Reading Time: 3 minutes

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تستحوذ على اهتمام غالبية الأشخاص حول العالم، لدرجة قد تدفع البعض للإدمان. ومؤخراً أثبتت ورقة بحثية قدرة تبادل «الميمز» عبر مواقع التواصل الاجتماعي في تحسين الحالة النفسية وعلاج الاكتئاب، والتي باتت جزءاً لا يتجزأ من عالم الإنترنت الافتراضي.

سر ميمات الاكتئاب

نشرت دورية «ساينتفك ريبورتس» الورقة البحثية في أواخر شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، وبحثت في ما إذا كان الأفراد الذين يعانون من أعراض اكتئاب كبيرة ستختلف حالتهم عند متابعة الميمز، تحديداً المتعلقة بالاكتئاب. الميمز هي عبارة عن صورة تصور التعليقات الاجتماعية الهزلية ذات الصلة بالسياق لمجموعة ديموغرافية (علم السكان) معينة من الأفراد، وتنتشر عبر الإنترنت على نطاق واسع عبر مجموعات من الأشخاص ذوي الخصائص المشتركة.

شملت العينة البحثية للدراسة 43 شخصاً لديهم أعراض اكتئاب هامة، و 56 حالة لا تظهر عليهم أعراض الاكتئاب قاموا بتصنيف القيم العاطفية والفكاهة وقابلية المشاركة. أظهرت النتائج تحسن إمكانات 32 شخص مصاب بالاكتئاب.

عادة تضم وسائل التواصل الاجتماعي صفحات مختلفة مخصصة لمشاركة الميمز المرتبطة بشكلٍ خاص بالتجربة القريبة من الاكتئاب، والتي غالبا ما تسمى «الميمات الاكتئابية». وعلى الرغم من أنها تنتشر بشكلٍ كبير ، لكن البحث لم يفحص بعد كيف يمكن لأعراض الاكتئاب أن تؤثر أو تتأثر بتفسير ميمات الإنترنت العاطفية المتعلقة بتجربة الاكتئاب.

وفي حديثه مع بوبيولار ساينس العربية، قال الدكتور «عمير أكرم» الباحث الرئيسي للدراسة؛ إنه تأثر إلى حدٍ كبير بظروفه الشخصية، لذلك اهتم بدراسة الموضوع. كما يرى أن العديد من الأشخاص الذين يعانون من صعوبات في الصحة النفسية؛ يشاركون الميمات الاكتئابية على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وأضاف قائلاً: «أنا شخصياً أعاني من اضطراب ثنائي القطب، وأستمتع بالميمات من هذا النوع. ونظراً لزيادة تداول استخدام الميمات بشكلٍ عام أردنا استكشاف الكيفية التي نظر بها الأشخاص المكتئبين وغير المكتئبين إلى هذه الميمات».

كما أوضح أكرم أن ميمات الاكتئاب ليست بيانية بطبيعتها، يتم فيها وضع الصور في السياق باستخدام التسمية التوضيحية النصية، يقول: «أنا شخصياً أحب الميمات المظلمة، وأشعر بروح الدعابة المظلمة، لا أشعر بالإهانة بسهولة لأن الدعابة يجب أن تكون شاملة، لا أرى أي مشكلة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للدعم الاجتماعي، وإن كان يفضل أن يحدث ذلك باعتدال. ومع ذلك لدي مخاوف تتعلق بالخصوصية، هناك مشكلات أخرى في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر أهمية ولا تتعلق بالصحة النفسية».

وتابع حديثه قائلاً: «إن اختيار العينة البحثية استهدف بشكل عام من أكملوا الفحص من خلال استمارة الاستبيان الخاصة بالمرضى، والتي تهدف إلى تشخيص اضطرابات الاكتئاب الكبرى. ثم انقسمت العينه بناء على أولئك الذين أبلغوا عن أعراض الاكتئاب في المستوى السريري، وأولئك الذين غابت لديهم الأعراض».

كما يضيف دكتور عمير أكرم قائلا: «هذا الفحص يكشف عن أعراض اضطراب الاكتئاب الشديد، والذي على حد علمي هو الشكل الأكثر شيوعاً للاكتئاب. تشمل الأنواع الأخرى اضطراب المزاج المزعج، وعسر الهضم، واضطراب ما قبل الطمث، واضطراب الاكتئاب الناتج عن الأدوية، والاكتئاب بسبب حالة طبية أخرى، واضطرابات اكتئابية أخرى محددة وغير محددة».

صعوبة التفاعل مع النكات

في بحث أجرته جامعة كمبريدج حول قدرة مرضى الاكتئاب على تحديد النكات بدقة؛ ظهر العجز في الإدراك الاجتماعي بين أولئك الذين يعانون من الاكتئاب في الجوانب العاطفية؛ أي عجز في تصنيف الفكاهة، وكيفية معالجتها.

يعتبر التعرض للفكاهة أمراً حيوياً يساعد على الحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية. قد تعمل الدعابة الإيجابية بشكلٍ فعال لتنظيم العاطفة، حيث تعمل على تسهيل إعادة تقييم المشاعر السلبية. ومع ذلك لم تبحث الدراسات بعد ما إذا كان الأفراد المكتئبين يستجيبون للدعابة الإيجابية بنفس الطريقة. يشير بحث نشر في دورية «بلس وان» إلى أن أعراض الاكتئاب ترتبط بالاختلافات الفردية في كيفية استخدام الفكاهة لتسهيل إعادة التقييم المعرفي.

وبحسب الورقة البحثية فإنه من المحتمل أن يختلف الأفراد المكتئبين في تصورهم للفكاهة الإيجابية والسلبية؛ مقارنة بالأشخاص غير المكتئبين. فقد تجذب الدعابة ذات التوجه السلبي هؤلاء عند النظر في مدى قابلية تجربة الاكتئاب، وإبرازها إذا كان صحيحاً، فإن النكتة السلبية المتعلقة بتجربة الاكتئاب قد تعمل أيضاً على تنظيم العاطفة بطريقة مقارنة.

مفيدة رغم عيوب الإنترنت

على الرغم من انخفاض التفاعل الاجتماعي المباشر (وجهاً لوجه)، لكن الدعم الاجتماعي من خلال الإنترنت يبدو مفيداً في الحد من أعراض الاكتئاب؛ وهو ما أظهرته تجربة على عينة من طلاب إحدى الجامعات الأميركية، مع الأخذ الاعتبار ربط تجربة الاكتئاب المتكرر باستخدام الإنترنت لفترات طويلة.

وفي حديثه مع بوبساي أوضح دكتور عمير أكرم أن دعم الأقران والأفراد في هذه الحالة يعتبر مؤثراً، حيث يقول: «من خلال مشاركة وملاحظة الميمات الاكتئابية يمكن للأفراد المكتئبين -نظرياً- تكوين روابط اجتماعية وعاطفية مع الآخرين، والتي قد يُنظر إليها على أنها داعمة اجتماعياً. ومن الشائع جداً أن يقوم الأشخاص بتحديد الأصدقاء وأفراد العائلة الذين قد يتواصلون معهم، عبر إرسال بعض الميمات لإضحاكهم، كما يسلط الضوء على أن الأشخاص الآخرين يعانون أيضاً من نفس المواقف ونفس الأعراض المرضية».

وفيما يتعلق بالنصائح التي تحث مرضى الاكتئاب على الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي، يقول دكتور عمير أكرم إنه لا يوجد دليل قاطع على هذه النقطة. فقد أشارت العديد من الدراسات إلى فوائد استخدامها والتفاعل عبرها من خلال الاتصال عن بعد. يقول: «أعتقد أن معظم الناس لديهم نظرة سلبية غير عادلة عن ميمات الاكتئاب».

أثبتت الفكاهة ذات التوجه الإيجابي في السابق أنها مفيدة في الحد من الاضطراب العاطفي، وتصحيح تنظيم العاطفة لدى الأفراد غير المكتئبين. في المقابل ركزت الدراسة الاستكشافية -المنشورة حديثاً- على الفوائد المحتملة للمحتوى الذي يجسد نمطاً سلبياً من الفكاهة، أي العدوانية وهزيمة الذات، حيث يمكن اعتبار طبيعتها إيجابية بالنسبة لمرضى الاكتئاب من حيث السياق.

كما توصلت الدراسة إلى أن الدعم الاجتماعي من خلال التفاعل عبر الإنترنت مفيداً في الحد من أعراض الاكتئاب، لأنه يمكن للأفراد المكتئبين تكوين روابط اجتماعية وعاطفية داعمة مع الآخرين، من خلال مشاركة وملاحظة ميمات الاكتئاب.

يبدو أن المجتمعات الافتراضية على الإنترنت والمثيرة للجدل غالباً لها فوائدها، وليست مضيعة للوقت كما يعتقد البعض، لكن تحتاج فقط لمن يحسن استخدامها.