Image

كيف جرى استخلاص أول مضاد حيوي واسع الطيف من تراب ولاية ميزوري الأميركية

مُقتبَس من كتاب: معجزة الشفاء

Bread assortment هذا المقال مُقتَبَس من كتاب "معجزة الشفاء" لمؤلفه وليام روزن

ينتشر النبات الذي يُعرف باسم الإفليوم المَرجي في مساحاتٍ واسعةً من وسط غرب الولايات المتحدة الأمريكية. يتراوح طول هذا النبات ما بين 60 سم إلى 150 سم، ويشتهر بقوته وقدرته على مقاومة ظروف البرد والجفاف، وإمكانية نموه وازدهاره في أي نوع من أنواع التربة، ابتداءً بتُربة المنخفضات الخصبة، وانتهاءً بأنواع التُربة الفقيرة. وكما هو الحال بالنسبة للعديد من نباتات العالم الجديد، يُعد الإفليوم المرجي وافداً جديداً إلى القارة الأميركية، حيث قام المستوطنون الأوروبيون باستقدامه معهم. ولعل تسميته الإنجليزية timothy مشتقة من اسم المزارع الذي حمله معه من نيو إنجلاند، واسمه تيموثي هانسن. يُعد الإفليوم المرجي غذاءً للعديد من الحيوانات العاشبة، مثل الأرانب والمواشي والخيول.

كان الإفليوم المرجي، ولا يزال، من السلع التجارية الهامة التي دأب المهندسون الزراعيون بجامعة ميزوري الأمريكية على زراعتها في حقل التجارب التابع للجامعة، والذي يحمل اسم حقل سانبورن، وذلك منذ افتتاح الجامعة في العام 1888. وفي العام 1945، وبينما كان علماء جامعة ميزوري يُجرون أبحاثهم المستمرة على الإفليوم المرجي بهدف زيادة محاصيله أو تعزيز مقاومته للعوامل الجوية المختلفة، استلم عالم الأحياء الدقيقة ويليام ألبريخت رسالةً من زميله السابق بنيامين مينج دوجار، عالم النباتات والفطريات الذي يعمل الآن في نيويورك. احتوت الرسالة على طلبٍ لجمع عينات تربة من عشرات المواقع في ولاية ميزوري، بما فيها القطعة 23 من حقل سانبورن.

كان دوجار في ذلك الوقت يبلغ من العمر 73 عاماً، وكان يتمتع بمكانة مرموقة واحترام كبير في الوسط العلمي كباحث في أمراض النباتات. وكان دوجار قد عكف على دراسة الفطريات والأمراض في العديد من كليات الزراعة التابعة لأعراق الجامعات الأمريكية، بما فيها جامعة كورنيل، وجامعة وسكنسن، وجامعة واشنطن بسان لويس، وبالتأكيد جامعة ميزوري. وفي العام 1944 ترك دوجار آخر منصب أكاديمي له ليلتحق بمختبرات ليدرلي ويعمل ضمن قسم الأبحاث تحت رئاسة الدكتور الشهير يلبراجادا سوباراو.

 


معجزة الشفاء: ابتكار المضادات الحيوية وولادة الطب الحديث. المؤلف: ويليام روزن.

 

تأسست مختبرات ليدرلي لمضادات الذيفانات، كما كان يطُلق عليها في البداية، في العام 1904 من قبل الدكتور أرنست ليدرلي، المندوب السابق لإدارة الصحة بمدينة نيويورك الأمريكية، والذي أوكلت إليه مهمة إنتاج نسخة أمريكية من لقاح الخنّاق (الذي ابتكره كلٌّ من إيميل بيهرنج، وباول إيهرليش، وروبيرت كوش في نهاية القرن التاسع عشر)، وذلك بهدف بيعه للمشافي الأمريكية. وقد بقي إنتاج اللقاحات ومُضادات الذيفانات لكل من الكزاز، والتيفوئيد، والجمرة الخبيثة، والجدري النشاط الرئيسي لمختبرات ليدرلي طيلة الأعوام الأربعين التالية، والتي شهدت وفاة مؤسس المختبرات أرنست ليدرلي، واستحواذ شركة أميريكان سياناميد المتخصصة في صناعة الكيماويات الزراعية عليها في العام 1930، وتعيين سوباراو في الشركة في العام 1940.

كان سوباراو، الطبيب وعالم الفيزيولوجيا المولود في الهند، قد وصل كمهاجر فقير إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1923 بهدف الانضمام إلى كلية الطب المداري بجامعة هارفارد. وفي حين تولى والد زوجته دفع رسوم الجامعة، عيّنته الجامعة بوظيفة ضمن كلية الطب كي يتمكن من دفع نفقات سكنه ومعيشته، وهناك أمضى سوباراو 17 سنة لمع فيها نجمه بين أقرانه وتكفلت إنجازاته بالحديث عنه. فقد تمكن سوباراو من عزل مُكونات ثلاثي فوسفات الأدينوزين (ATP) الذي يُعد الوقود التي تستهلكه جميع الخلايا الحية. وفي الحقيقة، فإنه من الصعب سرد جميع إنجازات يلبراجادا سوباراو، التي لا تقتصر على اكتشافاته في مجال الكرياتينين أو فيتامين ب 12، بل تتعداها إلى عشرات المركبات الكيميائية التي لا تزال مستخدمة حتى يومنا هذا، بالإضافة إلى اكتشاف كيفية استخدام مركب “مضاد الفولات” في علاج ابيضاض الدم (اللوكيميا). وعلى الرغم من ذلك، فلم تمنحه القوانين في ذلك الوقت الجنسية الأمريكية، واضطر للبقاء كمقيم طيلة فترة عمله.

لقد أدت هذه التعقيدات الإدارية التي واجهها سوباراو إلى خسارة الجامعة واحداً من أهم الباحثين فيها، حيث اضطر إلى ترك العمل في الجامعة، والالتحاق بمختبر ليدرلي كمدير لقسم الأبحاث فيه. وبعد عامٍ من ذلك، مثّل سوباراو مختبرات ليدرلي في الاجتماعات الأولى للجنة الأبحاث الطبية. وبعد ثلاث سنوات من ذلك، قام سوباراو بتعيين بنيامين دوجار في مختبرات ليدرلي.

في ذلك الوقت، كانت أبحاث “سيلمان واكسمان” بجامعة روتجرز الأمريكية قد جعلته أشهر عالِم تربة في العالم، وألهمت تجاربه الكثيرين من العلماء لمحاكاة طريقته في البحث، والتي تقوم على فحص آلاف أنواع الشعّيات (رتبة من البكتريا) لدراسة خصائصها المضادة لأنواع أخرى من البكتريا. وقد حفّزت تلك الأبحاث سوباراو ودوجار لإطلاق برنامج لجمع عينات من التربة حول العالم. وتمكّنَا من تجنيد عشرات الجنود والبحارة لجمع عينات من التربة من كل أنحاء العالم، من القوقاز إلى شمال أفريقيا وصولاً إلى جنوب أمريكا. وفي العام 1945 حصلوا على عينة تراب من القطعة 23 في حقل سانبورن. وضمن هذه العينة، عثر الباحثان على نوع أصفر من الشعيات (يشبه متسلسلة جريسيس التي اكتشفها سيلمان واكسمان) أطلقا عليه اسم A-377. وبعد ثلاث سنوات من البحث والتجارب المتواصلة، أعلن دوجار للعالم عن اكتشافه بكتريا المتسلسلة المُذهبة، والتي أطلق عليها في حينه اسم: “صانعة الذهب”.

ربما كان هذا الاسم محاولةً من دوجار لوصف شكل البكتريا، إلا أن زملاء دوجار في مختبرات ليدرلي كان لديهم اقتراح آخر يجول في أذهانهم. تُنتج المتسلسلة المذهبة مادة كيميائية مجهولة الهوية والبُنية قادرة على كبح نشاط طيف واسع من البكتريا بشكل يفوق البنسلين أو الستريبتومايسين. أطلق دوجار على هذه المادة اسم “أوريومايسين” (أوريوم كلمة لاتينية وتعني الذهب)، وقد كانت فعالة في القضاء على البكتريا إيجابية الغرام وسلبية الغرام، كما كانت فعالة في القضاء على العوامل المُمْرِضة المسؤولة عن أمراض شائعة، مثل عدوى المسالك البولية، والعوامل المُمْرِضة المسؤولة عن أمراض غير شائعة مثل الطاعون الدَبلي. كما كانت فعالة أيضاً في القضاء على عدد من الفيروسات. لقد كان ذلك بمثابة الإعلان عن اكتشاف أول مضاد حيوي واسع الطيف.

وفي العام 1948، وبعد عدة تجارب ناجحة جداً على الحيوانات، كان الأوريومايسين جاهزاً للتجربة السريرية على البشر. وقد وقع الاختيار على مستشفى هارلم ليكون مسرحاً لتلك التجارب، وهو المستشفى الذي سيمضي فيه لويس تومبكينز رايت (أشهر طبيب أميركي من أصول أفريقية) سنواتٍ طويلة عاكفاً على البحث عن علاج لأمراض مختلفة مثل العدوى الليمفاوية المنتقلة بالجنس والناجمة عن بكتريا تُعرف باسم المُتدثرة الحثرية. وقد نجح رايت بشكل مبهر، ليس في العثور على علاج لعدوى بكتريا المتدثرة، وإنما لعددٍ من أشكال الالتهاب الرئوي الناجمة عن عدوى فيروسية، وليس فقط العدوى بالمكورات الرئوية.

لقد بدى الأوريومايسين كرصاصةٍ سحريةٍ حقيقيةٍ، وكأنه الدواء القادر على علاج أي حالة مرضية. رغم ذلك، فلم تُقنع نتائج الأبحاث المُجراة في مستشفى هارلم جميع العلماء، فقد وجد ماكسويل فنلاند، الأستاذ بكلية الطب بجامعة هارفارد، وأحد أشهر العلماء في مجال الأمراض المعدية، بأن تقرير رايت كان متفائلاً بشكل مفرط. ولكن رأي فنلاند ذهب أدراج الرياح، فقد أعلنت مختبرات ليدرلي في العام 1948 عن اكتشاف المضاد الحيوي الأوسع طيفاً حتى ذلك الوقت، والذي يمكن استخدامه في علاج العديد من الحالات المرضية أكثر من أي دواء آخر، فضلاً عن كونه أكثر فعاليةً من جميع المضادات الحيوية المعروفة في ذلك الوقت. وبفضل جهود جورج ميرك، وخلافاً لدواء برونتوسيل وللبنسلين، فقد جرى تسجيل براءة الاختراع الأمريكية ذات الرقم 2,482,055 للأوريومايسين. وحتى قبل أن تجري الموافقة على براءة الاختراع بشكل نهائي، أنفقت مختبرات ليدرلي أكثر من 2 مليون دولار لتسويق عينات من دوائها الجديد إلى 142 ألف طبيب، والذي حقق لاحقاً مبيعات هائلة حول العالم.

error: Content is protected !!