي به المطاف في تيار النفايات.

يقول مور: “لم نتعامل مع البلاستيك بالخوف والاحترام الذي يستحقه. لقد تعاملنا معه كقمامة نقوم برميها بعيداً. ولكننا سنضطر إلى تعلّم الخوف من البلاستيك، لأنه خطير للغاية، سواء على صحتنا، أو على النظام البيئي الذي نعيش فيه”.

error: Content is protected !!