Reading Time: 7 minutes

شهد سكان مدينة «سيفيرودفينسك» في روسيا انفجاراً هائلاً بالقرب منهم في 8 أغسطس/ آب، وما زال الخبراء من جميع أنحاء العالم يحاولون حل لغز ما حدث هناك، وتطالب وسائل الإعلام الروسية بإجاباتٍ واضحة من الكرملين عن الحادث. يبدو أن الانفجار حدث في مكانٍ قريب من نطاق اختبار الصواريخ الذي تُجريه البحرية الروسية هناك عادةً، وبقي الأمر طي الكتمان.

تذهب الافتراضات الحالية إلى الانفجار نتج عن انفجار مُحرك صاروخ يعمل بالطاقة النووية، وراح ضحيته 5 علماء، وغطى المنطقة القريبة منه بقدرٍ غير معلوم من الإشعاعات النووية.

ورغم أن الحادث لا يبدو أنه ناجمٌ عن انفجار رأس نووي حربي، فإن الغواصات المجهزة بالصواريخ النووية تعد جزءاً رئيسياً من إستراتيجة الدفاع النووية الروسية، وكذلك الحال للولايات المتحدة. وقد تزايدت المخاوف على مستوى العالم من عودة التجارب النووية في أعقاب انهيار معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، في وقتٍ سابق من هذا العام، التي تنصُّ على الحد من تجارب الصواريخ النووية متوسطة المدى، وبالتالي تزداد المخاوف من ارتفاع احتمال الحوادث النووية والتعرُّض لإشعاعاتها.

وقد تدرك إذا شاهدت مسلسل تشيرنوبيل -الذي عُرض على الشبكة التلفزيونية «إتش بي أو»- أن احتمال حدوث تسرب للإشعاعات النووية، قد يحدث في أوقات السلم أيضاً. وقد تنجم الكارثة التالية عن خطأ هندسي أو بشري؛ كما حدث في مفاعل تشيرنوبيل عام 1986، أو قد تتسبب كارثة طبيعية في حادثٍ نووي؛ كالذي حدث في محطة فوكوشيما النووية اليابانية، عندما ضرب زلزال المنطقة عام 2011، وتسبب بانهياره وانتشار الإشعاعات النووية.

ما احتمال تعرضك للإشعاع النووي؟

قد يكون احتمال تأثرك بحادثٍ نووي منخفضاً جداً، وأقل من أن يثير مخاوفك. وقد يكون السيناريو الأكثر احتمالاً لتعرضك للخطر -عموماً- هو التعرض للإشعاعات النووية من مصدرٍ قريب. لذلك احترس إن كنت تقيم بالقرب من أحدها، فإن كنت تعيش في ولاية بنسلفانيا -على سبيل المثال-، فلا بد أنك تدرك بالفعل أن منزلك واحد من 40% من منازل مقاطعة «كيستون» المُعرضة لغاز الرادون، والمنبعث من المحطة النووية القريبة. ينبغي أيضاً أن تدرك أن هناك خطورةً بالقدر نفسه إن كنت ممن يقيمون بالقرب من مناجم يورانيوم قديمة، أو منشآتٍ للاختبارات النووية، أو مخازن الأسلحة النووية، أو أيّ من المواقع المئة النووية السابقة المدرجة على موقع وزارة الطاقة الأميركية.

ينطبق الشيء نفسه على محطات توليد الطاقة النووية التجارية، فإذا كنت تعيش في نطاق 16 كم من هذه المحطات، فأنت ضمن مناطق الخطر والطوارئ التي حددتها لجنة المراقبة النووية.

يقول «إدوين ليمان»، وهو عالم فيزياء، وخبير أمن وسلامة المنشآت النووية في منظمة «Union of Concerned Scientists» غير الربحية: «ستكون آثار الحوادث النووية واسعة النطاق في حال حدوثها»، ويقول بعض الخبراء: «إن أي شخصٍ على بعد 80 كم من أي محطة أو منشأة أبحاثٍ نووية يجب أن يكون مستعداً لاتخاذ تدابير فورية حال حدوث أي طارئ». وهذا يعني أن 65% من الأميركيين، بمن فيهم كل سكان مدينة نيويورك تقريباً، مُعرَّضون للخطر.

ومن السهل أن تعرف بنفسك -في كلتا الحالين- أنك تعيش في نطاقٍ أقل من 80 كم عن أقرب مفاعلٍ نووي، وقد يكون من الصعب معرفة مدى قربك من منشأةٍ لتخصيب اليورانيوم للأغراض العسكرية، لكن هذه المنشآت -مثل مُختبر «إيداهو» النووي الوطني- غالباً ما تُقام في أماكن معزولة، ولا يُسمح للعامة بالاقتراب منها. ورغم أن ما يتم فيها يتعلّق بالأمن القومي، فإن وجودها ليس سراً من أسرار الدولة.

ولكن من السهل معرفة مدى تعرّض المكان الذي تقيم فيه لهجوم نووي محتمل؛ فالأماكن المأهولة أو القريبة من المنشآت العسكرية المهمة مرشحةٌ لذلك.

وعلى الرغم من فهمنا للمخاطر المُحتملة، فإن ذلك لا يعني أن نسارع جميعنا لبناء ملاجئ نووية، وشراء أجهزة مقاييس الإشعاع؛ مثل مقياس جايغر، والأمر الذي لا يزال الأكثر أهمية معرفة كيفية التصرف في حال حصول حادثٍ نووي، فقد يكون احتمال وقوع كارثةٍ نووية قليلاً جداً، لكن آثارها وتكلفتها كبيرةً جداً.

يقول «أليكس ويلرشتاين»، الأستاذ في معهد ستيفنز للتكنولوجيا، والخبير في تاريخ الأسلحة النووية: «إنها أحداث قد لا تقع أبداً، لكنها إن وقعت، فإن مدى الضرر -من الناحية البشرية والاقتصادية والاجتماعية- قد يكون استثنائياً وهائلاً».

تشيرنوبل, إشعاع نووي, نووي

فوكوشيما في اليابان، حيث كان يعيش 50 ألف نسمة، لكنها الآن مدينة أشباح

تتمثل القاعدة الأولى، في حال وقوع الكوارث الطبيعية، أن تبقى على اطلاعٍ بالتعليمات التي تُصدرها السلطات المحلية، وفي حال وجود تهديدٍ نووي، كما يقول الخبراء، قد لا يكون السلطات والمسؤولون المحليون أفضل مصدرٍ موثوق للمعلومات الدقيقة والإجراءات المناسبة الواجب اتخاذها. وما زال المواطنون الروس يتظاهرون ويطالبون بالكشف عن ملابسات الحادث، وما زال الغموض والتعتيم يكتنف كل برامج الأسلحة النووية الروسية، والأميركية أيضاً، ويصرّ الخبراء الذين تواصلنا معهم من أجل الحصول على بعض المعلومات لهذه المقالة على التقليل من خطورة هذه الحوادث، ويصرّ المسؤولون في نفس الوقت على تجنّب نشر الذعر بين الناس والحفاظ على سمعة الطاقة النووية النظيفة.

هذا يعني بالمجمل أن مسألة حماية نفسك منوطة بك. الاستعداد، والوعي الجيد عنصران أساسيان، وإن أدركت للتو أن هناك حادثاً وقع، فإن هناك تدابير عدة يمكنك القيام بها لتقليل خطر تَعرُّضك للإشعاع النووي، وفرص تعرُّضك للإصابة بالأمراض الناجمة عنه؛ كالسرطان.

ما تحتاج معرفته عن الإشعاع النووي

عليك في البداية معرفة الفرق بين المادة المشعّة والإشعاع النووي؛ فهناك العديد من العناصر المشعّة في الطبيعة؛ مثل الجرانيت الذي يحمل آثاراً دقيقة من اليورانيوم المشع، لكنك لن تكون مُعرضاً للخطر  إلا إذا تعرضت لمستوى ثابت من الإشعاع لفترةٍ طويلة من الزمن، أو إذا كانت المادة المشعة تصدر كمية كبيرة من الإشعاع.

الإشعاع النووي طاقة، وبشكلٍ أدق عبارة عن جسيماتٍ دقيقة، تصدُر عن المادة المشعة على شكل موجات، وتنتشر في البيئة المحيطة. تقاس جرعة الإشعاع الممتصة بوحدة «ميليريم – millirem»، وأي جرعةٍ تتجاوز 50 ألف ميليريم هي جرعة ضخمة جداً مقارنةً بما يتعرض له المواطن الأميركي العادي سنوياً، والبالغة نحو 620 ميليريم. هذه الجرعة قادرة على قتل الخلايا الحية في الجسم على الفور.

واختصاراً؛ إن الحوادث النووية قصيرة الأجل لكن آثارها تمتد لفترةٍ طويلة وخطيرة جداً، أما المواد المشعة الموجودة في الطبيعة فخطرها أقل عموماً.

تشيرنوبل, إشعاع نووي, نووي

مدينة تشيرنوبل

يمكنك تناول قرصٍ من يوديد البوتاسيوم بوصفه أحد الإجراءات المباشرة لحماية نفسك من خطر الإشعاع النووي. ستجد الإرشادات المتعلقة بذلك على موقع إدارة الأغذية والعقاقير «FDA»، وإن كنت تعيش بالقرب من أحد المفاعلات النووية، فإن السلطات غالباً ما تقوم بتوفير هذه المادة للعامة، لكن بعض الولايات الأخرى لا تقوم بذلك، ويمكنك شراؤها بنفسك. يساعد يوديد البوتاسيوم عند تناوله في غضون ساعات من وقوع الحادث النووي على حماية الغدة الدرقية من امتصاص الكثير من اليود المشع، لكن ذلك لا يساعد كثيراً في حماية سائر أعضائك الداخلية.

إن فهم آلية انتشار الإشعاع مفيد أيضاً؛ فهو غير مرئي، ولا يمكنك شمّه أو تذوفه، ويمكنك فهم آلية انتقاله، يقول «ويلرشتاين»: «إن التلوث الإشعاعي ينتقل عن طريق المياه -في الأمطار أو الأنهار- أو الهواء؛ لذلك تخيله مثل الثلج أو المطر، واحتمِ منه كما تحتمي من الثلج والمطر بالبقاء في مكانٍ آمن». يمكنك حماية نفسك من الإشعاع النووي بهذه الخطوات:

1. ابحث عن مكانٍ تلجأ إليه وابق هناك

إن كنت تعيش في منطقة سكنية كبيرة تعرَّضت لضربةٍ بسلاح نووي بقوة 10 كيلوطن، فيمكنك البقاء على قيد الحياة إن اتخذت الإجراءات المناسبة، مع ملاحظة أن هذه القنابل قليلة التأثير نسبياً، وأصغر من القنابل التي أُلقيت على هيروشيما وناجازاكي، وتعد قنابل صغيرةً جداً مقارنةً بالقنابل النووية المصممة لتدمير المدن السوفيتية، التي تعود لحقبة الحرب الباردة، وتبلغ طاقتها التدميرية 9 ميجاطن.

يقول «فيرينك دالنوكي فيريس»، الأستاذ في مركز جيمس مارتن لدراسات حظر الانتشار النووي في معهد ميدلبري للدراسات الدولية: «إذا حالفك الحظ ولم تمت بالفعل بسبب الانفجار القريب منك، فعليك التحرك فوراً وبسرعة. ادخل بأقصى سرعةٍ ممكنة إلى المنزل أو البناء القريب منك، وابقَ فيه لا تغادره حتى لو اضطُررت إلى البقاء فيه عدَّة أيام».

تشيرنوبل, إشعاع نووي, نووي

تُعد المباني الحكومية والمدارس أفضل الأماكن للاختباء فيها؛ فغالباً ما تكون مبنيةً من الإسمنت المسلح والصُلب، وهذا يجعلها مكاناً أفضل من منازلنا التي يدخل الخشب في كثيرٍ من أجزائها للوقاية من الإشعاعات النووية الخطرة المُؤينة، ويمكنك اللجوء أيضاً إلى العديد من الأبنية الخدمية المصنوعة من الطوب المُسلَّح في البلدات الصغيرة، والقاعدة تقول: «إنه كلما زاد العازل بينك وبين البيئة الخارجية كان ذلك أفضل»، فالأقبية أفضل من الطوابق العلوية، والغرف البعيدة عن النوافذ والأبواب أفضل عموماً.

الأمر الجيد أن عمر نصف أخطر الإشعاعات يبلغ عدة أيام وأسبوعاً في أقصى الحالات، وهذا يعني أن بقاءك في الداخل لثلاثة أيام قد يكون كافياً لتقليل خطر الإصابة بجرعاتٍ عالية أو مميتة من الإشعاع إلى حدٍّ كبير، لكن هذا يعني أيضاً تخزين ما يكفي من الطعام والماء في أوعيةٍ حافظة لمدةٍ تكفي لأسبوعٍ على الأقل تقريباً.

ويقول الخبراء: «إنه ينبغي أن تكون مستعداً للبقاء بمفردك لمدةٍ تصل إلى 72 ساعة بعد وقوع الكارثة إلى أن تقوم السلطات المحلية باتخاذ الإجراءات المناسبة».

2. اعتنِ بالنظافة

يمكنك الحد من تعرّضك للإشعاع عن طريق القيام بالأعمال المنزلية الأساسية إذا كنت بالخارج عند وقوع الحادث؛ مثل غسيل ملابسك والاستحمام؛ لأن جسيمات ألفا وبيتا تبقى عالقة في ملابسك وعلى جلدك، ويمكن غسلها، ولا بأس من إبقاء حذائك في الخارج عند الدخول إلى منزلك.

3. قم بتحسين ملجأك

من المؤكد أن المنزل ذا الأساسات الخشبية، الذي يشتمل على النوافذ المتشققة، وتملأ الشقوق جدرانه، ليس ملجأً مثالياً، ويمكنك التخفيف إلى حدّ ما من شدة الإشعاع النافذ إلى المنزل، من خلال الابتعاد عن النوافذ والأبواب، أو أي شيءٍ يسمح بمرور الهواء أو الإشعاع، أو إغلاقها على الفور. كما يمكنك استخدام بعض المُعدَّات البسيطة مثل: تغطية النافذة بالورق، أو وضع الألواح الخشبية على الباب. إن كل ما تقدَّم يمكن أن يُحدث فرقاً جيداً.

يقول ويلرستين: «أي فاصلٍ يمكنك إضافته بينك وبين الإشعاع سيكون مفيداً؛ لأنه يقلل من كمية الإشعاع الذي قد تتعرض إليه، وإن كانت مستويات الإشعاع عاليةً لدرجةٍ خطيرة. هذه الإجراءات تخفف شدة الإشعاع إلى العُشر؛ لأنك بها تقلل فرص إصابتك بمرض السرطان كثيراً».

4. كن مستعداً دائماً للمغادرة، إن كان ذلك مُناسباً حينها

بعد أن تصبح في الداخل، عليك أن تحدد المدة التي ستبقى فيها في المكان الذي لجأت إليه، وأن تعرف أهو آمن أم لا .

إذا تلقيت أمراً بالإخلاء من السلطات المحلية، فيجب أن تنتبه إليه، واعلم أن مثل هذه الأوامر قد تصدر أحياناً قبل الوقت المناسب، وليس في وقتٍ متأخر بعد فوات الأوان. ورغم أن الأحداث النووية نادرة ويمكن أن تكون كارثية ومربكة، فإن الاستجابة غير الصحيحة قد تسبب الذعر الجماعي الذي قد يكون أسوأ بكثير من الحادث النووي نفسه. يقول ويلرشتاين: «يصعب بالفعل على الحكومة في هذه الظروف أن تحدد ما ينبغي القيام به»؛ ولذلك عليك تحمّل المسؤولية واتخاذ القرار المناسب في أن تبقى أو تبحث عن مأوى آخر. وسواء أقررتَ انتظار أمر الإخلاء الرسمي أم عدم الامتثال له في حال صدوره، تذكّر أنه يجب أن تنتظر لمدة 72 ساعة على الأقل بعد وقوع الحادث قبل أن تغادر إلى مكانٍ آخر، وإن علمت من مصادر موثوقة أن سحابةً نووية في طريقها إلى المكان الذي تقبع فيه، فقد تختار بحكمتك أن تحزم أغراضك وتنتقل إلى مكانٍ آخر أكثر أماناً.

5. تسوّق واشترِ حاجيّات جديدة

عليك ألا تأكل من خضراوات حديقتك عند مرور السحابة النووية وزوال الخطر، وألا ترتدي الملابس التي تركتها في الخارج لتجف قبل الحادث، فقد تكون ملوّثة بالمواد المشعة، إن هذا كله قد يكون مصدراً لتعرض جسمك للإشعاع وزيادة جرعته.

إن كل ما ذُكر من الإجراءات السابقة يمكنه أن يحميك كثيراً في حالة الحوادث النووية العادية، لكن الأمر يختلف في حال حدوث حربٍ نووية؛ لأنك إن تمكنت من النجاة، فسيكون الدمار شاملاً، وسينهار المجتمع كلياً، وستحتاج إلى القيام بأمورٍ كثيرة بنفسك لتضمن بقاءك على قيد الحياة.