Reading Time: 4 minutes

تُعتبر القرود الزرقاء المرسومة على جدران منطقة أكروتيري الأثرية الواقعة في جزيرة سانتوريني اليونانية من بين العديد من الحيوانات التي اكتشفت في اللوحات الجدارية التي تعود إلى 3600 سنة مضت. درس المؤرخون هذه اللوحات الجدارية منذ اكتشافها في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في الجزيرة التي كانت تعرف في السابق باسم «ثيرا». ولكن عندما فحصنا نحن وفريقٌ من علماء أحياء الرئيسيات اللوحات الجدارية مؤخراً، أدركنا أن القرود ربما تكون دليلاً على أن العلاقات في العصر البرونزي كانت عالمية أكثر بكثير مما كان يُعتقد سابقاً.

اعتقد علماء الآثار في السابق أن أصل القرود في الرسومات يعود إلى قارة أفريقيا، والتي ربما اتصل بها شعب بحر إيجه الذي بنى مدينة أكروتيري من خلال علاقاته التجارية مع مصر. لكن فريقنا يعتقد أن الرسومات تصوّر اللنغر الرمادي، وهو جنسٌ من القرود عاش في شبه القارة الهندية آنذاك. وذلك يشير إلى أن روابط شعب إيجه التجارية امتدت إلى أبعد من 2500 ميل.

حافظ الرماد البركاني، والذي نتج عن ثوران بركانٍ دمر المدينة بين القرن السادس عشر والخامس عشر قبل الميلاد تقريباً، على لوحات أكروتيري الجدارية سليمةً حتى وقتنا الحاضر، وتقدّم هذه الجداريات لمحةً مذهلة عن الحضارة السائدة في ذلك الزمن في أوروبا. في الواقع، لم نتمكّن من ترجمة كتب شعب إيجه القديمة، لكن اللوحات الجدارية تشير إلى مدى تطور مجتمعهم واقتصادهم وثقافتهم في ذلك الحين.

مسافرون عالميون

كان الفن الحيواني منتشراً بكثرة في تلك الحقبة، مما يجعل من الصعب تحديد الأنواع الحيوانية المفردة الملحوظة في الآثار بثقة. في حالة القرود، ليس لدينا أية بقايا مادية من مستوطنات شعب بحر إيجه يمكن أن تقدم دليلاً قاطعاً إضافياً على الأنواع المرسومة على جدرانها.

في الواقع، يعود السبب في افتراض علماء الآثار ومؤرخي الفن أن تلك القرود قد أتت من مصر إلى أن مصر كانت أقرب موقعٍ جغرافي لشعب إيجه وارتبطوا بعلاقات تجارية، بالإضافة لكونها موطناً أصلياً لتلك القرود. لذلك اعتقد العلماء أن القرود المرسومة على جداريات أكروتيري كانت من نوع قرود البابون أو سعادين الفرفيت أو الهجرس، وجميعها أنواع افريقية قديمة كانت تعيش عبر مناطق واسعة.

قررت ماري باريجا، الباحثة الاستشارية في متحف علم الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة بنسلفانيا، اتباع نهجٍ مختلف، وجمعت فريقٍ من علماء الرئيسيات الذين يدرسون السعادين والقرود والليمور، بما في ذلك المصوّر التصنيفي الشهير ستيفين ناش. وقد درسنا معاً الرسوم وتناقشنا حول الحيوانات الموجودة في الرسوم مع الأخذ بعين الاعتبار لون الفراء ونمطه بالإضافة لحجم الجسم وتناسب الأطراف ووضعية الجلوس والوقوف وموضع الذيل. بالرغم من أننا اتفقنا أن بعض الرسوم تعود لقرود البابون، كما كان يُعتقد سابقاً، لكّن نقاشاً بدأ بيننا حول تحديد الأنواع الأخرى الموجودة في أحد المشاهد.

تحديد قرود اللنغر

كانت القرود في اللوحات رمادية إلى زرقاء. في الواقع، وبالرغم من أن بعض القرود لديها بقع صغيرة زرقاء على  جلدها- البقع الزرقاء على وجه قرود الماندريل مثلاً- لكن لا يوجد قرودٌ تمتلك فرواً أزرق. هناك قردُ غابة أفريقي يسمى القرد الأزرق، لكن لونه في الأساس زيتوني أو رمادي داكن، وأنماط الوجه لا تتطابق مع تلك الموجودة في اللوحات. لذا احتجنا إلى استخدام خصائص أخرى لتحديد القرود في الرسومات.

كان يُعتقد سابقاً أنها نوعٌ من سعادين الفرفيت أو الهجرس، وهي قرودٌ صغيرة تزن ما بين 3 إلى 8 كليوجرامات (بحجم القط المنزلي تقريباً) وتعيش في مناطق السافانا في شمال وشرق افريقيا. ورغم أن فروها أبيضٌ فضي، إلا أن تمتلك أيضاً أيدي وأقدام داكنة اللون ومظهراً عاماً يتطابق مع الصور الموجودة في اللوحات.

لكّن قرود اللنغر، والتي لها مظهر مشابه، تزن ما بين 11 إلى 18 كيلوجرام، وتتحرك بشكلٍ مختلفٍ تماماً. لقد كانت هذه الخصائص حاسمةً في تحديد نوع القرود الذي يظهر في الرسومات.

يعيش كلا النوعين على الأرض (على عكس الأنواع التي تعيش على الأشجار) ولها أطرافٌ وذيولٌ طويلة. لكّن ذيل اللنغر يميل لأن يكون في منطقةٍ أعلى من جسمه وعلى شكل حرف «S» أو «C» أو ينحني نوعاً ما باتجاه الرأس، بينما الذيل لدى قرود الفيرفيت مستقيمة أو تنحني للأسفل. كان موضع الذيل هذا، والذي تكرر عبر صور متعددة، عاملاً رئيسياً في تحديد القرود على أنها قرود اللنغر.

قرد الفيرفيت (يسار)، قرد اللنغر (يمين)
الصورة: ستيفن د ناش

روابط شعب ايجه التجارية 

نعلم من الأدلة الأثرية أن شعوب بحر إيجه كانوا يمتلكون المعادن مثل القصدير واللازورد والعقيق، والتي جاءت من ما وراء جبال زاجروس على الحدود الغربية لإيران الحديثة. بالإضافة لذلك، فإن التفاصيل الفنية لرسومات قرود أكروتيري، مقارنةً بفنّ القرود الأخرى في تلك الفترة، تشير إلى أنّ الفنانين رسموا حيواناتٍ حيّة شاهدوها ربما أثناء سفرهم إلى الخارج.

من المفهوم أن علماء الآثار السابقين اعتقدوا أن القرود كانت أفريقية الأصل بالنظر إلى العلاقات التجارية بين بحر إيجة ومصر والتي كانت معروفةٌ بالفعل ومدعومةً بالأدلة الأثرية. فإذا كنت تتوّقع أن القرود افريقية، فإنّك لن تبحث سوى في الحيوانات الافريقية لتقديم تفسيرٍ مقنع بشأنها. ولكن بصفتنا خبراء في الأوليات، تمكنّا من إلقاء نظرة جديدة على الأدلة بغض النظر عن المفاهيم السابقة المتعلقة بالشعوب القديمة وروابط التجارة، والأخذ بعين الاعتبار الأنواع التي تعيش في نطاق جغرافي أبعد.

تُعد هذه الدراسة مثالاً ممتازاً عن أهمية عمل الأكاديميين من مختلف التخصصات معاً. فبدون خبرة علماء الرئيسيات، ربما لم يكن من الممكن تحديد هذه الحيوانات بثقة. وعلى العكس من ذلك، ربما لم يكن لعلماء الأوليات أن يأخذوا في اعتبارهم التفاعلات القديمة بين الإنسان والحيوانات الرئيسية بدون المعلومات التي وفّرها لهم علماء الآثار.

نُشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن