Reading Time: 4 minutes

يؤثر ارتفاع الكربون الدائم في الغلاف الجوي على صحتنا بعدة طرق، حيث تشيع في هذه الأيام الأمراض المرتبطة بارتفاع درجة الحرارة أكثر من غيرها، وقد اتسع نطاق انتشار بعض الأمراض المعدية، بالإضافة لتسبب العواصف الشديدة والخطرة في تعريضنا للأذى بشكلٍ متزايد. كما تزيد درجات الحرارة المرتفعة من تشكّل سحب الدخان الضبابية؛ مؤديةً لازدياد التلّوث. ومع ذلك، فإن الأمثلة التي أتينا على ذكرها كلها آثارٌ غير مباشرة لأثر غاز ثاني أكسيد الكربون، وترتبط بكيفية تسخينه للغلاف الجوي، وانتقال تأثير ذلك فيما بعد إلى الأرض.

لكن دراسةً جديدة قُدّمت في مؤتمر الاتحاد الجيوفيزيائي الأميركي لعام 2019؛ توضّح أنه ربما ينبغي اعتبار ثاني أكسيد الكربون نفسه ملوثاً، وفي نفس الوقت قادراً على إبطاء قدرتنا على التفكير. نُشرت نتائج الدراسة في موقع «EarthArXiv» الذي يُعنى بنشر الدراسات المتعلّقة بعلوم الأرض.

التغير المناخي, حلول, الاحتباس الحراري, تلوث

في الواقع، وجدت العديد من الدراسات في السنوات الأخيرة، أنّ هناك صلةً بين مستويات ثاني أكسيد الكربون المرتفعة والانحدار المعرفي. عندما نكون متواجدين في أماكن مغلقة، كالمنازل والمكاتب، يصبح ثاني أكسيد الكربون الذي نتنفسّه مُركّزاً، خاصةً إذا كان هناك عدد كبير من الناس في المكان، وكانت ظروف التهوية بطيئةٍ وذاتُ كفاءةٍ منخفضة. وقد وجدت الدراسات أيضاً أن الفصول الدراسية سيئة التهوية مرتبطةٌ بضعف الذاكرة والتركيز وحتى انخفاض درجات الاختبارات القياسية. وفي عام 2016، أثارت دراسةٌ نشرتها جامعة هارفارد الكثير من اهتمام وسائل الإعلام، بعد أن اكتشف الباحثون أنّ مستويات ثاني أكسيد الكربون المرتفعة في الأماكن المغلقة كالمنازل والمكاتب -حوالي 950 جزءاً بالمليون- تؤدي إلى انخفاض عددٍ من المؤشرات المعرفية؛ مثل القدرة على اتخاذ القرارات الأساسية البسيطة، وحتى المستويات الأعلى من التفكير التي تتطلب التفكير الاستراتيجي. وقد وجدت الدراسة أن التراكيز التي تصل إلى 1400 جزء بالمليون (والتي يمكن أن توجد في ظروف التهوية السيئة)؛ تخفّض القدرات الفكرية أكثر، خصوصاً بالنسبة للقيام بالمهام الأكثر تعقيداً.

لم تشر الدراسة آنفة الذكر إلى دور التغير المناخي، لكّن البحث الجديد يبدأ حيث انتهت الدراسات السابقة. يقول «كريس كارناوسكا»، عالم المناخ في جامعة كولورادو بولدر، والمؤلف الرئيسي للدراسة: «بصفتي عالم مناخ، ألقيت نظرةً سريعةً على دراسة جامعة هارفارد؛ وأعتقد أن نطاق ثاني أكسيد الكربون الذي أشارت إليه الدراسة، هو ما ينبغي أن نشعر بالقلق عنده فعلياً فيما يتعلّق بالتغيّر المناخي. لذلك، وحتّى دون إدراك فريق الدراسة، فقد قاموا عملياً بدراسة تأثير التغير المناخي».

يبلغ تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون حالياً في الغلاف الجوي نحو 410 جزءاً بالمليون، وهو مستوى لم نشهد مثله من قبل في تاريخ البشرية. فإذا لم نقم بإبطاء انبعاثاتنا الناجمة عن استهلاك الوقود الأحفوري، فقد تتضاعف هذه النسبة أكثر بحلول نهاية القرن لتصل حتى 930 جزءاً بالمليون، وذلك استناداً إلى توقعات الانبعاث التي يستخدمها الفريق الدولي المعني بدراسة التغير المناخي.

لفهم تأثير مستويات غاز الكربون في الأماكن المغلقة على أدمغتنا، استخدم «كارناوسكاس» وفريقه معادلةً تتنبّئ بما ستكون عليه تراكيز ثاني أكسيد الكربون الداخلي، عند مستوى تركيزٍ خارجي معيّن. يقوم النموذج بحساب معدلات انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون التي يوّلدها الأشخاص من خلال التنفّس، وحساب معدلات التهوية، ثم تقدير غاز ثاني أكسيد الكربون الموجود في الأماكن المغلقة. وقد اختار الباحثون دراسة تراكيز غاز الكربون المُقدّرة الناجمة عن تنفّس طلّاب المدارس الابتدائية، ومقدار التهوية وكفاءتها في الفصول الدراسية كمُدخلين للنموذج.

ووفقاً لحسابات النموذج وتقديراته، فإن تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون الحالي في الفصول الدراسية يبلغ بالفعل 809 جزءاً في المليون. إذا لم نقم بإبطاء معدّل انبعاثاتنا ووصلنا لمستوى تراكيز تبلغ 930 جزءاً بالمليون في الخارج، فستصل تراكيز الكربون الداخلي إلى أكثر من 1250 جزءاً بالمليون.

واعتماداً على نتائج دراسة هارفارد، يقدّر كارناوسكاس أن ارتفاع تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون سيتناسب طرداً مع انخفاض القدرة المعرفية. بينما في ظلّ سيناريو انبعاثاتٍ مُخفّضة، لن يكون لثاني أكسيد الكربون الداخلي تأثيرٌ يُذكر على إمكاناتنا الفكرية، لكن الأمور تبدو أسوأ في حال اتجهنا نحو سيناريوهاتٍ لانبعاثاتٍ عالية من الكربون، وهذا ما يبدو أننا مقدمون عليه بالفعل. فبحلول عام 2100، سيشهد الطلاب انخفاضاً في درجاتهم المعرفية الأساسية بنسبة 25%، وبنسبة 50% بالنسبة للمهام المعرفية المعقّدة. بكلامٍ آخر، ستنخفض قدرتك على حلّ الألغاز المعقدة في الأماكن المغلقة عمّا هي عليه حالياً إلى النصف في عام 2100.

في دراسة هارفارد، انخفضت قدرة الأشخاص على أداء المهام المعرفية المعقّدة إلى ما يقرب الصفر؛ عند مستوى تركيز يبلغ 1500 جزء بالمليون. يقول كارناوسكاس: «لم يكن هؤلاء قادرين على أداء المهام المعرفية المعقّدة مطلقاً، وهذا أمرٌ مخيف لأننا على ما يبدو ماضون نحو زمنٍ توجد فيه مثل هذه التراكيز العالية».

يقول «بيرس ماكنوغتون»، مؤلفٌ مشارك في دراسة جامعة هارفارد: «إنه بحث مثير للغاية»، ويضيف أنه بالرغم من اتفاقه مع ما قاله كارناوسكاس على أنّ تقليل انبعاثات الوقود الأحفوري هو الحل الأمثل، فإن هناك مجالٌ كبير لتكنولوجيا التهوية في العمل على تحسين الواقع، حيث يشير ماكنوغتون أنّ ضبط أنظمة التهوية الأكثر ذكاءً لتعمل وفق مستويات ثاني أكسيد الكربون لا يمكن أن تساعد في توفير الهواء النقي وحسب، بل وبتوفير الطاقة عند تواجد عددٍ أقلّ من الأشخاص في الأماكن المغلقة.

عموماً، لا تزال الآليات الكامنة وراء التدهور المعرفي غير مفهومة جيداً، لكن الباحثين يربطون ذلك بتأثير ثاني أكسيد الكربون الذي يُصعّب على الدماغ امتصاص الأكسجين. وربما يقلّل تركيز ثاني أكسيد الكربون المرتفع أيضاً من درجة حموضة الدم، مما يؤدي إلى عدد من الأعراض بما في ذلك التشويش وعدم القدرة على التركيز.

والأخبار السارّة التي توصلت إليها الدراسة تُظهر أنه يمكن تجنّب انخفاض المقدرات المعرفية بالكامل إذا أوقفنا ارتفاع تركيز الكربون عند 540 جزءاً بالمليون، وهوّ ما يتوافق مع ارتفاع درجات الحرارة في حدود أقلّ من درجتين مئويتين. وإلا فإننا قد نواجه تحدياً آخر في معالجة أزمة المناخ وهو انخفاض ذكائنا. يقول كارناوسكاس: «بحلول نهاية القرن، فإن الأشخاص الذين يعملون على حلّ مشكلة التغير المناخي هذه، وهي بالطبع مشكلةٌ معقدة، ستنخفض قدرتهم على التفكير بحلولٍ للأزمة للنصف، وهذا تأثيرٌ غير ظاهرٍ لتأثير التغير المناخي يمكن أن يؤثّر على قدرتنا على حلّ المشكلة نفسها».