Image

بعد إطلاق سبوتنيك، استهدفت القوات الجوية الأميركية الهبوط المأهول على سطح القمر

Bread assortment مفهوم المركبة الفضائية "مِس"
حقوق الصورة: سلاح الجو الأميركي

في ربيع عام 1958، بعد أن دعا الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور لإنشاء وكالة فضاء مدنية، اعتبرت القوات الجوية الأميركية نفسها مسؤولة عن قيادة كافة الجهود الوطنية في مجال الرحلات الفضائية. وعلى هذا النحو، أعدت إدارة القوى الجوية خطة تفصيلية متعددة المراحل حملت اسم “إرسال البشر إلى الفضاء” تهدف إلى الهبوط ببشري على سطح القمر بحلول منتصف ستينيات القرن الماضي.

كانت المرحلة الأولى من برنامج إرسال البشر إلى الفضاء مرحلة للبيانات العملية التقنية حملت اسم “إرسال البشر إلى الفضاء في أسرع وقت ممكن” أو اختصاراً “مِس” (Man in Space Soonest- MISS) حيث تتولى هذه المرحلة إجراء الخطوات الأولى في الفضاء لفهم العوامل البشرية ذات الصلة.

ضمت المرحلة الأولى ست بعثات تحمل روبوتات لتختبر الأجهزة وأنظمة الطيران، تليها ست بعثات تحمل حيوانات من أجل التأكد من قدرة الأجهزة على دعم الكائنات الحية، وإذا سار كل شيء بشكل صحيح، يمكن إرسال رائد فضاء مع بداية شهر أكتوبر من عام 1960 ، والذي سيتأكد من توفر جميع الحاجات التقنية لبرنامج “مِس”.

إذا أردنا أن نمتدح الأهداف البسيطة للمرحلة “مِس”، فلأن المركبة الفضائية كانت بدائية للغاية لكافة المراحل. كان من المتوقع أن تكون مجرد أسطوانة ذات مقاومة هوائية عالية ومقدمة مفلطحة بدون أية قدرة على الرفع، بقطر 2.4 متر، وقاعدة واسعة ودرع حراري قابل للحت والتفتت لحماية الركاب من حرارة الدخول في الغلاف الجوي.

كانت القاعدة الواسعة ستحوي على نفاثات التحكم للتحرك ضمن المدار، والصواريخ الخلفية التي ستطلق المركبة في رحلة العودة، ومظلات للهبوط الآمن في البحر. وعلى مدى المهمة، كان الربان سيستلقي على ظهره على مقعد واسع، وكان سيرتدي بدلة ذات ضغط متحكم به على الرغم من أن الضغط داخل المركبة كان أيضاً متحكماً به، وذلك لمزيد من الأمان. وكان مع الطيار مجموعة من المعدات، مثل نظام التوجيه والتحكم الأساسي إضافة إلى وحدة طاقة ثانوية، ونظام القياسات والاتصال الصوتي.

تم تصميم “مِس” لمواجهة العوامل المجهولة في طيران البشر في الفضاء، والحد من قدرة رائد الفضاء على التحكم بالمركبة حفاظاً على سلامته، حيث لم يكن أحد راغباً بالمخاطرة بحياة الربان البشري في حال تبين أن حالة انعدام الوزن تسبب الضعف والدوخة. بطبيعة الحال، ازدادت قدرة الربان على التحكم في الرحلات اللاحقة، ولكن لم يتم منح الربان سيطرة حقيقية على المركبة إلا في المرحلة الثانية من البرنامج، “إرسال البشر إلى الفضاء بشكل راقٍ”(Man in Space Sophisticated- MISSOPH) والتي أطلق عليها اختصاراً “ميسوف”.

الوضعيات المختلفة للربان في مركبة “مِس” الفضائية
حقوق الصورة: سلاح الجو الأميركي

حدد موعد انطلاق الجزء الأول من مرحلة “ميسوف” في مارس من 1961، وذلك بإرسال رحلات روبوتية وحيوانية في مركبة فضائية أكبر للبقاء في الفضاء لفترة تصل إلى أسبوعين، وهو الوقت المتوسط اللازم للرحلة ذهاباً وإياباً إلى القمر. كانت هذه المركبة، إلى حد ما، نسخة أكبر من مركبة “مِس”، ولكنها كانت مزودة بباب ذي قفل هوائي لتسهيل التجول الخارجي في الفضاء. أما المرحلة الثانية، “ميسوف 2″، فقد استفادت من المعزز الصاروخي سوبر تيتان الذي يعتمد على مادة الفلور، وذلك للانطلاق إلى ارتفاعات كبيرة للغاية. وقد كان الهدف إطلاق المركبة إلى ارتفاع يزيد عن 64.37 ألف كيلومتر عن سطح الأرض، وذلك حتى تدخل الغلاف الجوي عند العودة بسرعة 10.66 كيلومتر في الثانية، وهي تقريباً نفس سرعة المركبة العائدة من القمر.

أما المرحلة الثالثة، “ميسوف 3″، فقد كانت أول مركبة تعطي الربان قدراً كبيراً من التحكم بفضل شكلها الجديد والثوري. وكانت مختلفة عن المركبات السابقة في أن جزئها الخلفي كان مسطحاً ومثلث الشكل ويشبه مركبة انزلاق هوائي، وذلك حتى يتمكن الربان من تنفيذ عمليات هبوط انزلاقية سلسة على مدرج طائرات.

كان من المقرر أن تستمر المركبة “ميسوف 3” بالعمل حتى بعد المرحلة المخصصة لها، والمساهمة في العديد من البعثات المدارية والقمرية، ولكن ليس قبل انطلاق المرحلة الثالثة للاستطلاع القمري (Lunar Reconnaissance- LUREC) ، والتي أطلق عليها اختصاراً “لوريك”. كان من المقرر إطلاق “لوريك” مع بداية مرحلة “ميسوف” في أبريل من 1960. وقد خصصت المرحلة الأولى، “لوريك 1″، لدراسة تفاصيل التتبع في الزمن الحقيقي بالاتصال مع المركبة الفضائية التي تحلق على بعد أكثر من 400 ألف كيلومتر. ومع استكمال نظام التتبع، صار من الممكن إطلاق بعثات المرحلة الثانية “لوريك 2” لاختبار نظام التوجيه الذي ستعتمد عليه المركبة للانطلاق نحو هدف يبعد مئات الآلاف من الكيلومترات. وأيضاً، قياس درجة الحرارة، والشدة الإشعاعية، وكثافة الغلاف الجوي حول القمر، وإرسال مجموعة من الصور التلفزيونية، بهدف مساعدة المسؤولين عن البعثة على اختيار عدد من الأماكن الآمنة للهبوط. وذلك باستخدام مجموعة من الأدوات العلمية على متن هذه المركبات غير المأهولة.

المركبة الفضائية “ميسوف 3”
حقوق الصورة: سلاح الجو الأميركي

بفضل المعلومات الجيدة عن البيئة القمرية، أصبح من الممكن للمرحلة “لوريك 3” تنفيذ أول هبوط هادئ على سطح القمر، وذلك باستخدام صواريخ عكسية لإبطاء هبوطها، وأرجل متداخلة الأجزاء للتخفيف من صدمة الهبوط. لقد كان من المهم الحفاظ على سلامة المركبة، وذلك لجمع بيانات حقيقية من أرض الواقع عن سطح القمر، بما في ذلك القياسات الصوتية والزلزالية من الأصوات الصادرة عن السطح.

باستخدام المعلومات التي تراكمت حتى هذه المرحلة، أصبح من الممكن إطلاق المرحلة النهائية، الرحلة القمرية المأهولة (Manned Lunar Flight- LUMAN) ، والتي سميت اختصاراً “لومان”، لإرسال مجموعة من البشر للهبوط على سطح القمر. تمحورت المرحلة الأولى، لومان 1، حول تنفيذ رحلات حول القمر في مايو 1962، وذلك لاختبار العتاد، والحواسيب، وأنظمة دعم الحياة. أما المرحلة الثانية لومان 2 فقد خصصت لتنفيذ نفس الرحلات، ولكن مع طاقم بشري. ووجهت لومان 3 لتنفيذ طيران غير مأهول، وتنفيذ هبوط هادئ على سطح القمر مع حمولة. أما المرحلة لومان 4، فقد خصصت نفس المركبة للهبوط على سطح القمر، ومن ثم الإقلاع عنه والعودة بشكل آمن إلى الأرض في أوائل 1963.

في هذه المرحلة، ستكون الاستعدادات قد استكملت لتنفيذ هبوط قمري مأهول، وهو هدف المرحلة لومان 5. وتتلخص هذه البعثة بهبوط ربان واحد بشكل هادئ على سطح القمر. وبعد ذلك، مغادرة المركبة من الباب ذي القفل الهوائي، واستكشاف سطح القمر بحرية بفضل البدلة ذات الضغط المتحكم به. ومن ثم العودة إلى المركبة الفضائية للانطلاق نحو الأرض، وتحقيق الهدف الرئيسي للبرنامج مع عودته إلى الأرض في 1965 تقريباً. أما البعثات اللاحقة، فسوف تركز على أهداف علمية وعسكرية أكثر أهمية وتعقيداً، مثل بعثتي لومان 6 و 7 حول القمر وعلى سطح القمر (بالترتيب)، مع معدات علمية أكثر تعقيداً.

عندما قُدّم المشروع في 1958، أشارت التقديرات إلى أنه سيكلف 1.5 مليار دولار منذ أولى البعثات غير المأهولة وحتى نهاية بعثات “لومان”. غير أن النجاح كان يعتمد على بضعة أشياء، وبالتحديد، الحصول على الأولوية وحرية التصرف في أية مصادر يحتاجها سلاح الجو لإطلاق البعثات في أقرب وقت ممكن. وكان من الضروري الحصول على هذه الأولوية بحلول 1 يوليو، 1958، وذلك منعاً للتأخير وحفاظاً على الجدول الزمني، حيث أن هذا التاريخ كان بعد تقديم العرض ببضعة أشهر فقط.

المخطط الداخلي لمركبة “ميسوف 3”
حقوق الصورة: سلاح الجو الأميركي

على الرغم من أن هذا البرنامج أكد على تحقيق العديد من النتائج الثانوية الهامة، مثل تحسين الاستطلاع، والاتصالات، وأنظمة الإنذار المبكر للحماية من هجمات الأعداء، فقد اعتبر هذا العرض من سلاح الجو طموحاً أكثر من اللازم. وتم تخفيضه للتركيز على مرحلة “مِس” التي يمكن تحقيقها بسرعة قبل محاولة مواجهة تحدٍ كبير مثل الهبوط القمري، وهو ما كان مناسباً تماماً. إضافة إلى هذا، فلم يكن هناك شك في قدرة سلاح الجو على شق الطريق نحو الفضاء. فقد اعتبر برنامج “إكس 15” مثالاً ناجحاً للاحتذاء به، وهو مشروع مشترك ما بين سلاح الجو الأميركي واللجنة الاستشارية الوطنية للطيران، حيث قامت اللجنة بتنفيذ معظم الأعمال الهندسية التفصيلية، على حين حصل طيارو سلاح الجو على المجد والشهرة بتنفيذ رحلات طيران تحطم الأرقام القياسية. وبالنظر إلى نجاح هذا المشروع، لن يكون التحليق في الفضاء أكثر صعوبة.

ولكن، ومن سوء الحظ بالنسبة لسلاح الجو، فقد استبق الرئيس أيزنهاور أي برنامج عسكري باتخاذ قرار بإنشاء وكالة فضاء مدنية، ناسا. وبعد سنة، كان برنامج “ميركوري” لناسا قد بدأ مع اختيار سبعة رواد فضاء لتنفيذ بعثاته. وأصبح اشتراك سلاح الجو في البرنامج محدوداً، وذلك بتقديم صواريخ أطلس، والدعم الأرضي، على حين تحول رواد الفضاء للوكالة الجديدة إلى أبطال وطنيين.

error: Content is protected !!