Reading Time: 3 minutes

يقطع الدواء رحلة طويلة جداً، بداية من العمل عليه كفكرة مجردة، مروراً بالأبحاث ثم التجريب المتدرج، ووصولاً في نهاية المطاف إلى مرحلة الاعتماد الطبي والتصنيع، والطرح في الأسواق، ووصف الطبيب. وعلى الرغم من بساطة العرض إلا أن هذه الرحلة تستغرق سنوات، وفي بعض الأحيان يمر الدواء بهذه الرحلة ثم لا يخرج إلى النور نتيجة خطأ ما. في هذا التقرير نحاول أن نرصد ملامح رحلة الدواء من الفكرة إلى «الروشتة».

هكذا تبدأ ولادة دواء جديد

يستهدف كل دواء مواقع معينة في الجسم «Target sites»، وفي الأغلب يستهدف البروتينات -جزيئات حيوية ضخمة تتكون من سلاسل الأحماض الأمينية-، أو أجزاء بعينها في الحمض النووي؛ لذا تبدأ صناعة الدواء بتجارب اكتشاف الدواء الجديد باستخدام تقنية الـ «HTS»، وفيها تُستخدم روبوتات، ونماذج محاكاة لاختبار مئات الآلاف من العينات التجريبية في ظل ظروف معينة؛ بهدف تجربة تأثير الدواء على مناطق الذي يستهدفها في الجسم، أو في جزئيات الحمض النووي.

عادة يستغرق الدواء من 10 إلى 15 عام، وبتكلفة تصل إلى 600 مليون دولار أميركي تقريباً، في رحلته لاختبار الفعالية، والسلامة، والأمان حتى يصل إلى المريض. وإن كانت الصدفة لعبت دوراً في السابق في اكتشاف الدواء؛ مثل البنسلين، لكن الآن لا مجال للصدف؛ وكل شيء يتم تحت الدراسة والتنظيم الكامل.

ماذا ينبغي أن يُعرف عن الدواء؟

طب, أدوية, روشتة, عقاقير طبية, صحة

بعد التجربة والوقوف على المركب الكيميائي الأفضل، تأتي مرحلة التطوير، وفيها يجري الباحثون تجارب لجمع المعلومات حول الدواء مثل؛ طريقة امتصاصه، وتوزيعه، وطريقة تكسيره في الجسم، والطريقة المثلى لتناوله؛ أقراص أو شراب، وكذلك الطريقة التي يتخلص بها الجسم من الدواء.

على الرغم من أن الدواء يتطور بصفة مستمرة لكن يبقي لكل دواء بعض الآثار الجانبية التي لم يفلح العلماء في تفاديها، لذا تكتب الاحتمالات في النشرة الداخلية للدواء، وأغلب تلك احتمالات قليلة الحدوث إلا أنه من المهم قراءة الآثار الجانبية للدواء لمعرفة الآلية التي يعمل بها الدواء، وفوائده، والأدوية التي تتفاعل معه، وكيف يمكن التصرف في حال أخذ جرعة خاطئة منه.

تجارب الدواء من الحيوان إلى الإنسان

تُجرى تجارب غير سريرية، لتحديد ما إذا كان الدواء قابلاً للتجربة على البشر أم لا، وهي تجربة تمهيدية للتجارب على البشر. هذه المرحلة هي مرحلة جمع البيانات والمعلومات عن الدواء، وتجرى غالباً على الحيوانات، وفيها يحدد الباحثون مدى سُمية الدواء، وتُلزم منظمة الغذاء والدواء الأميركية، وهي الجهة التي تُصرح بالأدوية الجديدة الباحثين ببروتوكولات معينة للاختبارات غير السريرية.

بعد انتهاء التجارب غير السريرية، يدخل الدواء إلى مرحلة التجارب الإكلينيكية، وفيها تُجرى التجارب على البشر، من أجل تحديد مدى كفاءة وأمان الدواء. تُجرى هذه التجارب على متطوعين، حيث يتم يتقسيمهم إلى مجموعتين، ويخضعون لتجربة عمياء. هذه التجربة لا يعلم فيها المشاركون ما إذا كانوا سيخضعون للفحص أم لا، من أجل تجنب الانحياز المسبق للتجربة، ثم يعطى الدواء للمشاركين بصورة عشوائية، والبقية يأخذون دواءً وهمياً لا يحتوي على أي مادة فعالة.

المجموعة التي تناولت الدواء الجديد قيد التجربة تظل تحت الملاحظة، وفي هذه المرحلة الأولية يعطى لهم كمية صغيرة من الدواء، لمعرفة تأثيره على المناطق التي يستهدفها في الجسم، ولتحديد الآثار الجانبية له. بعدها يدخل الدواء المرحلة التالية، وتُجرى على عدد قليل من المتطوعين الأصحاء، وتستغرق عدة شهور فقط. يليها المرحلة الثالثة والتي قد تستمر عدة سنوات؛ وفيها يجرب الدواء على الآلاف من المرضى لجمع المزيد من المعلومات عن الدواء. تمتلك منظمة الغذاء والدواء الأميركية السلطة لوقف التجارب إذا ما ثبت أن هناك خطر على المشاركين.

الدواء الجديد أمام منظمة الغذاء والدواء

طب, أدوية, روشتة, عقاقير طبية, صحة

منظمة الغذاء والدواء الأميركية هي المسؤولة عن مراقبة صناعة الدواء. بالتالي ففي مرحلة مراجعة نتائج التجارب؛ تكون المنظمة على دراية بقصة الدواء ونتائج كل مرحلة، وجميع الدراسات والبيانات والتحليلات، وتراجعها بواسطة لجانها الطبية الخاصة. فإذا ما وجدت المنظمة الدواء فعالاً وآمناً؛ تعمل سوياً مع مطوري الدواء على وضع بيانات الدواء التي تسهل استخدامه، وتمنح المعلومات الأساسية عنه.

ختاماً، جميع هذه التجارب والسنوات لأجل أن يخرج الدواء في أفضل تركيبة كيميائية تعالج المرضى؛ وفي نفس الوقت بأقل ضرر يذكر، ثم يأخذ الدواء المصداقية الأكبر حين يطرح في الأسواق الكبيرة، ويصفه الأطباء لمرضاهم في «روشتات»، وتتحسن صحتهم عليه.