Reading Time: 5 minutes

لطالما أكسبت التوابل حياتنا طعماً ورائحة، منذ زمن المصريين القدماء الذين استخدموا القرفة في تحنيط الجثث، وحضارات بلاد ما بين النهرين التي زرع سكانها الحبهان (الهيل) والثوم في حدائقهم، إلى عصور الاستعمار التي نهب فيها الهولنديون ثروات جنوب شرق آسيا الضخمة من القرنفل وجوز الطيب، وعصورنا الحديثة التي احتلَّت فيها فنون الطهي مكانة مرموقة حقاً.

ولكل شيء أصل، وهذا ينطبق بالطبع على التوابل التي نعرفها في صورها النهائية كمساحيق أو بذور أو جذور أو ثمار، أما أشكال النباتات التي تُهدينا هذه التوابل فلا نكاد نعرفها. لذا إليكم الصورة التي تبدو عليها أشهر التوابل في الطبيعة قبل أن تصل إلى متناول أيديكم.

الزعفران

نباتٌ محيِّر؛ زهرة بنفسجية لها ميسم أحمر يصبغ الطعام باللون الأصفر! وواحدٌ من أغلى التوابل في العالم. يُعتقد أن زراعته بدأت في اليونان، لكنه الآن يُزرع في بلاد الشرق الأوسط وفي الهند. تأتي توابل الزعفران من مياسم زهرته البنفسجية التي لا تحمل إلا ثلاثة منها فقط، ولا تُزهِر إلا لأسبوعٍ واحد في السنة كلها! وجَمْعُ المياسم لا بد أن يتم بشكل يدوي. من كل ما سبق، لن نستغرب كثيراً حين نعرف أن سعر الكيلوجرام الواحد من الزعفران الجيد قد يتجاوز أربع آلاف دولار! 

حقوق الصورة: يوهان بويسيه

الفلفل الأسود

لم يكن أسودَ دائماً! فهو في البداية أخضر ثم يتحول إلى الأحمر قبل قطافه. وتعتبر ثمار الفلفل الأسود – وموطنها الأصلي الهند – من أقدم التوابل التي عرفها البشر. تُقطف الثمار الصغيرة عندما يكتمل نضوجها الذي تدل عليه اشتداد حُمرتها، ثم تُغلى فتتحول إلى لونها الأسود المعروف. وأخيراً تُجفَّف ثم تُباع صحيحة أو مطحونة.

الفلفل الأسود ليس بأسود فوق الشجرة
حقوق الصورة: ويكيميديا

الحبَّهان (الهيل)

موطنه الأصلي الهند أيضاً. يُعتبر الحبهان من أقارب الزنجبيل، نباته طويل له زهور بيضاء وبنفسجية، تحتوي ثماره على بذور صغيرة صلبة تميل إلى السواد، وهي التي تجفَّف وتُعالَج للحصول على توابل الحبهان. له شعبية تاريخية ساحقة في مطابخ بلاد جنوب آسيا، لكنه نجح تماماً في غزو مطابخ البلاد الإسكندنافية، وخصوصاً النرويج التي تستهلك منه ما يقرب من 30 ضعف متوسط استهلاك الدول الأخرى! ويعتقد الخبراء في تاريخ الطعام أن الفضل في ذلك الانتشار يعود إلى عرب الأندلس.

الحبهان.. ابن عم الزنجبيل!
حقوق الصورة: ويكيميديا

الكُركُم

قد لا يكون الكركم في غلاء الزعفران، لكنه يبدو كترابِ ذهبٍ خالص. هو أيضاً من عائلة الزنجبيل والشبه بينهما لا تخطئه عين. ينمو الكركم في الغابات الموسمية بجنوبي الهند وإندونيسيا، ويستخدمه الناس هناك في كل شيء تقريباً، من التداوي به إلى استخدام لونه الذهبي الأخاذ في الصباغة. يُستخرَج مسحوق الكركم من الجزء المنتفخ من النبات الذي يقوم بدور الساق والجذر معاً (والمعروف بالجُذمُور) بعد غليه وتجفيفه. وللكركم استخدامات طبية لا حصر لها، وخواص مضادة للالتهاب وأخرى مضادة للتأكسد. علاج “ذهبي” حقاً، لكن هذا لا يعني أبداً أنه لن يصبغ يدك بصفرته الطاغية.

الكركم.. توأم الزنجبيل
حقوق الصورة: Pexels

القرفة

تأتي القرفة – رفيقة التفاح – من شجرة دائمة الخضرة (من أنواع الغار) تستوطن ميانمار وسريلانكا والهند، وتنمو حتى تُداني في طولها 14 متراً. في أيامها الذهبية كانت القرفة تساوي أكثر من وزنها ذهباً، وكانت أكثر التوابل إدراراً لأرباح شركة الهند الشرقية الهولندية. وبينما تمتلئ أشجار القرفة العملاقة هذه بالأوراق والأزهار والثمار، إلا أن القرفة التي نعرفها لا تأتي سوى من لحاء الشجرة الزاخر بالمواد العطرية. يستخدم جامعو القرفة أدوات تشبه المناجل لتقشير اللحاء، ثم يقومون بلفه وتجفيفه للحصول على عيدان القرفة.

إن لم تدركها من لونها، ستكشفها الرائحة
حقوق الصورة: داريل ميتشل

 

 

الكمُّون

من التوابل التي لا تكاد تستغنِ عنها الأطباق العربية والآسيوية والمكسيكية، ويحتل المرتبة الثانية بين التوابل في شيوع الاستخدام العالمي بعد الفلفل الأسود مباشرة. نبات الكمون هو عشبة من أقارب البقدونس تستوطن شرق المتوسط، لها سيقان دقيقة تحمل تجمُّعات زهرية صغيرة، وتنتج ثماراً شبيهة جداً بثمار الكراوية. بالإضافة إلى نكهته الغنية القوية، يمتلك الكمون خواصاً مضادة للانتفاخ، ولهذا يساعد تناوله على التخلص من آلام البطن.

ومعظمُ الطَّعمِ من مُستَصغَر العُشبِ
حقوق الصورة: ويكيميديا

الينسون النجمي

ثمرة بشكلٍ فريد، من عائلة الماجنوليا، تأتي من جنوبي الصين وفييتنام. اسمها ينسون، لكن مذاقها القوي أقرب في الواقع إلى مذاق عرق السوس. مكوِّن رئيسي في الأطباق الصينية مثل بيض الشاي، والفييتنامية مثل حساء الفُو. تُحصَد الثمار قبل تمام النضوج مباشرة وتجفَّف في الشمس. وقد ساعدتها نكهتها القريبة نوعاً من الينسون على الظهور في المطابخ الأوروبية، ولعل ملامحها السماوية قد أسهمَت كثيراً في ذلك أيضاً.

نجم ساطع في سماء التوابل!
حقوق الصورة: هاري ب. ليو

الفلفل الإفرنجي

أو الفلفل الحلو، أو فلفل البساتين. اسمه الإنجليزي Allspice لكنه في الحقيقة ليس إلا تابِل واحد فقط، لا خلطة بهارات كما قد يوحي الاسم الذي يعني “كل التوابل”، الذي يبدو أنه أتى من مشابَهة مذاق الفلفل الإفرنجي لمزيج من القرفة والقرنفل وجوزة الطيب. يستوطن جزر الكاريبي وأميركا الوسطى ويعتمد عليه الكاريبيون بشكل أساسي في مطبخهم. يأتي من شجرة استوائية كبيرة قد يتجاوز ارتفاعها عشرة أمتار، وبالتحديد من ثمارها الصغيرة الشبيهة بالتوت. تُجمع الثمار قبيل النضوج بقليل وتجفَّف، فتتحول من لونها الأخضر إلى البني المحمر.

كل التوابل.. أم التوابل!
حقوق الصورة: فورست وكيم ستار

 

القرنفل

فصوص القرنفل التي نعرفها هي في الواقع زهور أشجاره دائمة الخضرة التي تستوطن إندونيسيا. للقرنفل تاريخ حافل ومُرّ، ففي القرن السابع عشر اجتثَّ المستعمرون الهولنديون أشجاره عمداً من كل جزر إندونيسيا عدا جزيرتين، فقط للتلاعب بأسعار القرنفل وإبقائها في السماء! لكن بعد مرور قرن تقريباً على تلك المجزرة، استطاع التجار الفرنسيون تهريب القرنفل عبر المحيط الهندي إلى أرجاء العالم “المتحضر”! واليوم تحتفظ جزيرة زنجبار (بالقرب من ساحل تنزانيا) بالمركز الأول عالمياً في إنتاج القرنفل.

فشلَت أطماع المستعمرين الهولنديين في الاستئثار بالقرنفل
حقوق الصورة: حافظ إسادين

 

 

جوزة الطِّيب

بالطبع لم يتجاهل المستعمرون الهولنديون بإندونيسيا في القرن السابع عشر محاولة احتكار إنتاج هذه الشجرة العملاقة المهيبة التي تصل إلى عشرين متراً. باء سعيهم مرة أخرى بالفشل لحسن الحظ، والأشجار صارت تزرع اليوم في جزر الكاريبي أيضاً. تطرح الشجرة ثماراً تشبه المشمش، تنشق عند تمام النضوج، وتظهر البذور تحتها تكللها أغلفة حمراء، تُنزَع الأغلفة وتجفَّف للحصول على مسحوق قشور جوزة الطيب الذي يُستخدم أيضاً كتوابل. أما البذور البنية فتجفَّف في الشمس لفترة من 6 إلى 8 أسابيع حتى يجف النَّوَى بداخلها إلى أن تُسمع له خشخشة إذا رُجَّت البذرة. عندها تكون جوزة الطِّيب جاهزةً تماماً لتطييب مذاق الطعام.

جوزة الطيب تبتسم
حقوق الصورة: لي كورسي