Reading Time: 12 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


غيرت جائحة فيروس كورونا كيف ومتى وأين نعمل؟ وما زال هناك تغييرات أخرى قد تطرأ لاحقاً. لقد بات مسؤولو الصحة يدركون أكثر الطرق التي ينتقل بها فيروس كورونا، وأصبح جلياً أن مكاتبنا ووسائل النقل وحتى المصاعد يمكن أن تساهم في انتشار الفيروس، لكن ما تزال حماية الناس من الفيروس أثناء أداء أعمالهم اليومية -مثل دفع الفواتير أو أثناء الاجتماعات- تمثل تحدياً صعباً، وما زلنا إلى الآن في بداية الطريق في مواجهة التحديات الجديدة التي أوجدتها الجائحة.

في الولايات المتحدة، أصبح يوم العمل النموذجي مختلفاً جذرياً عما كان عليه في فبراير/ شباط الماضي؛ فقد ارتفعت نسبة الموظفين العاملين بدوام كامل عن بُعد من 5.2% قبل الوباء إلى حوالي 50% في ذروة التفشي في مايو/ آيار الماضي، وأصبحت الضغوط على العاملين الذين اضطروا للعمل من المنزل للحفاظ على سلامة الآخرين أكبر. فبات عليهم العمل لتسليم مهامهم في الموعد المحدد، والعناية بالأطفال والحيوانات الأليفة، والتعامل مع التوتر العاطفي الناجم عن الخسائر الكبيرة للجائحة.

لكن ماذا بعد ذلك؟ تحدثنا مع خبراء في الإدارة والتصميم والعلوم المعرفية حول اتجاهات تصميم مكان العمل في الماضي القريب والمستقبل، وكيف يمكن أن تسهم التغييرات الجديدة في عودتنا إلى الوضع الطبيعي مجدداً.

كيف يبدو المكتب الصحي في ظلّ الجائحة؟

مكاتب العمل بعد كورونا

المكاتب المفتوحة غير منتجة وغير صحية – مصدر الصورة: مارك مولر

ربما يكون عدد الأشخاص العاملين المسموح بتواجدهم في مكانٍ واحد في المكتب في مختلف الأوقات؛ هو أكبر تغيير طارئ. على سبيل المثال، ووفقاً لدورية «بيزنس انسايدر»، بالرغم من تصريحات شركة فيسبوك حول الانتقال إلى العمل عن بعد في المستقبل، إلا أنها بدأت في استدعاء عمال محددين بعد الرابع من يوليو/ تموز للعمل من مكاتب الشركة، لكن الموظفين يعملون في مناوبات مختلفة لضمان بقاء المبنى مشغولاً في حدود 25% فقط من طاقته الاستيعابية. وحتى الموظفون الموجودون في المبنى، عليهم ممارسة التباعد الاجتماعي في مكان العمل، كما وُضعت قيود على عدد الأشخاص المسموح به في الاجتماعات، واقتصر دور الكافيتيريا على تسليم الطعام فقط، ومُنع تناول الطعام المشترك، كما أصبحت المكاتب متباعدة مترين عن بعضها البعض على الأقل. بكلامٍ آخر؛ لن تبدو مكاتب الموظفين كما كانت في السابق لبعض الوقت.

للحد من انتشار كوفيد-19، يفكر رؤساء العمل في جميع أنحاء البلاد في إستراتيجيات جديدة، مثل تحقق التباعد الاجتماعي في المصاعد، وتحديث شبكة ساحبات الهواء، وحتى تركيب الحواجز الصحية بين المكاتب. ووفقاً لشركة الأبحاث التجارية «انترناشيونال داتا كوربوريشن»، تبلغ قيمة تطبيقات الهاتف الذكية التي يفكر باستخدامها رؤساء العمل لتتبع نشاط موظفيهم حوالي 4 مليارات دولار. ووفقاً لنيويورك تايمز، فمن المرجّح أن تصبح ردهة اللوبي في المستقبل مشابهة لـ «نقطة تفتيش أمنية بالمطار» مع تزايد عدد الأدوات والتقنيات الجديدة، مثل تقنيات التعرف على الوجوه وتقنيات الفحص عن بعد وغيرها، مما سيخلق نوعاً مشابهاً لقائمة «حظر الطيران». ومع هذا الاتجاه، يتزايد عدد الأدوات والأدوات الجديدة المتاحة والمقترحة كل يوم في الوقت الذي تتسابق الشركات الناشئة المهتمة بالتعقيم والسلامة بتلبية الطلب المتزايد عليها.

بالرغم من التحديات، يمكن أن تُؤدي بعض التغييرات المرتبطة بالجائحة لظهور ابتكاراتٍ جديدة طال انتظارها في تصميم المكاتب، فقد وجدت «أنيا جامروزيك»، العالمة المعرفية ومستشارة الأبحاث التي تدرس تحسين تجربة الناس في البيئات المادية والرقمية، أنه يمكن لأشياء صغيرة، مثل العمل في ضوء النهار غير المباشر والمنظر الجيد أمام المكتب، بالإضافة إلى النوم الكافي والحالة الوجدانية خارج العمل، يمكن لها أن تحدث فرقاً كبيراً على رفاهية الناس أثناء العمل.

تقول جمروزيك: «على سبيل المثال، يعاني الكثير من الضوضاء أثناء العمل، مما يؤدي لفقدان تركيزهم. ففي حين أن قلة من الموظفين فقط تتمتّع بمساحةٍ هادئة للعمل (مع ذلك، هناك فئة من الموظفين تنسجم مع أصوات الضجيج في الخلفية)، فإن وجود فائض من هذه الأصوات، وخاصة المحادثات شديدة الوضوح، تزعج الكثيرين». وفي هذا السياق، تجاهلت تصاميم المكاتب الشعبية هذه غالباً الاحتياجات الأساسية. تقول جمروزيك: «انتقل تصميم العديد من المكاتب إلى مفهوم المكتب المفتوح هذا، حيث لا توجد مناطق متخصصة، والناس عموماً غير راضين عن ذلك».

وكتب «كايل تشيكا» في دورية نيويوركر: «من الناحية التاريخية، يمكن فهم الكثير من العمارة الحداثية في إطار الخوف من المرض والحدّ منه، فقد صُممت مصحّات السل في أواخر القرن التاسع عشر لتعظيم الهواء النقي وضوء الشمس فيها من خلال تصاميم داخلية بسيطة، حيث اعتقد الأطباء حينها أنها عوامل تساهم في شفاء المرضى. وبدورنا، قمنا بتصميم منازلنا ومكاتبنا بشكلٍ يشبه المصحات مع نوافذ كبيرة توفر أكبر قدرٍ من الإضاءة للمساحة الداخلية. لكن مالت تصاميم مكاتب العمل فيما بعد إلى الاعتماد على الفعالية من ناحية التكلفة، فزادت المكاتب الطابقية المفتوحة على بعضها البعض، والتي تسمح بزيادة عدد العمال ضمن نفس المساحة، على حساب المكاتب الخاصة. يضع المصممون الآن طرق انتقال العدوى في اعتبارهم مجدداً، لكن فيروس كورونا وطرق انتقاله يتطلب شيئاً مختلفاً».

في الواقع، لقد رُوّج لتصاميم المكاتب المتجاورة والمفتوحة منذ فترةٍ طويلة على أنها وسيلة تشجع التعاون بين الموظفين، لكن الدراسات تشير إلى أن لها تأثيراً معاكساً بالفعل، حيث تنخفض التفاعلات وجهاً لوجه في المساحات المفتوحة، لتحل محلها التفاعلات الإلكترونية، مثل البريد الإلكتروني أو الرسائل الفورية. تسهم هذه التصاميم، لعدم توفيرها التباعد الإجتماعي، بانتشار فيروس كورونا في الوقت الحالي. ومع توجه الشركات لإعادة النظر في ممارساتها التقليدية من هذه الناحية، يقول الباحثون أن الفرصة متاحة للتفكير في التعقيم والنظافة، وفي إرضاء الموظفين.

ما هي شروط مكان العمل؟

مكاتب العمل, كورونا

قد يصبح العمل من المنزل هو القاعدة – مصدر الصورة: مايكي هاريس

منذ أوائل السبعينيات تقريباً، عندما طرح المهندس السابق في ناسا «جاك نيلز»، مصطلح «العمل عن بُعد»، ترقب الموظفون بفارغ الصبر أن يتم تطبيق ذلك على نطاق واسع في المستقبل، ويبدو أن الجائحة الحالية ربما تجعل هذا الحلم حقيقة الآن. فكل من يستطيع العمل من المنزل يقوم بذلك الآن، وحتى عندما يكون الوضع آمناً للعودة، يقول 53% من الأميركيين أنهم مترددين في العودة إلى المكتب بدوامٍ كامل.

يقول «تيموثي جولدن»، الأستاذ في معهد «رينسيلار بولي تكنيك»، والذي يدرس العمل عن بعد منذ 20 عاماً: «في البداية، كان العمل عن بُعد مرتبطاً بتقليل عبء التنقل على الموظفين ومجتمعاتهم من خلال إبعاد الناس عن أنظمة النقل المرهقة، لكن الناس أحبوا هذه الفكرة لأسباب أخرى. حيث يمكن أن تساعدهم هذه السياسة في ممارسة هواياتهم المفضلة وتنظيم أوقات فراغهم أكثر، ويمكن أن تجعل أعمالاً أخرى مثل رعاية الأطفال والمسنين أسهل وأبسط رغم صعوبة الموازنة بين هذه المسؤوليات دائماً، خصوصاً عند إغلاق المدارس. كما بات العمل من المنزل هذه الأيام أسهل مع ظهور الهواتف الذكية ومع ظهور تطبيقات العمل التي سهلت ذلك».

ويضيف جولدن: «باتت الكثير من الشركات تتبع شكلاً من أشكال هذه السياسة ومن الصعب أن تجد شركة لا تعتمدها. إن العمل عن بعد هو إشارة للموظفين من شركاتهم ليقولوا لهم أنهم يهتمون بهم، ويرغبون بتلبية احتياجاتهم ورغباتهم والحفاظ على سلامتهم». لقد أظهر الباحثون في إحدى الدراسات أن إتاحة الخيار أمام العاملين للعمل عن بعد يزيد مشاركتهم وتفاعلهم مع شركتهم، وبالتالي يحفّز الموظف على العمل والالتزام بنجاحه ونجاح شركته أيضاً.

لكن العمل عن بعد يمكن أن يكون سيفاً ذو حدين. فقد يمنح الموظفين توازناً أفضل بين العمل والحياة، لكن جولدن يقول: «يتطلب ذلك من الموظفين أيضاً إدارة بيئتهم المنزلية بعناية، والالتزام بروتينٍ صارم. يجب أن يبدأ وينتهي العمل كل يوم في وقتٍ محدد، وإلا سينتهي بك الأمر إلى الإرهاق». في الواقع، ما يزال الموظفون بحاجةٍ إلى إيجاد طريقة للتواصل مع زملائهم افتراضياً من أجل إقامة علاقات عمل وظيفية، وخلق إحساس بالتآلف فيما بينهم. كما يحتاج العاملون من المنزل إلى مساحة منفصلة مخصصة للعمل، مهما كانت صغيرة. من الناحية المثالية، يخلق ذلك بعض الشعور بالانفصال عمن يشاركك في المنزل (بما في ذلك الزوج أو الأطفال)، ويؤدي إلى حجب عوامل التشتت مثل التلفزيون.

ربما لن ينجح العمل عن بعد بالنسبة للجميع على المدى الطويل؛ فالبعض يقوم بعمله أفضل إذا كان في المكتب، والبعض الآخر يشعر بالوحدة في المنزل، وبعض الوظائف -مثل مصممي الأجهزة ومديري العمليات والذين عادوا بالفعل إلى مكاتب شركة فيسبوك– تتطلب التواجد في المكتب شخصياً.

ولكن بالنسبة لتلك الشركات التي ستستمر في تشغيل موظفين عن بُعد، يقول جولدن: «ستكون سياسات العمل عن بُعد الرسمية وبرامج التدريب على العمل عن بُعد لمساعدة الأشخاص على وضع تلك السياسات موضع التنفيذ ضرورية. حيث يحتاج المدراء، لمنع تشويش وإرهاق العاملين، إلى العمل مع المسؤولين على تطوير اتفاقيات وأنظمةٍ مكتوبة تحدد، من بين أمورٍ أخرى، متى يكون الموظفون متاحون، ومتى لا يكونون كذلك☼.

كيف يمكننا إعادة تنظيم أسبوع العمل؟

مكاتب العمل, كورونا

إذا لم تكن بحاجة إلى التنقل، فقد يبدو أسبوع عملك مختلفاً تماماً – مصدر الصورة: إريك بروزيت

لطالما كان أسبوع العمل في الولايات المتحدة عرضة للتغير باستمرار، ولكن مع صعوبة التنقّل التي فرضتها جائحة فيروس كورونا، سيكون أكثر عرضة للتغيير. قبل الوباء، كانت القليل من الشركات توفر المرونة الكاملة. في عام 2018 على سبيل المثال، قامت «إيريكا كوسلور»، محاضرة مشهورة في التسويق والإدارة في جامعة ملبورن، وزميلها «إدوارد هيات» بنشر نتائج بحثٍ يتناول تحليلاً لكيفية استجابة موظفي الحكومة في الولايات المتحدة لبرنامج عملٍ تجريبي مدته 3 أشهر عملوا فيه 4 أيامٍ في الأسبوع، ولكن لمدة 10 ساعاتٍ متواصلة في اليوم. وجد الباحثان أن 65% من الموظفين كانوا راضين بشكلٍ عام عن الوضع. ولكن بالرغم من النتائج الإيجابية للدراسة على الموظفين، إلا أن الأمر قد يعود بنتائج سلبية عليهم على المدى الطويل. تقول كوسلور: «كان الجميع يعاني من الإرهاق، وبدا أن الموظفين يميلون لأخذ إجازاتٍ مرضية أكثر في نظام 4/10، أي العمل 4 أيامٍ لمدة 10 ساعات يومياً في الأسبوع».

وتتفق نتائج هذه الدراسة مع نتائج الأبحاث السابقة. ففي عام 2008، وجد باحثون في جامعة بريغهام يونغ أن الموظفين أفادوا بأنهم يشعرون بمزيد من الإنتاجية وفقاً لنظام 4/10 ، وبات لديهم مشاكل في العمل والأسرة أقل من أولئك الذين استمروا بالعمل على النظام التقليدي. إلا أن العاملين الذين لديهم جدول أعمالٍ ممتلئ لم يشهدوا أي تغيير حقيقي في رضاهم الوظيفي العام، والذي يُعد أحد الأهداف الأساسية للشركات عند تغيير جداول العمل الزمنية عادة.

لا يزال الباحثون غير متأكدين من سبب استمرار هذا الانفصال، ولكن قد يرتبط جزء منه بشعور الموظف بالسيطرة على وقته. كان الموظفون في دراسة كوسلور «مُجبرون على التحلّي بالمرونة» على حد تعبير شبكة إيه بي سي الأسترالية؛ فقد قررت شركاتهم اتباع نظام عملٍ أسبوعي مضغوط بدلاً من تمكين الموظفين من إنشاء جدولٍ زمني مرن فعلياً بأنفسهم. ثم عندما شعر الموظفون أن مدرائهم قد قاموا بعمل جيد في نقلهم إلى روتين جديد -كما تشير كوسلور- كانوا أكثر تقبلاً للبرنامج.

تعتقد كوسلور أن ساعات العمل المرنة يمكن أن تخفف بعض هذه المشكلات بالفعل. فوفقاً لمؤسسة جالوب، فإن الموظفين الذين يقضون 3 إلى 4 أيام في الأسبوع في العمل خارج المكتب هم الأكثر تفاعلاً وإنتاجية، وغالباً ما يكون لهم بصمة بيئية أقل، وقد يكونون أكثر صحة من الموظفين الذين يعملون بشكلٍ صارم لمدة 8 ساعات في اليوم؛ فقد أظهرت 4 دراساتٍ على الأقل تحسناً في مستويات ضغط الدم ونوعية النوم والدعم الاجتماعي بين الموظفين الذين لديهم جداول عملٍ زمنية مرنة.

لكن نظام العمل المرن ليس حلاً سحرياً للمشاكل. يميل الموظفون في الواقع إلى العمل أكثر عندما يتحكمون في جدول أعمالهم الزمني، ويعتقد «هيجونغ تشانغ»، عالم الاجتماع في جامعة «كنت» والذي أجرى بحثاً عن هذه الظاهرة، بأن ذلك قد يمثل حالةً من نظرية «تبادل المنح»، حيث ينظر الموظفون إلى وقت العمل المرن كهديةٍ من صاحب العمل، ويريدون رد الجميل بالعمل الجاد والتفاني. ومن الممكن أيضاً عندما لا يكون الموظفون في نفس الغرفة مع رئيسهم أثناء وقت العمل، فإنهم يجدون طرقاً أخرى -قد تكون مدمرة- لتعويض ما يعتبرونه حقاً لهم في الراحة. حيث يربط الباحثون ثقافة العمل هذه بالقلق والاكتئاب والتوتر.

ولكن إذا كانت الشركات شفافة في سياساتها وبإمكان العاملين فيها طلب الدعم، واختيار طريقة العمل التي تناسبهم، فقد تؤدي الجائحة الحالية إلى جعل العمل عن بعد، والذي حلم به الأميركيون لعقود، واقعاً بالنسبة للكثير.

ما هو مبرر الإجازة إذا لم يكن لديك مكانٌ لتذهب إليه؟

مكاتب العمل, كورونا

أصبح السفر لقضاء إجازة على الشواطئ أكثر صعوبة الآن – مصدر الصورة: إيثان روبرتسون

كان الأميركيون دائماً مقلين إلى حدٍ كبير في أخذ الإجازات. ففي عام 2018 لوحده، تخلى الأميركيون عن 768 مليون يوم إجازةٍ مدفوعة الأجر، ويحدث ذلك في دولةٍ متقدمة لا تُلزم أصحاب العمل بتقديم إجازاتٍ مدفوعة الأجر لموظفيها في المقام الأول. وتتفاقم هذه المشكلة أكثر في ظلّ الجائحة الحالية، فحتّى لو أخذ العمال إجازاتهم، فليس لديهم مكان يقضون إجازتهم فيه.

قد يبدو منح الموظفين إجازة غير محدودة، كما فعلت شركة نتفليكس عام 2004، طريقة جيدة لتشجيع أخذ الإجازات بشكل أو بآخر. لكن «كينيث ماتوس»، كبير مديري الأبحاث في معهد «فاميليز آند وورك»، يشكك بنجاح هذه الطريقة، وقد قال لموقع «ثينك بروغرس» عام 2015: «هناك الكثير من الأسئلة التي تطرحها الإجازات المفتوحة. كم فاتك، هل يمكن أو ينبغي أخذ المزيد، وما هو المعيار لأخذ الإجازة المفتوحة؟ في الواقع، يتجاوز الأمر قدرتك العاطفية كثيراً على إدارة وقتك مقابل المطالب المفروضة عليك في وظيفتك».

في عام 2017، نشرت شركة الموارد البشرية «ناملي» تقريرها السنوي بعنوان «ميثباسترز»، والذي شمل تحليلاً للبيانات من 125 ألف موظف لتقييم مدى صدقية الدراسات والاستطلاعات والوعود التي تتحدّث عن تطوير آفاق العمل في البلاد. أفاد التقرير أن الموظفين أخذوا إجازاتٍ مدفوعة الأجر في ظلّ خطط العمل غير المنظمة. ويعزو باحثو الأعمل سبب ذلك إلى ما يُعرف بـ «العبء المعرفي الذي يعاني منه الموظف عند توفر العديد من الخيارات الجيدة أمامه». كان لهذه السياسة الفضفاضة جوانب سلبية أيضاً؛ حيث لا يحصل الموظفون في هذه الخطط عن تعويضٍ عادة عن أيام الإجازات غير المُستخدمة إذا تركوا شركاتهم.

عندما أنشأ «روبرت سويني»، متعهد الأعمال ومهندس البرمجيات السابق في نتفلكس، شركته الخاصة «فاست»، والتي تعمل على ربط العاملين في مجال التكنولوجيا بأصحاب العمل، قرر اتباع مقاربةٍ مختلفة. فبدلاً من سياسة الإجازة غير المحدودة، فرضت الشركة على كلّ موظف أن يأخذ 5 أسابيع (25 يوماً) كإجازةٍ في الحد الأدنى كل عام. فإذا احتاجو إلى المزيد، يمكنهم التفاوض مع مديرهم. لكن بطريقةٍ أو بأخرى، كما يقول سويني، يتعيّن عليهم تحقيق الحدّ الأدنى، حتى في ظل الجائحة الحالية. وقد نحت العديد من الشركات في هذا الاتجاه في إلزام الموظفين بالإجازات الإلزامية، مثل «بافر» و«بالزاميج»، و«أثينتك جوبز»، إلا أن الفكرة لم تصبح شائعة بعد.

لا تزال سياسة شركة فاست في بداياتها، لكن سويني يقول إنه يأمل في رؤية العديد من التغييرات الرئيسية. فهو يريد أن يتمتع موظفوه بصحة جيدة وبالقدرة على الإبداع دائماً، والحرص على ألّا يبالغ المدراء في ضغط الجدول الزمني للأعمال الموكلة للموظفين، وأن الموظفين لا يعتمدون كلياً على مدرائهم لتحقيق التوازن بين العمل والحياة، ويأمل في تقليل إرهاقهم. وبذلك، ومن خلال خلق بيئة يشعر فيها الجميع بالراحة والاستعداد للعمل، يعتقد سويني أن الموظفين سيكونون أكثر ميلاً للتفاني في العمل والاستمرار فيه.

في الواقع، لقد أصبح استغلال أيام الإجازات أصعب من السابق في ظل الجائحة الحالية التي أعاقت السفر لمسافات طويلة. لكن لا يتعين عليك السفر إلى شاطئٍ بعيد مثلاً كي تستمتع بإجازتك. فبدلاً من تكديس أيام الإجازات على أمل أن يعود كل شيء إلى طبيعته يوماً ما، سيكون من الأفضل للموظفين استخدام وقت الإجازة في الرحلات الصغيرة، وممارسة هواياتهم والقيام بأعمال المنزل وتحسينه.

كما تشير الأبحاث إلى أن أخذ إجازةٍ لبضعة أيام يمكن أن تساعدك على تعويض النوم وتحسين الذاكرة، وتنظيم ضغط الدم والجلوكوز، والأهم من ذلك، تجنب الإرهاق. ليس ضرورياً أن تقضي إجازتك في الاستجمام في جزر الباهاما، ولكن قضاء بعض الوقت في الاسترخاء في المنزل أو حتى ممارسة ألعاب الفيديو يمكن أن يوفر فترة مُستحقةً من الراحة بعيداً عن ضغوط العمل عن بعد.

ما الامتيازات التي تجعل الناس سعداء بالفعل؟

مكاتب العمل, كورونا

ليس هناك فائدة من الوجبة المجانية أو مساحات الاستراحة إلا إذا عملت من المكتب

بالنسبة للعديد من العاملين في مجال التكنولوجيا، كان مكان العمل ما قبل الجائحة بمثابة أرض العجائب. كانت تتوفر لهم إمكانية ممارسة لعبة الجولف المصغرة، وغسيل الملابس في الموقع، وتناول أفضل أنواع الأطعمة التي يعدها الطهاة المحترفون، ناهيك عن أفخر المشروبات. كانت هذه المزايا متوفرة بالفعل في شركاتٍ مثل لينكد إن وجوجل ودروبكس لإغراء الموظفين المهرة. لكن التخلي عن هذه الميزات لم يكن بالشيء السيئ في الماضي.

حتى مع تزايد شيوع الامتيازات التي تقدمها الشركات لجذب الموظفين على مدى العقود القليلة الماضية، ظلّ العديد من الأميركيين غير راضين عن وظائفهم. فوفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة جالوب عام 2018، أفاد 34% من الموظفين فقط أنهم «يشاركون بنشاط» في عملهم، بينما أظهر 13% انفصالهم عن العمل، وكانت النسبة الباقية في مكانٍ ما بينهما.

يقول «نيل دوشي»، المؤلف المشارك لكتاب بعنوان «كيفية بناء أعلى الثقافات أداءً من خلال علم التحفيز الكلي»، والذي يقدم إستراتيجاتٍ لاستخدام علم النفس البشري لبناء ثقافات مكان العمل عالية الأداء: «ليس من المفاجئ أن الامتيازات لم تزيد من الأداء أو المشاركة. في الواقع، يستخدم معظم القادة أشكالاً مختلفة من سياسة العصا والجزرة لخلق الحافز لرفع الأداء، كالأساليب التقليدية مثل علاوات الأجر (الجزرة) أو التهديد بالفصل بسبب السلوك السيئ (العصا). كما يمكن أن تشمل مفاهيم أكثر حداثة، مثل دفع الموظف للشعور بالذنب بشأن الاستفادة من سياسة الإجازة غير المحدودة للشركة، أو حتى الاستفادة من خدمة صفّ السيارات فيها». ويضيف دوشي: «في حين أن الجزر أصبح له ألوان متعددة، إلا أن التحفيز أكثر تعقيداً».

يحدد دوشي، اعتماداً على عمل علماء النفس مثل «ريتشارد رايان» و«إدوارد ديسي» في جامعة روتشستر، نوعين من المحفزّات؛ المباشرة وغير المباشرة. يشمل التحفيز المباشر «المرح»، وهي الأشياء التي تجدها ممتعة بشكل طبيعي، و«الهدف»، وهي القدرة على رؤية أثر مساهماتك بشكلٍ فوري، وباحتمال تطور الشركة والعمل «بوتنشيال»، وهو الإيمان بهدف طويل المدى. على النقيض من ذلك، فإن المحفزات غير المباشرة تشمل الضغط العاطفي (التفكير في الشعور بالذنب أو الخوف من تفويت الفرص عليك، أو ما يُعرف بـ «فومو» ، والضغط الاقتصادي (الرغبة في المكافأة وتجنب العقوبة)، والعطالة (عندما تستمر في العمل بلا تفكير).

معظم الشركات والمؤسسات تتبع التحفيز غير المباشر. لا بأس بذلك عندما يكون كل ما تحتاجه من الموظف هو ما يدعوه دوشي وزميله في تأليف الكتاب ليندسي ماكجريجور «الأداء التكتيكي»، أي القيام المهام التقليدية، بحيث تحافظ على البساطة والفعالية. ولكن إذا كنت بحاجةٍ إلى نوع العمل الذي يتطلّب سرعة التفكير والإبداع، والذي يسميه دوشي وماكجريجور «الأداء التكيفي»، فإن المحفزات غير المباشرة ستدمر موظفيك.

للأسف، حتى عندما حاولت الشركات خلق شعور بالمرح أو الهدف لدى موظفيها، غالباً ما كانت تتخذ نهج المحفزات غير المباشرة. يقول دوشي في هذا الصدد: «لتحقيق المرح، تمنحك الشركة طاولة بينج بونج، بينما لخدمة الغرض، يعطونك بيان المهمة، لكن تحقيق المرح والهدف والحافز الشخصي يأتي من العمل نفسه».

إن الاستمرار في تركيز الشركات على المحفزات غير المباشرة، بغض النظر عن مدى جدواها، قد يسهم عن غير قصدٍ في ثقافة عدم الرضا والإرهاق وارتفاع معدل الحاجة لاستبدال الموظفين. فبدلاً من وضع بارٍ لتناول المشروبات أو توفير مساحةٍ للعبة ما، على الشركات التأكد أن العاملين لديهم وظائف متنوعة ومهمة بما يكفي لإثارة روح المرح داخلهم والشعور بالهدف من وجودهم إلى درجة كافية بحيث لا يكونون أمام احتمال الاستغناء عن أي منهم بسهولة، وجعل الجميع يعتقدون أن جهودهم ستقودهم، وتقود الشركة إلى الأمام والتطور أكثر.

قد توفر جائحة كورونا فرصة لأصحاب العمل لإعادة تنظيم أماكن العمل بما يرضي طموحات موظفيها الحقيقية. يقول سويني، مؤسس شركة فاست، وهي شركة ناشئة تربط العاملين في مجال التكنولوجيا بأصحاب العمل في هذا المجال: «الحفاظ على حياةٍ خارج العمل، هذه ميزة حقيقية بالفعل. يريد الجميع المزيد من المرونة الزمنية في جدول أعمالهم، سواء في ساعات العمل أو في الأماكن التي يمكنهم العمل منها». في الواقع، ووفقاً لمؤسسة جالوب، يرغب جيل الألفية الجديدة في الحصول على المزيد من المزايا في شكل سداد القرض الجامعي، أو إجازة أمومة معقولة أو في التطوير المهني. وقد وجدت دراسة استقصائية شملت 1614 عاملاً في أميركا الشمالية أن الميزة الأولى التي يطمح إليها الجميع ليست وجبة مجانية، بل المزيد من المرونة في جدول أعمالهم الزمني.

يحتاج تحقيق ذلك إلى مزيجٍ من المحفزات المباشرة وغير المباشرة. لكنهم جميع من شملهم الإستطلاع يقترحون أنه بدلاً من لعب كرة قدم الطاولة في المكتب بعد حلول الظلام، العودة إلى منازلهم في نهاية اليوم بالموارد والدعم الذي يحتاجون إليه ليعيشوا حياتهم بشكل صحيح.