Reading Time: 3 minutes

أصيب حتى الآن نحو مليوني شخص بفيروس كورونا، وتوفّي أكثر من 200 ألف شخص جرّاء الإصابة به. وبالإضافة لآثارها الصحية والاجتماعية غير المسبوقة، كان لجائحة كورونا آثار كارثية على الاقتصاد العالمي أيضاً.

فقد تراجع الاقتصاد العالمي بين شهري يناير/ كانون الثاني ومارس/ آذار من هذا العام بنسبة 12%. وللتصدّي لهذه الأزمة الاقتصادية، تعهّدت حكومات مجموعة العشرين بتخصيص أكثر من 5 تريليونات دولار كمبادراتٍ للإغاثة، وضمان استقرار اقتصاداتها. بشكلٍ عام، تأثّرت مختلف القطاعات الصناعية والزراعية والأعمال الفردية وجميع مناحي الحياة الاقتصادية عموماً بجائحة كورونا، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.

الآثار الاقتصادية في كندا

حتّى تاريخ 27 أبريل/ نيسان من هذا العام، بلغت الإصابات بفيروس كورونا أكثر من 49 ألف إصابة مؤكدة، بينما بلغ عدد الوفيات نحو 3000 شخص. وقد تقدّم ملايين الأشخاص بطلبات للتأمين على العمل، وللحصول على المساعدات الخاصّة بالاستجابة للطوارئ في كندا.

وعلى غرار بقيّة الدول في مجموعة العشرين، كشفت الحكومة الكندية عن حزمة مساعدات أولية بقيمة 82 مليار دولار. تتضمّن هذه الحزمة 27 مليار دولار كمساعداتٍ طارئة مُخصصة لمساعدة الكنديين على دفع ثمن الحاجات الضرورية مثل الإيجارات والطعّام. في الواقع، يعيش أكثر من 4 ملايين كندي -بين أفرادٍ وعائلات- في منازل مُستأجرة، لذلك تُدرك الحكومة الكندية أهمية تخصيص تمويلٍ صريح لمساعدة المستأجرين في دفع إيجارات منازلهم في ظل هذه الظروف.

بالإضافة إلى هذا التمويل، قامت بعض المقاطعات، بما فيها كولومبيا البريطانية وجزيرة الأمير إدوارد، بوضع تشريعاتٍ لدعم الإيجارات. لكّن حكومات هذه المقاطعات صرحت بأنه يجب على المستأجرين دفع أي مساعدات منحت لهم لدفع الإيجارات في وقتٍ لاحق بالكامل.

وجهت الحكومات الملّاك والمستأجرين للانخراط في مناقشات حول خطط الدفع التي يمكن أن يرضى بها الطرفين. وبغضّ النظر عن المقاطعة أو الإقليم، أو خطط سداد أو برامج دعم الإيجار؛ يحثّ الخبراء المستأجرين وأصحاب العقارات على التواصل المنتظم. يجب أن يكون هناك حوار بين المالك والمستأجر. لقد كانت رسالة الحكومة الفدرالية والمحلية واضحةً تماماً، يجب ألا يكون هناك أحد في مأزقٍ بسبب مستحقّات الإيجارات.

الضروريات مقابل الرغبات

أدّت جائحة فيروس كورونا إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، وانعدام الأمن الاقتصادي للكثيرين، لكنها ليست المرة الأولى التي يواجه فيها الناس تحدياتٍ في تلبية بعض احتياجاتهم الأساسية (الضروريات).

من الضروري أن يميز الأفراد بين الاحتياجات الأساسية (الضروريات)، والرغبات في أوقات الأزمات. وفقاً لإبراهام ماسلو، أحد أبرز علماء النفس في القرن العشرين، فإن «الاحتياجات الأساسية» هي الاحتياجات الفسيولوجية. تُعرّف الاحتياجات الفسيولوجية بأنها تلك الضرورية لبقاء الإنسان على قيد الحياة، بما في ذلك الصحة والغذاء والمياه والمأوى والجنس. هذه الاحتياجات أساسية وضرورية وغير قابلة للنقاش.

يتغير سلوك المستهلك بشكل جذري في أوقات الأزمات، بما في ذلك فترات الركود الاقتصادي، حيث يزداد إنفاق المستهلكين على الغذاء والمأوى والرعاية الصحية بشكلٍ عام. ويرجع ذلك إلى اهتمام العاملين أو العاطلين عن العمل بتغطية الحاجات الأساسية مثل؛ الإيجار ودفع القروض، وشراء مواد البقالة والمعدّات والأدوية. وبذلك، يعمل الركود على تركيز الإنفاق على الضروريات.

خلال فترات الركود السابقة، كان المستهلكون يميلون لتركيز إنفاق مواردهم المالية المحدودة بشكلٍ إستراتيجي على الأساسيات. على سبيل المثال، تناول الطعام في المنازل بدلاً من المطاعم، وشراء أغراض أقل، والتركيز على دفع الإيجارات أو الرهون العقارية. وذلك يدعم نظرية «ماسلو» التي تقترح أن المستهلكين يتطلعون إلى تلبية احتياجاتهم الأساسية قبل كل شيء.

يميل الناس لتناول الطعام في المنزل أكثر خلال فترات الركود، وقد أضطرتنا الجائحة الحالية على تناول الطعام في المنزل أيضاً

أظهرت دراسة مماثلة شملت 27740 عائلة في الولايات المتحدة أنه بالرغم من قلّة إعانات البطالة المخصّصة لهم، تبيّن أن الأميركيين يميلون لإنفاق نفس المبالغ من المال على السلع الأساسية والتأمين، والمرافق وغيرها. بشكلٍ عام، يبدو أن المستهلكين أكثر حذراً فيما يتعلّق بإنفاق أموالهم في فترات الركود الاقتصادي. حيث يأخذ المستهلكون بعين الاعتبار الآثار الطويلة الأجل لإنفاقهم، ويخصصون الأموال لاحتياجاتهم الفسيولوجية الأساسية.

توقعات الفترة القادمة

من المرجّح أن تؤدي جائحة فيروس كورونا الحالية إلى أزمةٍ اقتصادية عالمية مستدامة. وبالرغم من أن الحكومات تدعم الأفراد والأسر والشركات والمجتمعات حالياً، إلا أنّ المستهلكين سيكونون مسؤولون عن أفعالهم في هذه الأوقات الحرجة، لكّن الحكومات تُقر بدورها الأساسي بدعم أولئك الذين لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم الأساسية.

طمأنت بعض الشركات العقارية المالكة في وقتٍ سابق، مثل شركة «بوردووك»، المستأجرين أنّها لن ترفع الإيجارات خلال هذه الأزمة. وقد قامت شركة «أفنيو ليفينج كوميونيتيز» العقارية (التي تملك وتدير العديد من التجمّعات السكنية في غرب كندا) بمنح موظفيها الأساسيين علاوات على أجورهم لفترة غير محدّدة، لضمان خدمة ممتلكاتها والمستأجرين بشكلٍ ملائم، حيث يجب على الملّاك الاستمرار في تأمين السكّن اللائق والآمن والنظيف.

يجب على المستهلكين القيام بدورهم أيضاً باتخاذ قراراتٍ حكيمة فيما يتعلّق بإنفاقهم، والتمييز بين الضروريات والكماليات. تشير الأدلّة التجيريبة التاريخية المُستقاة من الأزمات الاقتصادية السابقة إلى أنّ المستهلكين غالباً ما كانوا أذكياء، واتخذوا قرارات إستراتيجية طويلة الأجل فيما يتعلّق بإنفاق أموالهم.

وكما يقول الدكتور «فيل» في إحدى مقولاته النفسية: «أفضل مؤشر للتنبؤ بالسلوك في المستقبل، هو سلوكنا في الماضي». سيكون من الحكمة أن نتصرف كما تصرّفنا سابقاً في الماضي للمضي قدماً.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن