Reading Time: 5 minutes

خلال 1 ميللي ثانية، يستطيع محرّك بحث جوجل إظهار حقيقة حيّرت كثيرين من أهم مفكّري البشريّة: عمر الكون هو حوالي 14 مليار سنة (13.8 مليار سنة للدقّة). إن ثقة العديد من علماء الكون بهذا التقدير تزيد باستمرار. في أواخر شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نشر تعاون من الباحثين؛ الذين يعملون باستخدام تلسكوب «أتاكاما الكوني» في تشيلي، تقديرهم الأحدث لعمر الكون؛ وهو يساوي 13.77 مليار سنة، زائد أو ناقص بضع عشرات من ملايين السنين. هذا التقدير يطابق تقدير مهمّة بلانك؛ وهي تتضمّن قمراً صناعياً أوروبياً قام بأرصاد مشابهة بين عامَي 2009 و2013.

القياسات الدقيقة التي قام بها تلسكوب أتاكاما ومهمّة بلانك تأتي بعد أكثر من ألفيّة من مراقبة البشر للسماء، والتساؤل عن أصل الكون. بطريقة ما، بعض الأوليّات؛ التي لا تتجاوز أعمارها الوسطية قرناً واحداً، استطاعت فهم أحداث وقعت قبل عصور من تشكّل كوكب الأرض، وتمكّنت حتى من فهم الذرّات التي يتألّف منها كوكبنا. إليكم بسردٍ مختصر للطريقة التي اكتشف فيها البشر عمر الكون.

تلسكوب أتاكاما الكوني في صحراء تشيلي

تلسكوب أتاكاما الكوني في صحراء تشيلي – مصدر الصورة: Till Niermann/ ويكيميديا كومنز

العصور القديمة: بداية الخَلْق

كل ثقافة لها أساطير الخلق الخاصّة بها. على سبيل المثال، اعتقد البابليّون أن السماوات والأرض نُحتتا من جثة إله ميّت، لكن لم تحدد إلّا قلة من الأنظمة العقائديّة بداية الوجود (إحدى الاستثناءات هي الهندوسيّة؛ والتي تنص على أن الكون يتشكّل من جديد كل 4.3 مليار سنة، وهذا رقم ليس بعيداً عن عمر الأرض الحقيقي).

الفكرة التي سادت- على الأقل في الغرب- نشأت عند الفلاسفة اليونانيين، وكانت بالحقيقة ارتداداً على الأفكار العلميّة نوعاً ما. في القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد، أفلاطون وأرسطو وفلاسفة آخرين اعتمدوا فكرة تنصّ أن الكواكب والنجوم توجد في كرات سماوية تدور بشكل أبديّ، وخلال الألفيّة التاليّة أو نحو ذلك؛ لم يتوقّع إلا قلة أن للكون عمر إطلاقاً.

من القرن السابع عشر إلى بداية القرن العشرين: نهاية اللّانهاية

اكتشف الفلكي «يوهانس كيبلر» في 1610 أن إحدى الثغرات الأساسيّة في علم الكون؛ المستوحى من الفلاسفة اليونانيين، كانت أمام أعين العلماء طيلة الوقت. إذا احتوى كون أزليّ على عدد لا منته من النجوم- كما اعتقد الكثيرون- لمَ لمْ تملأ هذه النجوم الكون بضوءٍ ساطع؟ عتمة السماء- كما حاجج كيبلر– تشير إلى أن كوننا منتهٍ؛ تنضب منه النجوم في النهاية.

الصراع بين فكرة كيبلر ومفهوم الكون اللامنتهي أصبح يُعرف بـ «مفارقة أوبلر»، وسميت نسبة لـ «هاينريش أوبلر»؛ وهو فلكي روّج هذه المفارقة في 1826. إحدى النسخ المبكّرة من الحل الحديث لمفارقة أوبلر طُورت على يد الشاعر «إدجار آلان بو»؛ الذي تكهّن في قصيدته النثريّة «يوريكا» أن الليل موجود لأن الكون ليس أزلياً. كانت هناك بداية للكون، ولم يمضِ ما يكفي من الوقت منذ ذلك الحين حتّى تضيء النجوم السماء بشكلٍ كامل.

القرن العشرين: أفكار بدأت في الظهور عن الكون المبكّر والمعاصر

استغرق رواج حل مفارقة أوبلر بعض الوقت. عندما بيّنت نظريّة آينشتاين في الجاذبية أن الكون يتمدد أو يتقلّص على الأرجح مع الوقت في 1917، أضاف آينشتاين حدّاً إلى معادلاته؛ وهو «الثابت الكوني»، ليتمكّن من وصف الكون على أنّه ساكن (مما يجعله كوناً أزلياً).

في نفس الوقت، جلبت التلسكوبات الكبيرة صوراً أوضح للمجرّات الأخرى إلى أعين الفلكيين؛ مما ولّد نقاشاً حاداً حول ما إذا كان الفلكيون ينظرون بالحقيقة إلى «أكوان بعيدة منفصلة»، أو عناقيد قريبة من النجوم داخل مجرّة درب التبّانة. حسمت عينَا «إدوين هابل» الحادّتين النقاش في أواخر عشرينيّات القرن الماضي؛ حيث قاس المسافات بين المجرّات لأول مرّة، ووجد أن المجرّات ليست فقط أجساماً هائلة الحجم وبعيدة، بل تبتعد أيضاً عن بعضها البعض.

لقد تَبيّن أن الكون يتوسّع بالفعل، واستنتج هابل أن معدّل التوسّع هذا يساوي 500 كم كل ثانية لكل ميجا فرسخ فلكيّ؛ وهو معدّل ثابت سمّي «ثابت هابل» نسبة له. مع التأكّد من توسّع الكون، حصل الفلكيّون على وسيلة فعّالة تساعدهم على النظر في الزمن إلى الوراء، وتقدير الوقت الذي بدأ فيه الكون بالتوسّع. بيّن عمل هابل الذي أُنجز عام 1929 أن الكون يتوسّع بمعدّل يجعل عمره يساوي تقريباً 2 مليار سنة.

يقول «دانييل سكولنيك»؛ وهو عالم الكونيّات في جامعة دوك: «معدّل التوسّع يخبرنا بالسرعة التي يمكننا بها إعادة إرجاع شريط تاريخ الكون؛ مثل أشرطة الفيديو المنزلية القديمة. إذا كانت سرعة الإرجاع أكبر، فهذا يعني أن الفيلم أقصر».

لكن قياس المسافات التي تفصلنا عن المجرّات البعيدة ليست عملية سهلة، وقد طوّر الباحثون طريقة أبسط عام 1965 عندما رصدوا ومضات خافتة من الموجات الميكروية؛ آتية من جميع الاتّجاهات في الفضاء. تنبّأ علماء الكونيّات بوجود مثل هذه الإشارات من قبل؛ إذ أن الضّوء المنبعث بعد مئات آلاف السنين من ولادة الكون سيتمدّد بسبب توسّع الفضاء إلى أطوال موجيّة أكبر، وعن طريق قياس خواص هذا الإشعاع؛ المدعو «إشعاع الخلفية الكونيّة الميكروي»، استطاع الفلكيون أخذ صورٍ للكون الشابّ، واستنتجوا حجمه ومكوّناته في مراحله المبكّرة. يمثّل هذا الإشعاع دليلاً لا جدال فيه أنه للكون بداية محدّدة.

كتب الفيزيائي «ستيفن واينبرغ»؛ الحائز على جائزة نوبل، في كتابه بعنوان «الثلاث دقائق الأولى»؛ الذي كتبه عام 1977: «أهم ما نتج عن الاكتشاف النهائي لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي عام 1965؛ هو إجبارنا على أخذ فكرة وجود مرحلة مبكّرة من عمر الكون بشكل جديّ».

من 1990 إلى الوقت الحالي: زيادة دقّة الحساب

منحت إشعاع الخلفية الكوني الميكروي العلماء القدرة على قياس كتلة الباريونات في الكون بدقة

منح إشعاع الخلفية الكونية الميكروي علماء الكونيّات وسيلة لتقدير كِبر الكون في لحظة مبكّرة من الزمن؛ مما ساعدهم في حساب حجمه ومعدّل توسّعه اليوم. يشبّه سكولنيك هذه العمليّة بملاحظة أن طول ذراع طفل هو 30 سم كما تبدو في صورة قديمة، ومن ثم تقدير طول الطفل وسرعة نموّه عند وصوله إلى سن المراهقة. هذه المنهجيّة منحت الباحثين طريقة جديدة لقياس المعدّل الحالي لتوسّع الكون؛ والذي اتّضح أنّه أبطأ بحوالي 10 مرّات من السرعة التي حسبها هابل (500 كم كل ثانية لكل ميجا فرسخ فلكي)؛ مما دفع لحظة الخلق الكونية خلفاً في الزمن . في تسعينيّات القرن الماضي، تراوحت تقديرات عمر الكون بين 7 و 20 مليار سنة.

سعت العديد من الفرق البحثية؛ عن طريق بذل جهود مضنية، إلى زيادة دقّة أفضل تقدير في علم الكونيّات لمعدّل توسّع الكون. بيّنت أرصاد المجرّات؛ التي تمّت عن طريق تلسكوب هابل عام 1993، أن ثابت هابل يساوي 71 كم كل ثانية لكل ميجا فرسخ فلكي؛ مما ضيّق مجال عر الكون ليصبح من 9 إلى 14 مليار سنة.

ثم في 2003، سجّلت مركبة «دبليو إم إيه بي» الفضائيّة خريطة بتفاصيل أكثر دقّةً لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي. بالحصول على هذه البيانات؛ حسب علماء الكونيّات عمر الكون، وتبيّن أنه يساوي 13.5 إلى 13.9 مليار سنة. بعد حوالي عقد من الزمن، قاس القمر الاصطناعي لمهمّة بلانك عمر الكون بدقّة أكبر؛ مما بيّن أن ثابت هابل يساوي 67.66 كم في الثانية لكل ميجا فرسخ فلكي، وعمر الكون يساوي 13.8 مليار سنة. أظهرت القياسات المستقلّة الجديدة لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي التي أجراها تلسكوب أتاكاما نفس الأرقام تقريباً؛ مما زاد من ثقة علماء الكونيّات بأنّهم يعلمون ما يفعلونه.

يقول «سيمون آيولا»؛ وهو عالم كونيّات في معهد «فلاتيرون» وعضو في فريق استخدام تلسكوب أتاكاما، في خبر صحفي: «الآن وصلنا إلى إجابة يتّفق عليها فريق تلسكوب أتاكاما ومهمّة بلانك. هذا يعني أن هذه القياسات الصعبة يمكن الوثوق بها».

التالي: صراع كونيّ

مع ازدياد دقة الأرصاد عن الكون المبكّر والمعاصر؛ بدأت هذه الأرصاد تتعارض. على الرغم من أن الدراسات المبنيّة على صور إشعاع الخلفية الكونية الميكروي تبيّن أن ثابت هابل يقترب من 70 كم كل ثانية لكل ميجا فرسخ فلكي، إلا أن قياسات المسافات بين المجرّات حالياً؛ والتي يقارنها سكولنيك بصورة شخصيّة كونيّة، تبيّن أن معدّلات توسّع الكون تنحصر بين الـ 70 والـ 75 كم كل ثانية لكل ميجا فرسخ فلكي. شارك سكولنيك في إحدى دراسات المسح؛ التي وصلت إلى نتائج مشابهة عام 2019، وفي أوائل شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، وصل قياس آخر مبني على سطوع المجرّات المختلفة إلى استنتاج مشابه أيضاً؛ وهو أن الكون المعاصر يتوسّع بتسارع.

إذا سلّمنا بصحّة هذه القياسات؛ فإن المعدّلات الأكبر التي وصلت إليها هذه الفرق، تعني أن عمر الكون أقل بحوالي مليار سنة من العمر المعروف؛ الذي يساوي 13.8 مليار سنة، والذي يتّفق عليه فريقي تلسكوب أتاكاما ومهمّة بلانك.

إمّا ذلك أو أن التعارض في القياسات يشير إلى أن هناك شيء ما أعمق مفقود من الصورة التي شكّلها علماء الكونيّات عن الكون. محاولة التوفيق بين القياسات القديمة والحديثة لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي يتطلّب افتراضات حول المادّة المظلمة والطّاقة المظلمة غير المفهومتين بشكل جيّد، كما أن حقيقة أن قياسات ثابت هابل متضاربة؛ قد تشير إلى أن حساب العمر الحقيقي للكون سيتطلّب أكثر من مجرّد إرجاع شريط تاريخه.

يقول سكولنيك: «أنا لست متيقّناً من الطريقة التي نستنتج بها عمر الكون»، ويضيف: «لا أقول بأنّها خاطئة، لكنّي لا أستطيع أن أقول أنّها صحيحة».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.