Reading Time: 4 minutes

أغلقت الصالات الرياضية والمتنزهات والحدائق العامّة أثناء الإغلاق العام في مختلف بلدان العالم، بهدف وقف انتشار فيروس كورونا وتجنّب الإصابات.

لكن الناس في نيوزيلندا معروفون بحبّهم الشديد للمشاركة في رياضات الهواء الطلق. وبالنسبة للكثيرين، تُعد الأنشطة الترفيهية في الهواء الطلق، والرحلات في الطبيعة جزءاً من إستراتيجيتهم للتخلّص من التوتّر الشديد، وروتين للراحة النفسية في الأوقات الصعبة. في الواقع، التواصل مع الطبيعة بالنسبة لهم جزء من إحساسهم بهويتهم وانتمائهم إلى مجتمعهم.

لقد أجريت في السابق بحثاً عن فوائد الرياضة غير الرسمية والأنشطة الترفيهية في الهواء الطلق أثناء الحروب والنزاعات، والأوقات التي تلي الكوارث -مثل زلزال مدينة كرايستشيرش عام 2011-، حيث يظهر بحثي أنّ هناك أوجه تشابه واضحة بين التحديات التي تناولتها آنذاك، والتحدّي الحالي الذي يواجهه النيوزيلنديون والمتمثّل بإغلاق البلاد. كما يُظهر بحثي أهمية الأنشطة الخارجية للحفاظ على صحّة الناس ومرونتهم، فضلاً عن الممارسات الإبداعية التي سيكتسبونها وهم يحاولون العودة إلى روتين الحياة اليومي.

توضيح حول الرسائل المختلطة التي وجهتها الحكومة حول ممارسة الرياضة في الهواء الطلق

كانت توجيهات الحكومة في بداية الإغلاق حول الأنشطة الخارجية مختلطة ومشوّشة. في حين شجعت رئيسة وزراء نيوزيلندا الناس على البقاء في المنزل وعدم مغادرة المنزل عند ممارسة الرياضة. أشار موقع وزارة الصحة المُخصص لمتابعة جائحة كورونا بوضوح إلى ما يلي:

إذا كنت تشعر بأنّك على ما يُرام، فيمكنك مغادرة المنزل في الحالات التالية فقط:

  • الوصول إلى الحاجيات الرئيسية، مثل شراء البقالة أو الذهاب إلى أحد البنوك أو الصيدليات.
  • الذهاب إلى العمل إذا كنت تعمل في الخدمات الأساسية.
  • الذهاب في نزهة على الأقدام، أو ممارسة الرياضة والاستمتاع بالطبيعة.

إذا غادرت المنزل، فحافظ على مسافة 2 متر على الأقل  بينك وبين الآخرين في جميع الأوقات. يقوم رجال الشرطة في البلاد بمراقبة الناس، وطرح الأسئلة عليهم لمعرفة سبب خروجهم من منازلهم.

تصرح نيوزيلندا بالأنشطة في الهواء الطلق، شرط أن يقوم الناس بذلك على مسافة قريبة من منازلهم. يُبرز هذا التصريح عدم المساواة الكبير بين الناس حول إمكانية القيام بها، لأن جميع الناس لا تقع منازلهم بالقرب من الشاطئ أو الغابات.

لقد أدّى ارتباك التوجيهات الحكومية في البداية إلى حدوث انقسام في مجتمع رياضات الهواء الطلق. وفقاً لاستطلاعٍ أجراه موقع المنظمة الوطنية الرسمية لرياضة ركوب الأمواج عبر الإنترنت، فقد عبّر 58% من محبي ركوب الأمواج أن هذه الرياضة يجب أن تكون مقبولة وفقاً لمعايير التباعد الاجتماعي. في الواقع، ما زال الكثيرون مستمرون برياضة ركوب الأمواج رغم الحظر المفروض على الأنشطة الرياضية على الشواطئ.

بعض المجتمعات المحلية تقوم بمهمة الشرطة، وتأخذ على عاتقها مراقبة مثل هذه الأنشطة. تُنشر مثلاً بعض «التهديدات اللفظية والجسدية وحتّى الرمزية» عبر المنتديات الرقمية تحت عنوان «حماية المجتمع». كما يقوم الكثيرون بإبلاغ الشرطة عن أولئك الذين ينتهكون القيود المفروضة وفق شروط الإغلاق من المستوى الرابع.

في حين أن النقاش ما يزال محتدماً في بعض المجتمعات التي تشكّل الرياضة جزءاً من نمط حياتها وثقافتها، أظهر غالبية النيوزيلنديين الالتزام بأهداف الصحّة العامة التي ترمي إلى حمايتهم، والالتزام بالتوجيهات بشأن التباعد الاجتماعي. فقد أصدرت العديد من المنظمات الرياضية المحلية بيانات تحث على الالتزام الصارم بعدم القيام برياضات المشي لمسافاتٍ طويلة، والصيد وركوب الدراجات الجبلية وغيرها من أنشطة الهواء الطلق والشواطئ.

أصبحت رسالة الحكومة حالياً أكثر اتساقاً من السابق الآن، وهي تشجيع الناس على الخروج من منازلهم إلا لقضاء الحاجات الأساسية، وعدم الانضمام لأي أنشطة ترفيهية أو رياضية في الهواء الطلق.

الأنشطة الترفيهية في الهواء الطلق تعزز الصحة والمرونة

فوائد الرياضة والنشاط البدني على الناحية الصحية والعقلية لدى الإنسان مثبتة علمياً، ويُظهر بحثي أهميتهما وأثرها الإيجابي على مرونة الإنسان خلال الأوقات العصيبة، أو الإجهاد المستمر، والقيمة الصحية المُعززة التي تمنحها لأولئك الذين يعانون من الصدمة والأحداث المؤلمة.

تشير المزيد من الأدلة كذلك إلى أهمية أنشطة الهواء الطلق الترفيهية، والخروج إلى الطبيعة في دعم الصحة العقلية خلال أوقات التوتر والصدمات.

بالنسبة لسكان «كرايستشيرش»، دُمرت الكثير من المرافق والمساحات الرياضية المفضّلة لديهم في زلزال 22 فبراير/ شباط عام 2011، وقد حدد المشاركون في بحثي مجموعة من الفوائد الجسدية والنفسية والاجتماعية التي تمنحهم إياها الأنشطة الترفيهية غير الرسمية في الهواء الطلق كالآتي: الحفاظ على الوزن، تخفيف التوتر والقلق، زيادة مرونتهم، شعور أقوى بالترابط والانتماء.

ووفق الباحثين، يمكن أن يؤدي انقطاع الشخص عن محيطه لأسباب مثل؛ الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الأزمات، إلى فقدان الشعور بالانتماء والشعور بالخسارة واليأس والإحباط.

وقد أعرب العديد من سكان كرايستشيرش عن حزنهم لفقدان المباني التراثية والأماكن التي يزورونها بشكلٍ متكرر بعد زلزال عام 2011. وقد أشار البعض إلى أن مشاعرهم العميقة بالخسارة؛ ترتبط بخسارة أماكن أنشطة الهواء الطلق التي كانوا يستخدمونها على مدى سنواتٍ طويلة بانتظام. وبالمثل، وفي ظروف الإغلاق الحالية، سيشعر الكثير من الناس بمشاعر الألم والخسارة والشوق لساحات الألعاب الرياضية التي تعتبر مهمّة جداً بالنسبة لهم.

العودة إلى روتين الحياة

تُظهر الأبحاث أنه من الشائع أن يحاول الناس تقليل آثار الخلل الكبير الحاصل حالياً في الروتين اليومي، من خلال محاولة استعادة المساحات والروتينات والتوقيتات المألوفة. وقد كشفت الحالات التي درستها خلال زلزال كرايستشيرش عام 2011، ومن مناطق أخرى عبر العالم مثل نيو أورليانز، غزّة، أفغانستانح أن الناس كانوا مبدعين في الانخراط في الأنشطة الرياضية، وقد ساعدهم ذلك على التكيّف مع حالة الشك العام والتوتر والضغوط العالية.

أعاد بعض سكان كرايستشيرش تأهيل الأماكن التي دمرها الزلزال. وفي هذه الظروف التي تعيشها نيوزيلندا، وبدلاً من قبول عمليات الإغلاق، عمل الكثير معاً لإيجاد طرق جديدة للوصول إلى مناطق آمنة يذهبون إليها. وبذلك أصبحت هذه المواقع الجديدة بمثابة «أماكن طبيعية علاجية» تمنحهم الراحة النفسية والهروب من الواقع الحالي، والابتعاد عن البيئة المادية.

في سياق جائحة فيروس كورونا وإغلاق نيوزيلندا، تختلف الظروف اختلافاً كبيراً، ولكن المصاعب والإستراتيجيات النفسية التي يواجهها الناس للحفاظ على مرونتهم قد تكون متشابهة.

وبالفعل، يقوم العديد بابتكار إستراتيجيات مختلفة للقيام بالأنشطة. حيث حوّل البعض مرآب السيارات في منازلهم، والمساحات الخارجية حول المنزل إلى أماكن لممارسة الرياضة وتمارين اللياقة البدنية، بينما يقوم آخرون بإعداد حدائقهم كي تناسب قيام الأطفال باللعب والجري فيها.

بعد زلزال كرايستشرش، انقطع محبّو ركوب الأمواج عن رياضتهم المفضلة لمدة 9 أشهر. ومن المرجح أن يخلق الإغلاق القسري الحالي تقديراً متجدداً لهذه الأماكن التي تمنح الناس الإحساس بهويتهم وترابطهم.