Reading Time: 5 minutes

قال أرخميدس فيما مضى أنه قادرٌ على تحريك الأرض من مكانها إذا حصل على ذراعٍ طويلةٍ بما يكفي، ومكانٍ للوقوف. وبالمثل، فإن وزن الأشياء الضخمة مثل الكواكب والنجوم، لا يمكن تصوّرها وحسابها إلا من الناحية النظرية، لكنك ستجد عند البحث سريعاً في موسوعة ويكيبديا على الإنترنت؛ معلوماتٍ هائلة لا يمكنُ فهمها عملياً تتعلّق بكتلة ووزن الكواكب من حولنا. فمثلاً، يتراوح وزن كلّ كوكبٍ من الكواكب في مجموعتنا الشمسية بين 1024 و 1027 كيلو جرام (أي رقماً من 1 وحتّى 9 وعلى يمينه 24 وحتّى 27 صفراً). يبلغ وزن الشمس 1030 كيلو جرام، ومجرتنا 1042 كيلوجرام ويصل وزن الكون المرئي حتّى 1053.

يمكنك تحويل هذه القيم إلى أرقام مألوفةٍ أكثر، عن طريق التعبير عنها بقولنا تزن الأرض عدداً معيناً من وزن الحوت الأزرق، وذلك بطرح 5 من القيم الأسية. إلا أنّ الأرقام ستبقى ضخمةً بغض النظر عن الطريقة التي نحاول التحايل بها على غرابة هذه الأرقام. كما أنّ تحويل قيمة هذه الأرقام من كيلو غرام إلى رطل لن يغيّر في ضخامتها وغرابتها كثيراً. في الحقيقة عندما يتخيّل العقل البشري ضخامة هذه الأرقام، فإنه يقف عاجزاً أمامها تماماً.

مع ذلك، يواصل الفيزيائيون وعلماء الفلك جهودهم للوصول إلى طريقةٍ ما لجعل قياساتهم أكثر دقّةً وجعل ما كان صعباً قياسه قابلاً للقياس بطريقةٍ ما. فقد نشر فريقٌ من الباحثين، في وقتٍ سابق من الشهر الماضي، ورقةً بحثية لم تخضع للتقييم بعد على موقع arXiv المتخصص بنشر الأبحاث العلمية، تقدّم تقدّيراً جديداً لكتلة مجرّة درب التبّانة مُتضمنةً كتلةَ كلٍّ من النجوم المضيئة والمادّة المظلمة غير المرئية التي من المفترض أن تحيط بها. وقد توّصلوا إلى أنها تعادل 890 مليار مرّة كتلة الشمس (معظمها مادة مظلمة، بينما يعادل وزن النجوم والغازات التي يمكننا رؤيتها 60 مليار مرة كتلة الشمس)، مع احتمال الخطأ في دقّة الأرقام بحدود 100 مليار مرة من كتلة الشمس. قد تبدو هذه الأرقام غامضة، ولكن يمكنك تخيّلها بمفهومٍ آخر، وهو قوى الجاذبية المتبادلة بين الأجسام في الفضاء.

لكن عليك أن تنتبه لملاحظةٍ حول الكتلة والوزن في البداية، وهما صفتان مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً ولكنهما مختلفتان تقنياً. فالوزن يصف مقدار قوّة الجاذبية المؤثرة على جسمٍ ما، لذلك، فإن أيّ شيءٍ من الحوت الأزرق إلى المجرة لا يزن شيئاً عندما يسبح في الفضاء. ما درسه الباحثون فعلاً هو الكتلة، وهي كميةٌ غير متغيرة من مادّة جسمٍ ما، أو ما يعادلها من مقدار الجاذبية الكافية لتحريكها. في النهاية، سواء اعتمدنا على ميزان الحمّام أو المقاييس الفلكية، فإن «وزن» جسم ما عادة ما يقرره قياس قوة الجاذبية بينه وبين جسمٍ هائل آخر.

الأرض

المناخ, التغير المناخي, الاحتباس الحراري, مستقبل المناخ

كوكب الأرض — حقوق الصورة: مكتبة نيويورك العامة

تُعتبر الأرض أول جسمٍ كبيرٍ حقاً حاول العقل البشري قياس وزنه. اعتمدت المحاولات الأولى على حساب حجم الأرض، وكثافة مادتها ثم حساب كتلتها. بحلول القرن السابع عشر، لم تكن تقديرات قطر الأرض، وبالتالي حجمها، سيئةً إلى حدٍّ ما، لكّن أحداً لم يكن يكن متأكداً من تقدير كثافتها، سواء كانت مادّة الكوكب مكوّنةً من الماء أو الصخور. ومع ذلك، كان الجميع مخطئين، لأن الأرض تتكون فعلياً من المعادن، وهي أكثر كثافة من الاثنين.

لمعرفة هذه الكثافة (وبالتالي كتلة الأرض)، قام العالم البريطاني «هنري كافنديش» بقياس القوة الجاذبية الكلية عام 1798. لقد أظهر نيوتن في القرن السادس عشر أن جميع الأجسام تمارس قوىً جاذبية على بعضها البعض، وبالتالي فإنّ الأجسام ذات الكتلة الأكبر تمارس قوة جاذبية أكبر. علّق كافنديش كراتٍ معدنية صغيرة بسلكٍ وجعلها تتدلى منه، ووضع كرات أثقل بشكلٍ مشابه بالقرب منها، ثمّ راقب التواء الأسلاك بينما تنجذب الكرات إلى بعضها البعض. استطاع كافنديش من خلال هذه التجربة تحديد شدة قوة الجاذبية بشكلٍ عام. ومع إدراكه لشدّة تأثير قوّة جاذبية الأرض للكرتين نحوها (أي أوزانها)، استطاع استخدام معادلات نيوتن لحساب كثافة الأرض ووزنها بدقة عالية، وقال أنّ كثافة الأرض تبلغ 5.4 أضعاف كثافة الماء. وقد وجد علماء الفيزياء الحديثة أنّه لم يكن مخطئاً سوى بنسبة سبعة أعشارٍ من واحدٍ في المائة.

الشمس والكواكب والأجسام الأخرى

تمثل الكتلة، في أحد تعريفاتها، تأثير قوة الجاذبية المتبادلة بين جسمين. لذلك، وبمجرد أن اكتشف نيوتن وكافنديش قوة الجاذبية بشكل عام وكتلة الأرض على وجه الخصوص، أصبح لدى العلماء الأرقام اللازمة للمضي قدماً وحساب وزن قسمٍ كبير من بقية الأجسام في الكون.

فالشمس تجذب الأرض بقوةٍ تكفي لجعلها تدور حولها مرةً واحدة خلال 365 يوماً، مما يعني وجود قوةٍ ما، وهي الكتلة. وبالمثل، من خلال النظر إلى الشمس كشريكٍ رئيسي للعديد من الأجرام السماوية، يمكن للباحثين حساب ثقل بقية الكواكب على أساس طول دورتها حول الشمس. كما يمكن تقدير أقمار التي تدور حول الكواكب بنفس المفهوم أيضاً. في حين يبقى تقدير كتلة الكويكبات شيئاً يعتمد على تخمين كثافتها وحجمها بشكلٍ معقول. كما أن رحلات الاستكشافية مؤخراً نحو بعض هذه الكويكبات لم تساعد في الكشف عن كتلتها وأحجامها بدقّة عموماً.

المجرّات

مثلما يمكن للباحثين استنتاج كتلة الأرض من خلال مراقبة مدى جذبها الأشياء لسطحها أو للاقتراب منها، أو استنتاج كتلة الشمس من خلال مراقبة مدى سرعة الكواكب التي تدور حولها، يمكنهم حساب كتلة المجرة من خلال حركة الأجسام التي تدور فيها أو حولها.

يظهر في هذه الصورة العديد من أشكال المجرات. وتشير دراسة جديدة إلى أن شكل المجرة يعطي مؤشراً عن عمرها.

لقد كانت المسارات التي تتبعها النجوم المدارية هي من نبّه لوجود المادّة المظلمة واكتشافها في سبعينيات القرن الماضي. تقول «هيثر غوس» في دورية «إير آند سبيس مجازين»: «في نظامنا الشمسي، يدور كوكب عطارد بسرعةٍ تعادل 9 أضعاف سرعة دوران نبتون تقريباً؛ نظراً لوقوعه بالقرب من مصدر الغالبية العظمى من كتلة نظامنا الشمسي، أي الشمس». يتوقّع الباحثون وجودَ نمطٍ مماثل من هذه العلاقة في المجرّات الأخرى، حيث تدور النجوم البعيدة في مساراتٍ أبطأ من النجوم الأقرب.

تكون هذه العلاقة صحيحةٌ عند وجودها في مركز المجرّات، لكنّه، مع الابتعاد عن المركز، تتوقف. ثمّ بعد نقطةٍ معينة، بغضّ النظر عن مدى بعدها الذي بدت عليه، دُهش العلماء لملاحظتهم أنّ النجوم تبدأ بالدوران بسرعاتٍ مماثلة. تشير حركة تلك النجوم اللولبية إلى وجودِ مصدرٍ آخر غير مرئي للكتلة يجذبهم إليه أيضاً. (تشير نظرية ديناميكا نيوتن المعدلة إلى أنّ نتائج نيوتن وكافنديش تتعثّر على نطاقٍ أكبر، لكنّها، أي النظرية، تكافح لتفسير الظواهر الكونية غير المفهومة الأخرى).

وبغض النظر عما ذكرناه آنفاً، يعتمد علماء الفلك في وزن مجرتنا على تحليلاتٍ مماثلة للنجوم والمجموعات النجمية المحلية. يستخدم البحث الأخير، الذي يعدّ امتداداً لبحثٍ آخر في أوائل العام الماضي، قاعدة بيانات تضم ما يقرب من سجلات تتبع نحو 3000 جسمٍ في مجرتنا، مثل النجوم والعناقيد النجمية والسحب الغازية، والتي تدور حول مركز درب التبانة. حيث قام الباحثون من خلال استخدام سجلات التتبع هذه بحساب الكتلة، المرئية والمادة المظلمة على حدّ سواء، والتي تحويها مجرتنا.

الكون

الكون، بكل ما يحمله الأمر من اشكاليات، يفتقر إلى شركاءَ يدور حولهم. ولذلك يتعطّل مقياس الجاذبية القياسي ولا يمكن استخدامه مطلقاً. الحجم المطلق للكون غير معروف، وهو يتوسع باستمرار، وبالتالي فإن كتلته غير محددة بالمثل. يمكن للفلكيين تحديد حجم الكون الذي يمكن ملاحظته فقط، ولكّن، بناءاً على المسافة التي أمكن للضوء السفر عبرها بين الانفجار الكبير واليوم الحاضر.

لكن كثافة الوجود، والتي تم حسابها بالاعتماد على حساب متوسط كثافة كل الكواكب والنجوم والمجرّات والفراغات الموجودة في الكون، ثَبت أنه من الصعب قياسها بالفعل. تأتي أحد التقديرات من مسبار ويلكينسون لقياس التباين الميكروي المعروف اختصاراً بـ « WMAP»، وهو قمرٌ صناعي كانت مهمته قياس الفروقات بين البقع الدافئة والباردة لأضواء الكون الأولى بين عامي 2001- 2010. تمثّل هذه البقع بقايا الأحداث في الكون عندما كانت المادّةً الكثيفةً والضوء يملأان الكون في بداياته. ثم قامت الجاذبية حينها بجمع الجزيئات مع بعضها البعض بينما دفعها الضوء لتنفصل عن بعضها البعض، ما أدّى إلى حدوث موجاتٍ متداعية نمت مع اتساع الكون حتّى التقطها مسبار «WMAP». يمكن لعلماء الكونيات حساب عمر وتكوين الكون من خلال الأنماط الموجودة في الاختلافات اليوم، بما في ذلك كثافته الاجمالية، والتي تبلغ 6 بروتونات لكل مترٍ مكعّب.

يمثل هذا الرقم من الناحية الفنية كثافةً طاقية (حيث يمكن التحويل بين المادة والطاقة باستخدام معادلة آينشتاين الشهيرة)، وبالتالي فهو يشمل المادة المرئية، والمادة المظلمة، والطاقة المظلمة غير المعروفة التي تقود توسع الكون. وقد قدّر المسبار «WAMP» والمسبار الذي تلاه «PLANCK» أن الكون مكوّنٌ من حوالي 5% من مادةٍ مرئية، و27% مادةٍ مظلمة بالإضافة إلى 68% من الطاقة الظلمة.

وبهذه الطريقة، يمكن لعلماء الكونيات، كما فعل كافنديش في عام 1798، أن يجمعوا بين تقديراتهم لحجم وكثافة الكون لحساب الكتلة الإجمالية للكون؛ لتبلغ ما يعادل 100,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000 كيلو جرام، أو ما يعادل كتلة 10,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000 حوتٍ أزرق، أو ربما ما يعادل 100 مليار مرة كتلة مجرة درب التبّانة، ولكن، من يهتم بهذه الأرقام حقاً؟