Reading Time: 4 minutes

اعتدنا سماع كيف يواجه البشر الحرائق الطبيعية، وما يبتكرونه من أساليبٍ لمكافحتها، لكن في السنوات الأخيرة، بات علماء الأحياء والبيئة يدركون مدى أهمية دور الحيوانات في السيطرة على الحرائق والحدّ منها. على سبيل المثال، تقوم ولايات مثل كاليفورنيا بتربية قطعان الماعز لرعي سفوح التلال المغطّاة بالنباتات الجافّة والأعشاب الضارة، التي تعمل كوقودٍ يساهم بانتشار الحرائق الموسمية إلى حدٍّ كبير.

لكن مراجعة جديدة نُشرت في دورية «ترندز إن إيكولوجي آند إفليوشن»، والتي تُعنى بأبحاث البيئة، تشير إلى أنّ العلاقة التي تؤثّر بها  الحيوانات على الحرائق؛ هي أكثر تعقيداً وتنوعاً بكثير من مجرّد قضية حيوانات عاشبة، يمكنها أن تقتات على الأعشاب والنباتات اليابسة والتقليل منها. وبحسب المراجعة، فإنّ للثدييات الصغيرة والطيور والحشرات دوراً مهماً في التأثير على الحرائق بجانب الحيوانات العاشبة الكبيرة. تقول «كلير فوستر»، مؤلفة المراجعة وعالمة البيئة الأرضية في الجامعة الوطنية الأسترالية: «فيما يتعلّق بالحيوانات التي يمكنها التأثير في انتشار الحرائق، أعتقد أنه يتمّ التركيز دائماً على الحيوانات الكبيرة، لكننا وجدنا أنّ هناك مجموعة كبيرة ومتنوعة من الحيوانات يمكن أن تؤثّر في الحرائق بطرقٍ مختلفة».

لذا كان المحور الرئيسي لتركيز علماء الحرائق حتى الآن مُنصباً على الطريقة التي تؤثر بها الحيوانات الكبير على كميّة وقود الحرائق (المواد النباتية القابلة للاشتعال). ولكن هناك الكثير من العوامل الأخرى التي يمكنها التأثير على حجم وشدّة الحرائق، وتتجاوز ببساطة قضية حجم الوقود الموجود في الطبيعة، تتعلّق مثلاً بتوزيع هذا الوقود والنباتات المكوّنة له، ومدى كثافته. تقول فوستر أنّها رأت بالفعل في بحثها كيف يمكن لحيوانات «الولاوب» -فصيلة من الجرابيات العشبية أصغر من حيوان الكنجر- تغيير بنية الغطاء النباتي في موطنها، وكيف يؤثّر ذلك على انتشار الحرائق. لقد أثارت دهشتها التفاعلات الأخرى التي لم ننتبه إليها، لأن تركيزنا كان منصباً على الحيوانات العاشبة الكبيرة. تقول: «لقد قررت اتبّاع مقاريةٍ أكثر شمولاً. اجتمعت أنا وزملائي وحاولنا العثور على ما نستطيع من الأمثلة التي يمكن أن تفيدنا في تقييم أثر الحيوانات على الحرائق».

تكشف النتائج التي توصلت إليها فوستر وزملاؤها مدى التأثير على النظام البيئي، والذي يمكن أن تقوم به حتى المخلوقات الصغيرة، وكيف يمكن أن تساعدنا على فهم طبيعة الحرائق بشكلٍ أفضل.

يمكن أن يكون تأثير الحيوانات العاشبة ذو اتجاهين

تأكل الحيوانات العاشبة الكبيرة في المراعي، مثل الأبقار ووحيد القرن والجاموس، الكثير مما يُسمّى «الوقود الناعم»، وهي نباتات شديدة الاشتعال (مثل العشب) تساعد في انتشار الحرائق، بالتالي يمكنها التقليل من شدّة الحرائق، ومن رقعة انتشارها أيضاً. كما يمكن لهذه الحيوانات أن تلعب دوراً مهماً في إدارة حرائق الغابات في المناطق الجافّة، لكن هذا التفاعل لا يعمل بالطريقة نفسها في جميع الأنظمة البيئية.

في بعض الأماكن، تُعتبر بعض النباتات مُستساغة للحيوانات أكثر من غيرها، ولكنها أقل قابليةً للاشتعال. نتيجة لذلك قد تترك الحيوانات العاشبة أنواع الأعشاب ذات القابلية الكبيرة على الاشتعال. وجدت الدراسات في الغابات المختلطة التي تحتوي على الصنوبريات والنباتات الأخرى المتساقطة الأوراق؛ أن الماشية تفضّل رعي الفروع الجديدة للنباتات متساقطة الأوراق، مثل الأسبن والحور والصفصاف، وتترك وراءها الصنوبريات دون أن تتناولها. يمكن لأشجار الصنوبر والتنوب الصغيرة أن تكون بمثابة «وقود سُلمّي» أثناء حرائق الغابات، حيث يمكن أن تنتقل الحرائق عبرها من أرضية الغابة إلى تيجان الأشجار.

كما لاحظ الباحثون في شمال باتاغونيا أنّه عندما ترعى الماشية والأرانب البريّة الأوروبية غابات المرتفعات بعد الحرائق، فإنّها تأكل أفرع الأشجار الجديدة من الجذور، وتمنعها من النمو. بالمقابل، تتحول المساحة المحروقة إلى نظامٍ بيئي تهيمن عليه الشجيرات منخفضة الارتفاع، وهو نظام أكثر عرضة للحرائق.

دور الحشرات واللافقاريات

تقول فوستر: «في الواقع، من الأشياء التي أعتقد أنّ دورها أكبر في هذه المراجعة، كانت الحشرات واللافقاريات الأخرى، حيث يمكنها لعب دور مهم في انتشار الحرائق بطرقٍ عديدة». يعلم الباحثون الدور الذي تلعبه خنافس لحاء الأشجار في الحرائق في غابات الغرب الأميركي. تؤدي هجمات هذه الخنافس إلى ضعف الأشجار وموتها، مما يقلل من محتواها الرطوبي، وتجف. بالتالي تصبح وقوداً يشتعل بسهولةٍ في موجات الحرائق.

بالإضافة إلى ذلك، هناك دورٌ خفي يمكن أن تلعبه الحشرات في انتشار الحرائق. فقد وجدت إحدى الدراسات أنه عندما تأكل حشرات البق أوراق أشجار البلوطيات مثل السنديان، يتغيّر تركيب الأوراق الكيميائي. تحتوي بقايا أوراق تلك الأشجار التي تهاجمها حشرات البقّ على نسبة عالية من اللجنين، وهو نوعٌ من الألياف يتحلّل ببطءٍ شديد. يعني ذلك تراكم الأوراق المتساقطة على الأرض، مشكّلة طبقة سميكة من بقايا أوراق الأشجار التي تُعتبر وقوداً ممتازاً للحرائق.

تشير فوستر في مراجعتها إلى أنّ حشرات «الأرماديلا» الصغيرة (فصيلة حشرات من رتبة القشريات متساوية الأرجل تعيش في الأماكن الظليلة الرطبة) واللافقاريات الأخرى التي تعيش بين بقايا الأوراق؛ تؤثّر أيضاً في انتشار الحرائق، حيث تتغذى تلك الحشرات على الأوراق الميتة والأغصان، فتحيلها إلى قطعٍ أصغر وتسهّل على الميكروبات التغذية عليها. وجدت الدراسات الحديثة على غابات «الأوكاليبتوس» في أستراليا أن عملية تحلل الأوراق قد تباطأ إلى أكثر من الثلث عندما استبعد الباحثون في دراساتهم هذه اللافقاريات.

كمية النباتات ليست هي المهمة فقط

بغض النظر عن تناول النباتات التي يمكن أن تكون «وقوداً» للحرائق، يمكن للحيوانات أن تلعب دوراً مهماً في الحدّ من انتشار الحرائق. على سبيل المثال؛ يمكن أن تلعب حركة الحيوانات التي تسحق النباتات أو تدفنها في التربة ومنع الهواء عنها؛ في التقليل من قابليتها للاشتعال إلى حدٍ كبير. فمثلاً، تشقّ الفيلة طريقها من خلال النباتات الكثيفة، مما يخلق فراغاتٍ بينها نتيجة مرورها عليها. يمكن لهذه الفراغات الحدّ من انتشار الحرائق إلى حدٍ بعيد.

تقوم الحيوانات الصغيرة بدورها أيضاً. يستخدم طائر الكافور القزمي الذي يتخذ من أستراليا موطناً له قدميه لضغط كومةٍ كبيرة من الأوراق فوق بعضها، ثم يضع بيضها في وسطها (يولّد بذلك الحرارة عن طريق تحلّل الأوراق، ويُبقي البيض دافئاً). يُسهم هذا الأمر بإزالة بعض من طبقة بقايا الأوراق حول الأشجار في الغابة. وبالرغم من أنّ ما تقوم به هذا الطيور لا يعني بالضرورة خفض الكمية الإجمالية للنباتات (وقود الحرائق)، لكنها تخفف إلى حدٍ ما من قابلية الأرض للاشتعال، حيث تجعلها تبدو ممزقة وغير متّصلة. ترى فوستر أن هذا النوع من النشاط الذي يؤدي إلى تركيز النباتات؛ يمكن أن يؤثّر على سرعة انتشار الحرائق. فبدون طبقة متصلة من بقايا الأوراق الميتة، قد يتباطأ الحريق عندما يصل إلى أجزاء «غير متصلة» من النباتات (الطبقة القابلة للاشتعال).

معرفة المزيد عن علاقة الحيوانات بالحرائق

تُشير فوستر إلى أننا بحاجةٍ إلى إيلاء المزيد من الاهتمام للحيوانات الصغيرة التي تساعد في إعطاء بيئتها شكلها، وأثر ذلك في الحرائق. تقول: «الحشرات موجودة في كل مكان، لكننا لا نعرف سوى القليل عن دورها. أعتقد أنّ علينا البحث بعمقٍ أكبر في دورها».

يمكن أن يساعدنا المزيد من البحث في بعض هذه التفاعلات على المستوى الأدق؛ على فهم حرائق الغابات بشكل أفضل. على سبيل المثال، اكتشاف أين تقوم الحيوانات بتشكيل بقعٍ ميتة في وقود الحرائق في بيئتها، يمكن أن يساعدنا على نمذجة سلوك الحرائق. تقول فوستر: «لا تسمح نماذج الحرائق التي لدينا بمحاكاة كيفية تأثير هذه البقع على الحرائق، أعتقد أنه من المفيد العمل مع مختصي مكافحة الحرائق لإنشاء بعض النماذج، أو تكييف بعض النماذج الحالية حتّى نتمكن من النظر إلى تأثير هذه العوامل بمقياس أدق».

ما يزال هناك الكثير مما تجب معرفته عن تأثير نشاط الحيوانات على حرائق الغابات. تقول فوستر: «ما توصلت إليه هو احتمال أن تكون بعض التفاعلات مفيدة بيئياً، أو على الأقل يمكن الاستفادة منها في إدارة الحرائق، لكننا لا نعرف عنها شيئاً بعد، قد يكون من المفيد حقاً اكتشاف بعض منها».