Reading Time: 4 minutes

كل يوم نقوم باختياراتٍ مهمة، سواء كانت تتعلق بنوع طعامنا، أو القيام بنزهةٍ سريعة بدلاً عن ذلك، أو إنفاق المال أو ادخاره لوقتٍ آخر، أو شراء منتجاتٍ مُستدامة أو منتجات بلاستيكية تضرّ البيئة.

فحياتنا مكوّنة من جملة قراراتٍ لا حصر لها. لقد اكتسبت فكرة تشجيع الناس لاتخاذ قراراتٍ صحيحة بدلاً من الاعتماد على دوافعهم الذاتية جاذبية كبيرة خلال العقد الماضي. وعموماً، ينطوي دفع الناس نحو سلوكٍ معيّن على اقناعهم بلطفٍ باتباعه، ويتصف أسلوب التحفيز المثالي بأنه ذلك الأسلوب الذي ينتج عنه اتخاذ المرء قراراتٍ صحيحة دون أن يدرك أنه واقع تحت تأثير خارجي ليقوم بها.

خذ مثلاً تسجيل الموظفين تلقائياً في برامج الادخار من أجل التقاعد، فالعاملون الذين يعارضون الاشتراك فيه يشاركون ويستفيدون أكثر من صندوق التقاعد. أو مثلاً استخدام البطاقات الصغيرة المستخدمة في حمامات الفنادق التي تحث النّزلاء على إعادة استخدام المناشف الخاصّة بهم، بالقول أن معظم نزلاء الفندق يقومون بذلك، بدلاً من الطلب من الضيوف الالتزام بذلك كمسؤوليةٍ اجتماعية.

يشعر الناس في الكثير من مثل هذه المواقف المشابهة بأنهم هم المسيطرون ومتخذي القرار، ولكّن في الحقيقة دُفعوا أو تم تحفيزهم بطريقةٍ ما على تفضيل خيار على آخر. إذاً، كيف تعمل آلية التحفيز هذه على عقولنا؟ أستطيع أن أخبركم، باعتباري شخصاً يدرس عملية صنع القرار لدى المستهلك، بأن الآلية معقّدة.

1. لديك عقلين أو أكثر

أظهر علماء الأعصاب، بدءاً من الروّاد مثل «أنطونيو داماسيو» أن الدماغ ليس كجهاز كمبيوتر، حيث تقدم البرامج الحلول المثلى للمشاكل، لكّنه في الواقع ينطوي على العديد من الأنظمة البسيطة نسبياً، بعضها يوجد داخل أدمغتنا والآخر يتوّزع في أنحاء الجسم.

لا تتفّق هذه الأنظمة فيما بينها دائماً، فبعضها أناني وقصير النظر، وبعضها يولّي أهمية أكبر بالعلاقات مع الآخرين، بينما بعضها الآخر يعطي الأولوية للأشياء المثالية العالية؛ مثل الأديان ومستقبل البشرية. بالإضافة إلى ذلك، لا يتساوى الناس في إدراكهم لكلّ آلية، لذلك يميل البعض لاتخاذ القرارات بعد تفكيرٍ عميقةٍ وتأمل مدروس، بينما تكون قرارات آخرين سريعةً وبديهية.

وببعض التفصيل، عندما تكون أنظمتك في حالةٍ من النزاع والتنافس فيما بينها، سيعتمد أيٌّ منها على أن قرارك التالي مبنيٌ على ما يحدث في تلك اللحظة. على سبيل المثال، قد يفكّر مصاب السكّري ملياً بمسؤولياته الصحية والعائلية على المدى الطويل- وحتّى بإرادة الله- عند اتخاذه قراره بتناول السّلَطات بدلاً من تناول وجبةٍ دسمةٍ في أحد المطاعم الفاخرة. ولكّن رائحة الخبز الطازج في المرّة القادمة التي يزور فيها المطعم قد تدفع أنظمته لآلياتِ تفكير أخرى وبالتالي لاتخاذ قراراتٍ مختلفة.

2. دوافعك الذاتية

يمكن أن تعمل دوافعك الذاتية عبر العديد من الآليات، بعضها واعٍ وبعضها ليس كذلك، وعادةً لا تعلم بأن من يقف وراء سلوكك هو دوافعك الذاتية. تعتمد إحدى طرق التحفيز لديك على تسليط الضوء على قرارات الآخرين، الذين قد تعتبرهم «مؤثّرين». فمثلاً بعد أن تقرأ عبارة «إن معظم الضيوف في الفندق يعيدون استخدام المناشف»، ستتصور أن العديد من الآخرين -أو ربّما النخبة من الناس تقوم بإعادة استخدام المناشف-، حينها ستشعر أنّ عليك مواءمة سلوكك مع سلوك الأغلبية، وسيكون قرارك هو التصرّف مثلهم، لكّن في الحقيقة قد تم تحفيزك للقيام بذلك دون أن تشعر.

وتركّز أحدى تكتيكات التحفيز الأخرى على دفعك للتصرّف بطريقةٍ معينة في مواقف معينة. وتُسمى هذه التكتيكات أحياناً بـ “المعايير الزجرية الاجتماعية“، ويمكن أن تختلف باختلاف الثقافات. تخيّل مثلاً أن النصّ الذي قرأته في بطاقات الحمام في المثال السابق كان كالتالي:” من خلال إعادة استخدام المناشف، فإنّك ستنضم إلى الملايين ممن يهتمّون لأمر البيئة”. في هذه الحالة، فإنّ ضميرك الباطن سيقلق بشأن استنكار هذا العدد الكبير “الملايين” من الناس وبالتالي سيدفعك ذلك لإعادة استخدام المناشف.

أم إذا صِيغت رسالة المنشفة بدلاً من ذلك كالآتي:” إن إعادة استخدام المناشف يلبّي معايير راقية تعبّر عن التزامك بالمسؤولية البيئية”، فإنها تسلّط الضوءَ على المعايير المفروضة ذاتياً إن كانت موجودةً لدى من يتخّذ القرار. تُعدّ هذه المعايير الشخصية زجريةً لأنها تنطوي على المعتقدات المتعلّقة بالصوّاب والخطأ والتي تُعتبر مفاهيم مجرّدة لدى الشخص، كالإخلاص والطاعة لله.

ومن المثير للاهتمام، أن مثل هذه النداء- سواء كان وفقاً لمعايير اجتماعية أو شخصية ذاتية- لا يستجيب الجميع له بنفس السوية. قد يعمل هذا النداء بشكلٍ أفضل في بعض الثقافات( على سبيل المثال، في الثقافات الآسيوية) وعند بعض الفئات العمرية( كالشباب) أكثر من غيرها.

3. إعداد المشهد للاختيار المرغوب

هناك طريقةٌ أخرى لتحفيز الناس، وهي تغيير بيئة اتخاذ القرار. يُدعى هذا التكنيك أحياناً «هندسة الاختيار».

لنفترض أن متجر بقالة يحاول تشجيع المستهلكين على شراء منتجات صديقةٍ للبيئة، مثل دفاتر الملاحظات الورقية المُعاد تدويرها. فمثلاً، إذا عُرضت جميع المنتجات الصديقة للبيئة مع بعضها في نهاية الممر، فسيلاحظها المستهلكون وستتنشّط لديهم المعايير الذاتية الداخلية، إلا أنّ ذلك قد لا يُترجم إلى لشراء العديد من هذه المنتجات، لأنه قد يكون شراء منتجٍ واحدٍ منها قد يكفي للوفاء بمعاييرهم. أمّا إذا عُرضت المنتجات في جميع أنحاء المتجر، يمكن للعديد من العروض تنشيط المعايير الداخلية أكثر، وبالتالي من المحتمل أن تحصل عمليات شراء أكثر للمنتجات الصديقة للبيئة في نفس رحلة التسوق.

في الواقع، إنّ تحفيز الناس لسلوكٍ معين ليس خداعاً عموماً. ففي معظم الحالات تعمل الآلية عن طريق تحفيز اتخاذ قرارٍ أو سلوكٍ معينين. فإذا لديك ميل فعلي نحو شيءٍ معين -مثل تناول الطعام الصحي- فإنّ بعض التحفيز سيساعد آلية تفكيرك في النحو في هذا الاتجاه. يفيد التعزيز خصوصاً في الحالات التي تتعارض فيها آليات صنع القرار مع بعضها البعض، كما هو الحال عندما تنبعث رائحة الخبز الطازج المنعشة في الهواء.

اتخاذ القرار, التحفيز, التأثير, مقالات علمية قصيرة

لكن رائحة الخبز الطازج بحد ذاتها تعمل كمحفز في نفس الوقت. قد تُستخدم كمعزّز عن عمد لتشجيع الاستهلاك الممتع الذي يحسّن المزاج، ويؤدي بالتالي إلى المزيد من دفع المال أو إعطاء دفع إكراميةٍ للنادل أكثر سخاءً. بإمكان التحفيز العمل على تعزيز أو قمع السلوكيات الفاضلة، وتقع على عاتق الشركات والمؤسسات مسؤولية استخدامه بحكمة ومسؤولية.

لا يمكن للتحفيز عموماً دفع الناس لفعل شيءٍ لا يريدون فعله بالرغم من أنّ الرغبّة قد توجد في اللا وعي لديهم، ويرغبون بتلبيتها أحياناً، لكنّه يشجعهم فقط على متابعة سلوكٍ يعود غالباً لعوامل ذاتيةٍ أخرى حالياً. عندما يعتقد الأفراد بوعيٍ منهم أن قرارهم أو سلوكهم -سواء كان تناول طعامٍ صحي، أو شراء منتجاتٍ صديقةٍ للبيئة، أو الادخار للتقاعد- هو أمر مفيد، فإن التحفيز يعمل بأفضل ما يمكن.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن