Image

ظلام لا نهائي؟ درجات حرارة دون الصفر؟ تستطيع الحيوانات التعامل مع كل هذا.

Bread assortment في المناطق التي تقع في أقصى الشمال أو الجنوب والتي تواجه ظاهرة الليل القطبي، تغيب الشمس لمدة طويلة خلال فصل الشتاء. وفي القطب الشمالي، يستمر الظلام مدة ستة أشهر كاملة. حقوق الصورة: فليكر

الشتاء في شمال وجنوب العالم ليس هو الوقت المثالي لأي مخلوق. حيث يمكن أن تختفي الشمس لأشهر خلال فترة الليل القطبي في القطب الشمالي والقطب الجنوبي، ويمكن أن تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون-40 درجة مئوية، وحيث يصعب الوصول إلى الغذاء، والرياح شديدة ومتواصلة.

ومع ذلك تصر بعض الحيوانات على البقاء، حتى مع هجرة الحيوانات الأخرى للهروب من البرد والظلام الشديدين. وبقدر ما يبدو هذا المشهد كئيباً، فإن الحياة لا تتوقف لمجرد حلول الليل القطبي. فعلى الأرض والبحر وما بين الجليد، تواصل الحيوانات تناول الطعام، والنوم، والتزاوج.

يقول جرانت جيلكريست، عالم الأبحاث في المركز الوطني لأبحاث الحياة البرية في أوتاوا، والذي تديره الوكالة الاتحادية للبيئة والتغير المناخي في كندا: “هناك في القطب الشمالي خلال فصل الشتاء أكثر مما قد يعتقده الناس. فالأمور تحت الجليد غالباً ما تكون أكثر نشاطاً مما يمكن أن نتصوره”.

وفي السنوات الأخيرة، اكتسب العلماء تقديراً جديداً للحيوانات قوية الاحتمال التي تصمد في الظلام. ولكن كيف تستطيع المخلوقات البقاء هنا؟

اليابسة

تقضي بعض الحيوانات الجريئة فترة الشتاء في مناطق التندرا. ويشم ثور المسك رائحة النباتات تحت الثلج ويتباهى بمعطفه السميك الذي يعتبر أدفأ بثمانية أضعاف من صوف الأغنام. وتعتمد الرنة أيضاً على اثنين من المعاطف لتبقى دافئة. وفي حين أن أنوفها ربما لا تحس بالدفء تماماً، فهي مليئة بالأوعية الدموية لتدفئة الهواء القادم إليها. كما أن لديها خدعة للتعامل مع الظلام. يقول كوري ويليامز، عالم الفيزيولوجيا في جامعة ألاسكا فيربانكس: “في ظل ظروف الإضاءة الخافتة، تمتلك الرنة هذا التكيف الغريب في عيونها التي تسمح لها باستخدام ضوء الأشعة فوق البنفسجية أكثر من العين العادية”. وتساعدها قدرتها على الرؤية في الطيف فوق البنفسجي على تمييز النباتات في الثلج.

تعتمد الدببة القطبية على إحساسها بالرائحة للعثور على الطعام في فصل الشتاء، مع ما يتبقى من الضوء الخافت بعد غروب الشمس. يقول ويليامز: “على الرغم من أننا نفكر في الأمر كظلام دائم، فإنه ليس ظلاماً دائماً تماماً. ويمكن للذئاب القطبية أن تتحمل أربعة أشهر من الظلام الشتوي عن طريق الصيد تحت ضوء القمر والنجوم وباستخدام أنوفها الحساسة للعثور على الفريسة على بعد أكثر من ميل.

تتجه المخلوقات الأخرى إلى تحت الأرض مع اقتراب فصل الشتاء. يقول ويليامز: “هناك نظام بيئي كامل تحت الثلج بينما لا نرى أي شيء على السطح”. يتراجع حيوان القاقم واللاموس وفأر الحقل الى الفراغ الكائن تحت الثلج المرصوص. وتحفر القوارض أنفاقاً في الثلج لتصل إلى  البذور والنباتات التي بقيت من العام السابق. بينما تدخل حيوانات أخرى، مثل سنجاب الأرض القطبي الذي يدرسه ويليامز، في فترة السبات الشتوي. وبحلول ديسمبر، تتجمد التربة المحيطة بجحورها الصغيرة، وتنخفض درجة الحرارة إلى -25 درجة مئوية (يمكن أن تصل درجات الحرارة على السطح -60 درجة مئوية قبل بدء تأثير تبريد الرياح، وهو مدى تأثير سرعة الرياح على خفض درجة حرارة الجسم).

أثناء السبات الشتوي، يمكن أن تنخفض درجة حرارة جسم سنجاب الأرض القطبي إلى -3 درجة مئوية. وتستخدم السناجب خدعة تسمى فرط التبريد لمنع دمها من التجمد.
حقوق الصورة: كوري ويليامز

ليس هناك الكثير من الطعام في فصل الشتاء. يقول وليامز: “إنه بالتأكيد وقت صعب. ويتعامل الحيوان في فترة السبات الشتوي مع ذلك من خلال استهلاك الدهون الهائلة المختزنة خلال فصل الصيف”. وتتخذ المخلوقات الأخرى تدابير أكثر قسوة. بعض القوارض ستنكمش خلال فصل الشتاء بحيث تستهلك طاقة أقل. وتقلص فئران الحقل من حجم بعض أعضائها الداخلية وكتلتها العضلية، في حين أن الزبابات ستقلص هياكلها العظمية، كما يقول ويليامز.

وبقدر ما يكون البرد قاسياً، فهو ليس العنصر الرئيسي الذي يحدد للحيوانات كيف تقضي حياتها خلال الليل القطبي. يقول يورجن بيرج، عالم الأحياء البحرية في جامعة القطب الشمالي في النرويج في ترومسو: “الضوء أكثر أهمية بكثير من درجة الحرارة، وخاصة في المناطق القطبية”. وضوء الشمس يعني الدفء والتمثيل الضوئي، ولكنه يضبط أيضاً الساعة البيولوجية للجسم.

في الجزء الأدنى من القطب الشمالي، يبقى الضوء يتغير بلطف بين الليل والنهار. يقول ويليامز: “الشمس لا تأتي، ولكن قدومها يكون قريباً”. ولكن كلما اتجهت أبعد نحو الشمال، زادت صعوبة الحفاظ على آلية النظم اليومي. ويتحكم النظم اليومي بأنماط النوم، والهضم، ودرجة حرارة الجسم، وغيرها من الوظائف. وفي فصل الشتاء في القطب الشمالي، تتوقف العديد من الحيوانات عن الالتزام بالجدول الزمني اليومي على مدار 24 ساعة. ويحافظ سنجاب الأرض القطبي على نظمه اليومي من خلال ضوء النهار المستمر لصيف القطب الشمالي، ولكن ليس أثناء السبات الشتوي. وتعتمد الرنة والقوارض كحيوان اللاموس في أرخبيل سفالبارد النرويجي على دورات قصيرة من التغذية، والهضم، والنوم. يقول وليامز: “بدلاً من أن تكون هذه الفترة الموحدة للنوم كل يوم، فإنها تكون موزعة على مدار اليوم”. وهناك حيوانات أخرى مثل ترمجان الصخر الشبيه بالدجاج ليس لديها نظم واضح لنومها وأنماط نشاطها في فصل الشتاء.

وعند البشر، فإن تعطيل الساعة البيولوجية يعبث بعملية الأيض، ومع مرور الوقت يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب. ولكن العلماء يفترضون أن حال الحيوانات القطبية الشمالية ليس هو الأسوأ فيما يتعلق بهذا الاضطراب. يقول ويليامز: “إنها تتكيف جيداً مع هذا الوضع، لذلك ليس لديها نفس المشاكل”. ومع ذلك فلا يُعرف بالضبط كيف تتجنب المخلوقات القطبية المشاكل الصحية عندما تفقد نظمها اليومي.

البحر

كان يعتقد أن المحيط تحت الليل القطبي مكان قاحل هامد. وعلى كل حال، فبدون أشعة الشمس لا يمكن أن يكون هناك أي نمو جديد للعوالق النباتية. هذه الطحالب وغيرها من الكائنات التي تقوم بالتمثيل الضوئي تغذي الحيوانات البحرية مثل سمك كريل، والتي بدورها تصبح وجبة لمخلوقات أكبر وأشد افتراساً.

يقول بيرج: “اعتدنا جميعاً، بمن فيهم أنا، على الاعتقاد بأن الليل القطبي كان فترة لا توجد فيها أنشطة حيوية. وقد تغير هذا التصور الآن جذرياً” في عام 2007، اكتشف بيرج بطريق الصدفة كم تكون البحار مشغولة خلال الليل القطبي. في ذلك الشتاء، التقطت أجهزة الاستشعار الصوتية دليلاً على  وجود العوالق الحيوانية التي تنتقل صعوداً وهبوطاً عبر المياه القريبة من سفالبارد، وهو أرخبيل يقع بين النرويج والقطب الشمالي.

وتحدث هذه الحركة الجماعية في البحار حول العالم. وتنتقل المخلوقات الصغيرة إلى سطح المحيط ليلاً لتتغذى ثم تتراجع إلى المياه العميقة لتجنب الحيوانات المفترسة خلال النهار. وهذا ما يسمى الهجرة العمودية النهارية، وربما تكون أكبر هجرة يومية على الأرض. ولكن لا أحد يتصور أنها يمكن أن تستمر في الظلام.

لاحظ بيرج وزملاؤه منذ ذلك الحين أن هذه الهجرة تعتمد في الشتاء على إضاءة القمر. وقد كتبوا في مجلة (كارانت بيولوجي): “كما هو الحال مع سلوك الصيد عند الذئاب الضارية الأسطورية التي يقودها ضوء القمر، فإن بياناتنا تكشف عن واقع يقوده ضوء القمر” ومع ذلك، فمن غير الواضح تماماً على ماذا تتغذى الحيوانات الصغيرة، وسبب عودتها باستمرار إلى السطح.

ثيميستو ليبيلولا، نوع من القشريات تواصل صيد العوالق البحرية أثناء فترة الليل القطبي.
حقوق الصورة: دانييل فوجيديس (جامعة القطب الشمالي النرويجية)

سنة بعد سنة، كان بيرج وفريقه يعودون إلى المحيط خلال فترة الليل القطبي ويراقبون الحيوانات البحرية أثناء نشاطها. في أعماق تتراوح بين 18 إلى 36 متراً تحت سطح الماء، كان التوهج القادم من العوالق الحيوانية التي تتمتع بميزة التوهج الحيوي قوياً بما فيه الكفاية ليفوق تألق ضوء القمر وأي توهج خافت من الشمس. ويستخدم سمك الكريل عيونه الحساسة لتحقيق أقصى استفادة من الظلام الشتوي. ويستمر محار الإسقلوب في النمو بثبات عن طريق التغذية على البقايا العائمة عندما تكون العوالق النباتية الطازجة غير متوفرة.

وهناك حيوانات أكبر أيضاً، بما في ذلك جحافل من قناديل البحر والجمبري وسمك القد القطبي الشمالي والحبار. وقد رأى العلماء حتى الطيور البحرية تغوص للبحث عن الغذاء. و أكثر من ذلك، كان لديها بطون ممتلئة. يقول بيرج: “إنها تعتمد على العثور على طعامها يومياً. ولرؤية طائر أوك صغير أو طائر غلموت متخم بسمك الكريل أو مجدافيات الأرجل، فإن الطعام الذي يُعثر عليه ويؤكل في غضون ساعات، هو بنظري الدليل الأقوى على وجود نظام عمل كامل “.

وبطريقة ما، تدبر الطيور أمر الصيد على الرغم من الظلام. وهذا لا يعني أنها لن تستفيد من الضوء عندما تجده، على الرغم من أن طيور المور والغلموت يبدو أنها تتبع ضوء شعاع الغطس ومصابيح الميناء.

أما بالنسبة للحيوانات الأخرى، فإن الضوء الاصطناعي هو في الواقع مصدر إزعاج. حتى الضوء اللطيف من قوارب البحوث الصغيرة يكفي لجعل العوالق الحيوانية تهرب، وهذا ما ذكره بيرج وزملاؤه في مجلة ساينس أدفانسيز. يقول بيرج: “يعود ذلك لأنها تتكيف بشكل طبيعي مع بيئتها، فهي تتكيف لترى أصغر تغير في الضوء وتستجيب له. وهذا يعني أن لديها استعداداً مسبقاً لتتأثر بالضوء الاصطناعي المفاجئ”.

أرسل الباحثون زورقاً جليدياً روبوتياً لتسجيل حركات العوالق الحيوانية داخل وبعيداً عن توهج قاربهم. وتبين أن العوالق الحيوانية حاولت الهرب من الضوء غير الطبيعي وصولاً إلى أعماق حوالي 70 متراً. وهذا يدل على أن هناك حياة في المحيط المتجمد الشمالي خلال الليل القطبي أكثر مما تمكن العلماء من تتبعه حتى الآن.

الجليد

مع حلول فصل الشتاء، ينمو الجليد المرصوص الذي يغطي البحار القطبية، ويصبح من الصعب العثور على المياه المفتوحة. وتعتبرهذه أخباراً سيئة للطيور البحرية، والتي تحتاج إلى أن تكون قادرة على الغوص تحت سطح الماء للعثور على الطعام. يحافظ تيار الخليج على أجزاء من القطب الشمالي الأوروبي على طول الساحل النرويجي خالية من الجليد، لذلك يمكن لطيور العيدر والطيور البحرية الأخرى البقاء في فصل الشتاء، ولكن هذا مجرد استثناء من القاعدة. يقول جيلكريست: “معظم الطيور تهاجر لتخرج من هذا الجحيم”.

طائر غلموت أسود يقضي فترة الشتاء في كونجسفيوردن، وهو مضيق بحري في أرخبيل سفالبارد قام يورجن بيرج وزملاؤه بزيارته خلال فترة الليل القطبي.
حقوق الصورة: البروفيسور جير جونسون (الجامعة النرويجية للعلوم والتقنية)

ومع ذلك، فإن عدداً قليلاً منها، لا يبتعد كثيراً. تقضي بطة عيدر خليج هدسون فصل الشتاء في جزر بيلشر الكندية. يقول جيلكريست: “تقع هذه الجزر جنوب الدائرة القطبية الشمالية، ولكن المناخ والظروف هي بالتأكيد قطبية شمالية”. ويكون النهار بضع ساعات فقط، ودرجات الحرارة يمكن أن تنخفض إلى -35 درجة مئوية مع سرعة رياح تصل إلى 120كيلومتراً في الساعة أثناء العواصف.

يقول جيلكريست: “لكن هناك طيور بحرية تعيش هناك في الظلام”. وذلك لأن شكل الجزر وتيارات المد القوية تسمح بتشكل مناطق من المياه المفتوحة محاطة بالجليد. هذه التشكيلات، التي تسمى بولينيا، تصبح مقراً لطيور العيدر. واليوم، تصطاد هذه الطيور بلح البحر وقنافذ البحر تحت الماء. وعندما يحل الغسق، فإنها تعود إلى حافة الجليد وتجتمع معاً للحفاظ على الطاقة. يقول جيلكريست: “ثم يأتي الليل وتصل الثعالب القطبية والدببة القطبية وتأكل الطيور الضعيفة، والطيور التي تقف حول حواف المجموعة”.

وهناك طيور العيدر الميتة التي تغطي الجليد، ولكن الحيوانات المفترسة تتجاهلها. يقول جيلكريست: “عندما تتجمد يكون من الصعب جداً على الثعلب القطبي أن يهضمها. ويفضل هذا الثعلب أن  يقتل الطيور الحية والدافئة ويأكلها بسرعة”.

وقد لاحظ هو وزملاؤه أيضاً أن البوم الثلجي سوف يتبع البط إلى البحر ويجثم على الجليد في فصل الشتاء. وسوف يقضي معظم البوم الثلجي في المناطق القطبية الكندية فصل الشتاء في مروج أونتاريو. يقول جيلكريست: “ولكن بعض هذا البوم الثلجي هو في الواقع طيور بحرية تعيش في فصل الشتاء، وتتغذى على الطيور البحرية والبط البحري على الجليد المرصوص، وأنا أفترض أنها تستخدم الظلام كميزة”.

تتشكل البولينيا أحياناً بعيداً باتجاه الشمال لإعطاء الحيوانات مكاناً للبقاء عندما يحل الليل القطبي. وتعتبر بولينيا المياه الشمالية التي تقع بين جزيرة إليسمير وشمال غرب جرينلاند واحدة من هذه الملاجئ. يقول جيلكريست: “هناك ثدييات بحرية تقضي فصل الشتاء في ظلام دامس لمدة ثلاثة أشهر. ويعود ذلك إلى مناطق المياه المفتوحة التي يمكن التنبؤ بها والتي تمنحها إمكانية الوصول إلى الهواء”. وهذا الأمر ينسحب على حيوانات الفظ، والحوت الأبيض، وحريش البحر، والفقمة.

وهناك طائر يبدو أنه يقيم في الليل القطبي، وهو النورس العاجي، الذي يقضي الشتاء في المياه بين كندا وجرينلاند. يقول جيلكريست: “إنه يقضي الكثير من الوقت في الظلام، ومن الصعب جداً معرفة كيفية حصوله على ما يقيته. ومن المعروف أن النوارس تتغذى على كل من الأسماك و مخلفات الولادة (المشيمة والحبل السري) الناتجة عن الفقمات التي تلد على الجليد. وبحسب جيلكريست ، فإن هذا النظام الغذائي المرن يساعد النورس العاجي على الاستفادة من أي فرصة للتغذية، حتى في الظلام.

في القارة القطبية الجنوبية، يجب على البطريق الإمبراطور أيضاً تحمل الليل القطبي. وتشتهر هذه الطيور بمواجهة الشتاء الطويل القارس حيث تصوم الذكور أكثر من 100 يوم وهي تحتضن بيضها. وتتحمل معظم البطاريق هذا الشتاء بالانسحاب إلى الداخل، ولكن العلماء أشاروا في وقت سابق من يناير 2018 أن بعض البطاريق تبقى بالقرب من حافة الجليد البحري. وهذا يعني أن لديها الوقت للغوص لتناول وجبة الطعام قبل وضع البيض، ولا تضطر إلى الصيام لنفس المدة الطويلة التي يصومها أقرانها. يقول جيرالد كويمان، المؤلف المشارك في الدراسة، وعالم الأحياء في معهد سكريبس بعلوم المحيطات في سان دييجو: “إنها عادة حيوانات مفترسة بصرية، ولكن طيور البطريق يمكن أن تتغذى ليلاً. وهذا على ما أعتقد مثال على ذلك”.

الأراضي الغامضة

ويقوم بيرج حالياً برحلته البحثية السابعة في الليل القطبي، حيث يأمل في معرفة كمية التلوث الضوئي المطلوبة لإزعاج العوالق الحيوانية المقيمة. وقبل عدة أسابيع، قام هو وزملاؤه بقيادة زورق صغير بعيداً عن السفينة الأكبر التي تعتبر منزلهم الثاني في فصل الشتاء. وبمجرد أن هربت العوالق من الأضواء الاصطناعية، كان التوهج الحيوي حابساً للأنفاس. يقول بيرج: “أنت قادر على رؤية معجزة الضوء الحيوي تحتك، حيث تلمع الأضواء الزرقاء المخضرة في كل مكان”.

استخدم يورجن بيرج وزملاؤه سفينة روبوتية لمعرفة كيفية تأثير التلوث الضوئي على المخلوقات البحرية خلال الليل القطبي.
حقوق الصورة: أوم راب

اتضح أن كاسحة الجليد هي المكان الأكثر راحة والأكثر أماناً لدراسة الليل القطبي. ويعرف الباحثون عن ما يجري في البحر في فصل الشتاء أكثر مما يعرفونه عن الأرض أو الجليد المرصوص. يقول جيلكريست: “العلماء مضطرون للخروج فعلياً إلى أماكن الحياة البرية في الليل خلال فصل الشتاء في القطب الشمالي. وفي كثير من الأحيان، فإن أفضل ما يمكن القيام به هو ربط أجهزة إرسال الأقمار الصناعية بالحيوانات خلال الأشهر الدافئة واستخدامها لتتبع تحركاتهم في فصل الشتاء.

وبالنسبة لجيلكريست، فإن السفن ليست خياراً. وهو يقول: “إن العديد من المناطق الساحلية في القطب الشمالي والتي تعتبر مهمة بالنسبة للطيور البحرية مجهولة، وموانئ خطرة، وشعاب مرجانية تحت الماء ومناطق ضحلة. وأنا أحاول أن أذهب إلى مكان العمل، حيث تتجمع الثعالب والدببة وبط العيدر والطيور البحرية، والبوم الثلجي، والكثير من ذلك يحدث على الجليد المرصوص الذي لا يمكننا الوصول إليه”.

لذلك فهو يخيم مع مرشدين ذوي خبرة من قبيلة إنويت، ويقوم بتركيب ستائر المراقبة الخشبية ذات المواقد التي ترفع درجة الحرارة إلى -4 درجة مئوية. يقول جيلكريست: “إن الأمر يشبه الجلوس داخل ثلاجة. إذا قمت بخطأ ما أو تبللت فقد تموت. إنه عمل خطير حقاً”.

وبقدر قساوة النظام البيئي الليلي القطبي والمناطق المحيطة به، فإنه هش أيضاً. يصاب القطب الشمالي بالاحترار بسرعة أكبر من أي مكان آخر على الأرض. وهذا يعني أنه سيكون هناك جليد أقل على البحار القطبية، مما يسمح للضوء بالوصول إلى المياه العميقة في فصل الشتاء. وعلاوة على ذلك، سوف تبتعد طرق الشحن نحو الشمال أكثر، وبذلك يتدفق الضوء الاصطناعي. ويشير عمل بيرج إلى أن هذا الأمر قد يخلق مشكلة للمخلوقات البحرية التي تعمل في الظلام العميق.

حيوانات ثور المسك في جزيرة رانجل الموجودة في المحيط القطبي بين بحر تشوكشي وبحر سيبيريا الشرقي
حقوق الصورة: جويل بيرجر (جامعة ولاية كولورادو)

كما يشعر العلماء بالقلق من أن هطول الأمطار في فصل الشتاء سيصبح أكثر شيوعاً في القطب الشمالي. وعندما يضرب المطر الأرض ويجمد، فإنه يحتجز الغطاء النباتي الذي تحتاج إليه القوارض، والرنة، وثور المسك لبقائها. يقول وليامز: “بدلاً من حفر الثلج، فإن هذه الحيوانات تواجه الجليد”. وفي السنوات المقبلة، ربما لن يكون بمقدور ثور المسك العيش في سيبيريا أو ألاسكا، وربما لا يمكن العثور عليه إلا في أقصى شمال جرينلاند.

هناك الكثير مما لا زلنا لا نفهمه حول كيفية تمكن الحيوانات من البقاء على قيد الحياة في الظلام القطبي، وعن مدى تأثها بالتغير المناخي. ولكن الظلام والظروف القاسية لن توقف العلماء عن العودة إلى هذه البيئة الوعرة، أو البقاء أقرب ما يكون منها، لاستكشافها.

error: Content is protected !!