Reading Time: 3 minutes

أدى تغير المناخ إلى زيادة احتمال حدوث موجات حرارة شديدة على اليابسة، وتحت سطح المحيط لأن المحيطات تمتص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الجو، وكذلك الحرارة الناتجة عن الاحترار العالمي، فإنها تخضع لتغيرات هامة، وإحدى هذه التغيرات هي موجات الحرارة البحرية، والفترات الطويلة التي تشهد ارتفاع درجة حرارة المحيط على نحوٍ غير اعتيادي. ويُلاحظ ارتفاع قياسي لدرجات الحرارة في جميع أنحاء العالم، وهو ما يخلف دماراً بالنظم البيئية البحرية.

وإنني -بوصفي عالم محيطات- أدرس الطرق العديدة التي تتغير بها المحيطات من أسبوع إلى أسبوع، ومن سنة إلى أخرى، وعلى مدى عقود وقرون؛ لفهم التغيرات التي تحدث باستمرار، والتأثيرات البعيدة المدى التي قد تُحدثها في النظم البيئية البحرية، والجماعات السكانية التي تعتمد عليها.

روابط شخصية

أصولي تعود إلى المستوطنين والسكان الأصليين معاً؛ فجذوري تعود إلى شعب «إنويت» الذي يعيش في شمال لابرادور، لذلك فعلاقتنا بالمحيط ذات أهمية قصوى؛ لأنه يوفر لنا الطعام وإمكانية التنقل، ويعتبر الرابط الذي يصلنا بالطبيعة.

وينخفض على مدار الأربعين عاماً الماضية -بمقدار النصف تقريباً- المدى الذي يغطيه الجليد البحري في القطب الشمالي في شهر سبتمبر/ أيلول من كل عام ، ويتناقص هذا العام بوتيرة قد توصله إلى الحد الأدنى المسجل عام 2012. هذا يعني بالنسبة إلى شعب إنويت في منطقة لابرادور عدم إمكانية التنبؤ بالجليد، والمساحات التي سيغطيها. هذا يدفعنا إلى التساؤل: كيف سيبدو الربيع بدون الجليد البحري؟ وماذا يعني هذا؟

يعني هذا عدم القدرة على السفر عبر الجليد البحري، وغياب إمكانية الوصول إلى أغذية برية مثل الفقمات، والاعتماد بشكلٍ أكبر على الطعام المُخزَّن باهظ الثمن الذي لا يوفر المغذيات الكافية للجسم، وسيؤدي هذا الانخفاض -علاوة على ذلك- إلى تعذر الوصول إلى أماكن ذات ثقافات مهمة توجد بعيداً عن هذه التجمعات. وقد يؤدي أيضاً إلى إحداث تغيير كبير في نمط الحياة يمكن وصفه بأنه «صدمة ثقافية».

وأنتمي -من ناحية أخرى- إلى المستوطنين والمهاجرين القاطنين على الشاطئ الجنوبي لـ «نوفا سكوشيا»، وهو مكان مرتبط اقتصادياً وثقافياً بالبحر. وعند أخذ هذا في الاعتبار، فماذا يعني ارتفاع درجات حرارة المياه للصيادين على السواحل، لتصل إلى 4 درجات مئوية في المحيط الأطلسي المحاذي لكندا؟

يعني هذا على أقل تقدير أن مستقبلاً غامضاً في انتظارهم؛ فهل ستظل الثروات السمكية التي تعتمد عليها الجماعات هناك -مثل الكركند الأميركي وسرطان الثلج- حية في العقود القادمة؟ الجواب غير واضح، وهل ثمة مصايد أسماك قد تحل محلها إذا أصبح المناخ أكثر دفئاً مستقبلاً؟  لا نعرف إجابة عن هذا أيضاً.

درجات حرارة قصوى في المحيطات

تحدث موجات الحرارة البحرية في أماكن مختلفة وفي أوقات مختلفة، ومع ذلك يمكن أن يكون لها تأثيرات كبيرة في البيئة البحرية ومصايد الأسماك. وقد تحدث في أي وقت من السنة، لكن تأثيرها في كثير من الأحيان يكون أكبر خلال مواسم الصيف الحارة.

وأدت -على سبيل المثال- موجة حر بحرية ضربت شمال غرب المحيط الأطلسي خلال صيف عام 2012، إلى ارتفاع درجات الحرارة في المحيطات بمقدار تراوح بين 1 و3 درجات مئوية عن متوسط درجة الحرارة بين عامي 1981 و2011. دفعت المياه الدافئة الكركند الأميركي إلى التوجه نحو المناطق الساحلية الضحلة بأعداد أكبر من المعتاد في خليج «مِن». كان لهذا آثار اقتصادية على الصيادين؛ إذ انخفضت أسعار الكركند، ما أدى إلى توتر العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة وكندا.

لا يزال الفهم العلمي لموجات الحرارة البحرية في مراحله المبكرة، وأمامنا الكثير لنصل إلى فهم أنواعها وأسبابها وكيفية حدوثها، وستساعدنا هذه المعلومات على فهم السجل التاريخي لموجات الحر هذه، والمناطق التي يرجح أن تتعرض لموجات حرارة بحرية شديدة التأثير في المستقبل، ومخاطرها المحتملة على مصايد الأسماك البحرية والنظم البيئية.

العمل نحو المستقبل

يتصدى الفريق البحثي الذي أُشرف عليه في جامعة «دالهوزي»، الذي يضم طلاب دراسات عليا وزملاء في الدراسات العليا، للإجابة عن بعض هذه الأسئلة، ويحاولون البحث في السجل التاريخي لموجات الحرارة البحرية في الجرف السكوشي (جنوب غرب نوفا سكوشيا)؛ لنفهم جيداً العلاقة بين تقلبات درجة الحرارة في الماضي ومصايد الأسماك هناك. كما نحاول أيضاً التعمق في العمليات الفيزيائية والخصائص الإحصائية المميزة لموجات الحرارة البحرية، بحيث يمكن التنبؤ بها بشكلٍ أفضل، ونعمل على وضع محاكاة حاسوبية للمحيطات حتى نتمكن من فحص السيناريوهات الماضية والمستقبلية. نأمل أن نتمكن من سد الفجوة بين علوم المناخ وصناعات صيد الأسماك، والبحوث الأساسية والتطبيقات العملية.

وأرى أخيراً أن ثمة حاجة ماسة لتشارُك المعرفة بين العلماء والجماعات السكانية في كلا الاتجاهين. إن السكان المحليين جزء من الحل؛ إذ يمكن أن يشاركوا في صياغة الأسئلة البحثية التي ينبغي أن يركز عليها العلماء، وتقييم الإصلاحات المقترحة.

وقد سبق للمراقبة المجتمعية ومعرفة المواطنين والشراكات بين الأوساط الأكاديمية والجماعات المحلية النجاح في إشراك الأفراد والصيادين في تحسين معرفتهم بالمحيط، والعمل مباشرة مع علماء المحيطات.

وأُطلقت العديد من المشاريع لتوطيد هذا الرابط بين الأكاديميين والصيادين في موطني الأصلي في شمال لابرادور، بما في ذلك المراقبة الجماعية لدرجات حرارة المحيط من خلال عينات من الجليد البحري، ونَشْر عوامات لقياس درجة حرارة المحيط على امتداد الساحل، وتوثيق معرفة السكان المحليين بالمحيط؛ لإدراجها جنباً إلى جنب مع القياسات العلمية.

محيطات العالم تتغير، ويمكننا -بوصفنا علماء- تركيز بحثنا على محاولة فهم هذه المشكلة وحلها، ويمكننا -بوصفنا أفراداً ومجتمعات- تقديم المعرفة، والتوجيه إلى المجتمع العلمي بشأن تلك المشكلات شديدة الأهمية، والمساعدة في حلها معاً.

 

تم نشر هذا المقال بواسطة «إريك أوليفر» في موقع ذا كونفيرسيشن