Reading Time: 4 minutes

مقال من «سايكولوجي توداي»


وفقاً لبيانات مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها الاستقصائية، فإن مستويات القلق لدى الأميركيين قد ارتفعت في المتوسط ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل عام من الآن. لكنهم يعانون من القلق والاكتئاب أثناء جائحة كورونا. فهل هناك ترابط بينهما؟

لفهم الفرق بين القلق والاكتئاب، يجب أن ندرك أولاً أن كلاهما مشاعر أو عواطف إنسانية. وفقاً للفيلسوف الهولندي سبينوزا: «تتوقف العواطف التي تجعلنا نعاني بمجرّد أن نشكّل صورة واضحة ودقيقة لها». أي إذا تمكنا من فهم كل من هذه المشاعر بشكل أفضل، فمن غير المرجح أن نعاني منها.

هنا يكمن التحدي الذي نواجهه. دعونا نتعمّق قليلاً في ذلك.

لفهم الفرق بين القلق والاكتئاب، نحتاج أولاً إلى فهم المكوّن لكل عاطفة والذي يندرج تحت مجموعةٍ متنوعة من الأسماء التي تعني نفس الشيء؛ مثل: مستوى التنبيه، والتنشيط، أو الشدّة. يشير هذا المكوّن بشكلٍ أساسي إلى مدى تحفّز أو قوة عواطفنا.

في الواقع، تُشتق كلمة عاطفة من التعبير اللاتيني «motere»، والذي يعني «تحرّك»، وهو اشتقاق يقترح أن العواطف تحفّز الدافع لدينا لاتخاذ فعلٍ أو اجراءٍ ما. لقد اعتقد فرويد في أوائل القرن العشرين أن العواطف تقدم دلالة على كيفية استجابة الفرد لبيئته. متفقاً مع فرويد، وجد عالم النفس بجامعة أمستردام «نيكو فريجدا» بعد أكثر من نصف قرنٍ أن العواطف مرتبطة بتغير استعداد الفرد للقيام بالفعل.

يمكن اعتبار هذا التفسير منطقياً إذا نظرنا إلى الكيفية التي أصبحت بها عواطفنا مرتبطة بعلم وظائف الأعضاء لدينا. عندما يدرك الفرد وجود تهديد في بيئته، فإن العاطفة تعمل على تركيز تفكيره، وتحدد خيارات أفعاله المتصورة (على سبيل المثال، القتال استجابة للغضب أو الهروب استجابة للخوف)، وتنتج تغييرات فسيولوجية لدعم تلك الإجراءات المحددة (مثل زيادة تدفق الدم إلى العضلات الكبيرة عند الشعور بالخوف).

يساعد هذا التعليل في تفسير القيمة التكيفية التطورية للعواطف، حيث أن الميل نحو أفعال معينة في مواجهة تهديد تحفّزه عواطف معينة يزيد من فرصنا في البقاء على قيد الحياة. لهذا السبب وجد عالم النفس بول إيكمان أن القلق، وعبر مختلف الثقافات، يُعتبر عاطفة فطرية وضرورية للأداء البشري الصحي.

ولنتأمل هنا أسلافنا الذين عاشوا في السهول الشاسعة المفتوحة. فهم لم يكونوا حيواناتٍ مفترسة من الناحية الجسدية، وأولئك الذين عاشوا حياتهم يصوغون ألحاناً جميلة بأصواتهم بدلاً من الشعور بالقلق؛ جميعهم يمتلكون النظام الفيزيولوجي الداخلي الذي ينبههم إلى وجود الخطر، وكانوا على الأرجح فريسةً سهلة للحيوانات الأخرى.

من هنا، فإن كل عاطفةٍ تحتوي على مكوّن التنبيه الذي يرتبط بمدى قوة تحفيز العاطفة للفرد للقيام بالفعل. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون عاطفة القلق منخفضة، أو عالية التنبيه أو الإثارة، وذلك اعتماداً على شدة الشعور بها. فكلما زادت قوة التهديد التي نتصورها في بيئتنا، زاد مستوى قلقنا.

لفهم القلق كعاطفة، علينا أن نفهم كيف تنشأ العواطف أساساً. يوضح عالم النفس في بيركلي «ريتشارد لازاروس» في بحثه التأسيسي حول العاطفة؛ بأن البشر يقومون باستمرار بتقييم الأشخاص والمواقف والأحداث من حولهم لتحديد هل يسهلّون أهدافهم وقيمهم ومصالحهم أم يعرقلوها.

تحدد هذه التقييمات المستمرة مدى تكافؤ العاطفة؛ سواء كانت إيجابية أو سلبية. إذا قيّمنا الشخص أو الحالة أو الحدث على أنه تسهيل لأهدافنا أو قيمنا، فإننا نختبر عاطفة إيجابية مثل الفرح أو الامتنان أو البهجة.

أما إذا قمنا، بالمقابل، بتقييم الشخص أو الحالة أو الحدث على أنه حجر عائق أمام تحقيق هدفنا أو قيمتنا، فإننا نختبر عاطفة سلبية -مثل الغضب أو الحزن، أو… القلق. ينجم عن هذا التقييم الأولي هل هذا الشخص أو الحالة أو الحدث جيد أم سيئ بالنسبة لي؟- عاطفة أساسية. تناول فيلم الأنيميشن «إنسايد أوت»، الذي تناول قصة طفلةٍ تنتقل مع عائلتها إلى مدينة جديدة وتتحكم في حياتها مشاعر مختلفة، تناول 4 من العواطف الخمسة الأساسية؛ وهي الفرح والغضب والحزن والخوف، ومن المثير للاستغراب أن العاطفة الأساسية الخامسة، الحب، قد أغفلها الفيلم.

بعد أن نختبر عاطفة أساسية، نقوم بتقييم ثانوي؛ هل لدي الموارد الداخلية للتعامل مع هذا الشخص أو الموقف أو الحدث؟ في الواقع، نحن نقيم قدرتنا على التعامل مع كل ما يحفّز العواطف السلبية التي تصيبنا.

يعتبر كل من القلق والاكتئاب استجابة للتقييم الأولي بأن الشخص أو الموقف أو الحدث يعيق أهدافنا أو قيمنا، واستجابة للتقييم الثانوي حول قدرتنا على التعامل معه، حيث تختلف هذه العواطف وتتباعد بعد التقييم الثانوي.

في حالة القلق، نعتقد أنه يمكننا فعل شيء ما لتقليل قوة التهديد، وإعادة حياتنا إلى المسار الصحيح. أما مع الاكتئاب، من الناحية الأخرى، لا نتمسك بهذا الاعتقاد. بمعنى آخر، نشعر بالاكتئاب بمجرد أن نفقد الأمل في قدرتنا على التعامل مع الشخص، أو الموقف أو الحدث.

يصف دانتي ألغيري في قصيدته الملحمية «الكوميديا الإلهية» -التي تعود إلى القرن الرابع عشر- رحلة مجازية عبر الجحيم، يصفها بأنها ليست فكرة حكيمة. كان ما كُتب على اللافتة المنقوشة على بوابة الجحيم في ملحمته معبراً جداً: «أيها الداخلون إلى هنا، تخلوا عن أي أمل». ويقول المثل الأورغوياني داعماً فكرة دانتي: «الأمل هو آخر ما نخسره».

عندما لا يبقى أمل، نعبر عبر هذا الباب إلى الجحيم على الأرض، جحيمٍ لا يستحقه أحد في الواقع. هذا هو الاكتئاب؛ انفصالٌ عن العالم الخارجي (عن مجتمعنا وعلاقاتنا)، والداخلي (علاقتك مع ذاتك) لأنك تعتقد أنه لا يوجد ما يمكنك القيام به لإعادة حياتك إلى ما كانت عليه وكما تريدها أن تكون.

أما القلق، وللمفارقة، يلهم الأمل. السبب الذي يجعلنا نشعر بالقلق هو أننا ما زلنا نعتقد أن هناك شيئاً يمكننا القيام به لتحسين الوضع الذي يجعلنا نشعر به. أي أنه على مستوى ما، وأحياناً في لاوعينا، نشعر أنه يمكننا تحسين الكثير.

بدلاً من النظر إلى القلق على أنه عاطفة يجب تجنبها، يمكننا رؤيته كمحفزٍ إيجابي للدفاع عن أنفسنا ضد أي تهديدٍ منخفض المستوى في حياتنا. كما يمكننا إدراك أنه بإمكاننا التعايش مع القلق إذا لم نبالي به ولم يعد بإمكاننا إدارته.

أما الاكتئاب بالمقابل، فهو عاطفة منخفضة التنبيه والإثارة، لأننا تخلينا عن الاعتقاد بأنه يمكننا اتخاذ أفعالٍ محددة لتقليل التهديد، ونقل حياتنا إلى منحى أفضل. أي نشعر أنه لم يتبق أمامنا أي شيء لنفعله أمام التهديد الذي نتصوره.

دعونا نتذكر دائماً أننا نشعر بالقلق فقط عندما يتعلق الأمر بشخص أو موقف أو حدث في بيئتنا، ونشعر أن هناك شيء يمكننا القيام به لإدارته. فإذا شعرنا أنه خارج عن إرادتنا، فلن نشعر بالقلق بعد الآن. سنشعر عملياً إما بالقبول (إمكانية التعايش معه) أو بالاكتئاب (إذا شعرنا بعكس ذلك، أي لا يمكننا التعايش معه).

خلال جائحة كورونا، ينبغي تقبّل فكرة أنه لا يمكننا تغيير ما حدث بالفعل. على سبيل المثال، تغيير المسار السابق للفيروس واستجابة العديد من الحكومات السيئة له. الآن، على العديد من المستويات؛ الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية والصحية، يمكننا تحويل قلقنا إلى قبول (لما حدث بالفعل) وطموح (لأننا نعرف أن بإمكاننا جعل عالمنا أفضل)، وعمل (لتجاوز هذه المحنة).

من أجل إدارة قلقنا بشكلٍ أفضل خلال أكبر أزمة صحية عامة تواجهنا في حياتنا، دعونا حقاً لا ننسى الفرق الأساسي بين القلق والاكتئاب: الاكتئاب هو القلق الذي فقد الأمل. دعونا نوازن بين القبول والطموح والعمل، بدلاً من التخلي عن إيماننا بقدرتنا على التعامل مع الصعوبات، لكي ننجز مجتمعاً أفضل لنا جميعاً من خلال مشاركة هذا الكوكب.


*نشر بواسطة «أنتوني سيلارد»، أستاذ مشارك بجامعة ولاية كاليفورنيا، معلم وخبير في مجال القيادة، كتب العديد من المقالات العلمية حول العاطفة وإدارة المشاعر. صدر كتابه الأخير بعنوان «Screened In: The Art of Living Free in the Digital Age» في مارس/ آذار 2020.