Reading Time: 5 minutes

مقال من «آيون»


عندما كنت طالباً منذ زمن طويل حينما كانت أغلب الحواسيب هائلة الحجم، كان لدي صديق أصر عليه مستشار الدكتوراه خاصته أن يجري حساباً طويلاً وصعباً في النظرية الذرية يدوياً. أدّى ذلك إلى كتابة عدد كبير من الصفحات المليئة بالأخطاء. لذلك استسلم صديقي أخيراً للإحباط، وتسلل إلى معمل الحاسوب ذات ليلة، وكتب شفرة قصيرة لإجراء الحساب. ثم نسخ بشكلٍ مرهق النتيجة باليد، وأعطاها لأستاذه.

قيّم أستاذه عمله بممتاز. يبين هذا أنك فيزيائي حقيقي. لم يعلم الأستاذ أبداً بما حدث. وعلى الرغم أني فقدت التواصل مع هذا الصديق، إلا أنني أعرف آخرين كثر بنوا مسيرات مهنية ناجحة دون أن يتقنوا مهارات الحساب اليدوية التي أتقنتها الأجيال السابقة.

من الشائع تأطير النقاشات حول التحولات المجتمعية من خلال التركيز على المهارات الجديدة التي تصبح أساسية. لكن بدلاً من البحث في الأشياء التي نتعلمها، ربما يجب علينا أن نفكر بالعكس: ما هي الأشياء التي من الآمن نسيانها؟ في 2018، سألت مجلة ساينس عشرات العلماء صغار السن عما يجب أن تعلمه المدارس للأجيال التالية. قال العديد منهم أننا يجب أن نقلل الوقت الذي يضيع على حفظ المعلومات، وأن نعطي مجالاً أكبر للممارسات الأكثر إبداعية. بينما تزيد قوة تأثير الإنترنت وشموليتها، لماذا نهتم بتذكّر وتخزين المعلومات؟ إذا كان الطلاب قادرين على الوصول إلى أي معلومة باستخدام هواتفهم الذكية، لماذا يجب عليهم تخزين كم كبير من المعلومات في أدمغتهم؟

تتطوّر الحضارات عن طريق النسيان الاستراتيجي للمهارات التي كانت تعتبر يوماً أساسية. بعد الثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث، أصبح عمال الحقول قادرين على التخلي عن الكثير من معارفهم المتعلقة بالغابات، ومهاراتهم في ملاحقة الحيوانات، والكثير من المعلومات الضرورية للصيد وجمع الطعام. في العصور التي تبعت ذلك، عندما تحولت المجتمعات إلى الصناعة، أصبحت القراءة والكتابة أساسيتين، بينما أصبحت المعارف حول الحرث والحصاد أقل أهمية.

في وقتنا الحاضر، يضيع أغلبنا دون استخدام أنظمة تحديد المواقع الخاصة بهواتفنا الذكية. إذن ما الذي سيأتي تالياً؟ بوجود السيارات ذاتية القيادة، هل سننسى كيفية القيادة؟ وبينما تحيط بنا أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعمل بتقنية التعرف على الأصوات القادرة على تحليل أكثر الأصوات دقة، هل سننسى كيف نتكلم؟ وهل هذا يهم فعلاً؟

معظمنا الآن لا يعلم كيفية زراعة الطعام الذي نتناوله أو بناء المنازل التي نعيش بها. نحن لا نفهم تربية الحيوان، ولا نعلم كيفية غزل الصوف، أو حتى تغيير شمعات الإشعال في السيارة. معظمنا لا يحتاج لمعرفة هذه الأشياء لأننا أعضاء في ما يدعوه علماء النفس المجتمعي «شبكات الذاكرة التعاملية».

ننخرط بشكلٍ دائم في «معاملات خاصة بالذاكرة» ضمن مجتمع من «شركاء الذاكرة» عن طريق نشاطات مثل الأحاديث والقراءة والكتابة. كأعضاء في هذه الشبكات، يصبح معظم الأشخاص غير مضطرين لتذكّر أغلب المعلومات. وسبب هذا ليس أن هذه المعلومات قد فُقدت أو تم نسيانها بشكلٍ كامل، ولكن لأن أحداً ما أو شيء ما آخر يخزّنها. ويجب علينا فقط أن نعلم مع من يجب علينا التكلم، أو أين يجب علينا أن نبحث. إن موهبتنا الموروثة التي تسمح لنا باتباع سلوكيات تعاونية هي هبة لنا من التطوّر، وهي تزيد سعة ذاكرتنا الفعالة بشكلٍ كبير.

الجديد مع ذلك، هو أن العديد من شركاء الذاكرة خاصتنا هم الآن آلات ذكية. لكن الذكاء الاصطناعي، مثل محرك بحث جوجل، هو شريك ذاكرة لا يشبهه أحد. إذ فهو أشبه بما يكون لـ «شريك ذاكرة خارق»، فهو يستجيب بشكل آني، وهو متوفر دوماً. كما أنه يمنحنا الوصول إلى جزء كبير من المخزون المعرفي للبشرية.

لاحظ الباحثون وجود عدة مخاطر في وضعنا الحالي. على سبيل المثال، تطور أسلافنا ضمن مجموعات بشرية أخذت شكل شبكة ذاكرة لا مركزية. مع ذلك، تأثرت دائماً المعلومات الآتية من الآخرين بأنواع عدة من الانحيازات وطرق التفكير الهادفة. إذ أن الأفراد ينافقون ويعقلنون الأفكار، ويمكنهم أن يخطئوا. تعلمنا أن نكون نبيهين لهذه العيوب عند الآخرين، وفي أنفسنا أيضاً. لكن ظهور خوارزميات الذكاء الاصطناعي يدفع الكثيرين للاقتناع أن هذه الخوارزميات صحيحة بالضرورة و«موضوعية». ببساطة، هذا تفكير غير منطقي.

أكثر التقنيات الذكية تقدماً اليوم تُدرَّب عن طريق عمليات اختبار متكررة يتحقق منها البشر في النهاية، ويحددون النتائج المقبولة لها. لأن الآلات يجب أن تتدرب باستخدام مجموعات منتهية من المعلومات، بوجود البشر كحكّام جانبيين، فإن الخوارزميات تميل لأن تعزز الانحيازات الموجودة مسبقاً، والتي تتعلق بالأعراق والجنس وغيرها. تمثل أداة توظيف داخلية في شركة أمازون (ظلت قيد الاستخدام حتى 2017) مثالاً نموذجياً على هذا: تدربت هذه الأداة على القرارات التي أخذها قسم الموارد البشرية الداخلي للشركة، ووجدت هذه الأخيرة أن الخوارزمية تهمّش المرشحات الإناث بشكلٍ منهجي. إذا لم نكن حذرين، فيمكن أن يكون شركاء الذكاء الاصطناعي الخارقين خاصتنا متعصبون للغاية.

يتعلق أحد المخاطر الأخرى بسهولة الوصول إلى المعلومات. قبل الثورة الرقمية، كان الجهد اللازم للحصول على المعلومات من الأشخاص الآخرين، أو الذهاب إلى المكتبة، يجعل من الواضح لنا ما هي المعلومات المخزنة في أدمغة وفي كتب أخرى، وما هي المعلومات المخزنة في أدمغتنا الخاصة. لكن وجد الباحثون أن سرعة استجابة الإنترنت قد تؤدي إلى القناعة الخاطئة، والتي تتخزن في الذاكرة لاحقاً، بأن المعلومات التي سعينا لها كانت جزءاً مما نعلم طوال الوقت.

ربما تبين هذه النتائج أننا نملك غريزة «العقل الموسَّع»، وهي فكرة طُرحت لأول مرة في 1998 عن طريق الفيلسوفين «ديفيد تشالمرز» و«آندي كلارك». اقترحا أنه يجب علينا النظر إلى عقلنا أنه غير موجود في دماغنا الفيزيائي فقط، ولكنه يمتد إلى الخارج ليستفيد من وسائل مساعدة خاصة بالذاكرة والتفكير المنطقي. مثل دفاتر الملاحظات والأقلام والحواسيب، والحواسيب اللوحية والتخزين السحابي.

نظراً لقدرتنا على الوصول إلى معلومات خارجية بسهولة، ربما نحن نطوّر «أنا» دائمة التوسّع. شخصية كامنة تتضمن صورتها المتضخمة عن نفسها جهلاً بموضع المعارف في شبكة الذاكرة. إذا كان هذا صحيحاً، ما الذي سيحدث عندما تصبح واجهات التواصل بين الدماغ والحاسوب، أو حتى بين الأدمغة، شائعة، ربما عن طريق أدوات عصبية مزروعة؟ هذه التكنولوجيا قيد التطوير الآن بهدف استخدامها على مرضى متلازمة المنحبس، أو ضحايا السكتات الدماغية، أو المصابين بحالة متقدمة من التصلب الجانبي الضموري، أو الأمراض العصبية الحركية. لكن هذه الواجهات ستصبح على الأرجح أكثر شيوعاً عند إتمام تطوير هذه التقنيات، فهي أدوات لتحسين الأداء ضمن عالم تنافسي.

يبدو أن نوعاً جديداً من الحضارة يظهر، وهي حضارة غنية بالآلات الذكية، فيها نقاط وصول واسعة الانتشار تساعدنا في الانضمام إلى شبكات الذاكرة الاصطناعية. حتى مع الأدوات المزروعة في الجسم، لن تكون معظم المعلومات التي سنصل إليها مخزنة في أدمغتنا الآلية «المحدّثة»، ولكنها ستكون مخزنة بعيداً في مخدّمات كالبنوك. في طرفة عين، ومن لحظة الإطلاق حتى الاستجابة، كل بحث على جوجل يسافر الآن وسطياً مسافة 2414 كم إلى مركز للبيانات ورجعة، ويستخدم حوالي 100 حاسوب خلال ذلك. لكن الاعتماد على شبكة يعني أيضاً التعرض لبعض العقبات الجديدة. فانهيار أحد شبكات العلاقات المهمة، مثل شبكات الطعام أو الطاقة، قد يمثل كارثة. بدون الطعام سنموت من الجوع، ودون الطاقة سنعاني من البرد. وتكون الحضارات بخطر الوقوع في عصور مظلمة بالأخص عندما يطرأ فقدان واسع الانتشار للذاكرة.

ولكن حتى لو وصلت الآلات إلى مرحلة يمكن اعتبارها تفكر فيها، فإن البشر والآلات سيفكرون بطرق مختلفة. نحن البشر نملك نقاط قوة تعويضية، حتى لو كانت الآلات لا تزيدنا موضوعية. عن طريق العمل معاً في فرق ذكاء اصطناعي بشرية، يمكننا أن نمهر في الشطرنج وأن نتخّذ قرارات طبية أفضل. لذلك، لماذا لا تُستخدم التقنيات الذكية لتحسين عملية التعلم؟

يمكن أن تحسن التكنولوجيا التعليم، وأن تزيد قدرة الوصول للمعلومات بشكلٍ هائل، وأن تحفّز الإبداع البشري وتدعم صالح البشر. يشعر الكثيرون أنهم يقفون في منطقة حديّة ثقافية على أعتاب تغيير كبير. ربما سيتعلم المربّون في النهاية أن يصبحوا معلمين أفضل بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ولكن في بيئة تعليمية، على عكس الشطرنج الجماعية أو التشخيص الطبي، فالطالب ليس خبيراً بعد. ويمكن أن يتكّل على الذكاء الاصطناعي كشريك ذاكرة لامحدود المعرفة، ظناً منه أنه يقوم بالعمل بنفسه.

كما تبين تجربة صديقي الفيزيائي، يمكن للذاكرة أن تتكيف وتتطور. بعض هذا التطور يتضمن دائماً نسيان الأساليب القديمة بهدف توفير الوقت والمجال للمهارات الجديدة. بشرط أن تُخزّن أشكال المعرفة القديمة في مكان ما داخل شبكتنا، وأن تكون متوفرة عند الحاجة. ربما عندها يمكن اعتبار المعلومات غير منسية تماماً. مع ذلك، ومع مرور الزمن، يصبح كل جيل جديد غريباً عن سابقه بشكلٍ تدريجي وحتمي.