Image

العلماء يتوصلون إلى السر الذي يجعلنا نميز بين الطعوم المختلفة

Bread assortment تخيل لو أن قطعة البطيخ هذه لها طعم الكرنب.
حقوق الصورة: بيكساباي

ما الذي يجعل السكاكر حلوة المذاق والقهوة مرة؟ ولماذا لا يكون العكس؟ في دراسة جديدة نشرت في دورية “نيتشر” في أغسطس 2017، حدد الباحثون السر الذي يجعلنا نميز الطعوم.

نحن نعرف مسبقاً طرفي معادلة التذوق: الخلايا الذوقية الموجودة على اللسان، والتي تتفاعل مع الطعام، والخلايا العصبية التي تخبر الدماغ بطعم الشيء الذي نأكله. كل خلية ذوقية تستجيب لطعم واحد فقط (حلو، مر، حامض، مالح ،أو الطعم اللذيذ)، والخلايا العصبية تحدد هذه الطعوم. ويقوم الدماغ بتفسير الإشارات من كل مجموعة من الخلايا العصبية كطعم مختلف. ولكن العلماء لم يكونوا قادرين على تحديد كيف يتم ذلك، فعندما تأكل الآيس كريم، فإن الخلايا الذوقية للطعم الحلو تنشط بشكل انتقائي الخلايا العصبية التي تحدد هذا الطعم.

إنها مسألة صعبة، لأن الخلايا الذوقية تُستبدل كل 5-20 يوماً. ولذلك مهما كانت الروابط بينهما، فإن الخلايا الذوقية والخلايا العصبية يجب أن تكون مستهدفة بما يكفي لإعادة الاتصال كل أسبوع أو أسبوعين عندما يقوم الجسم بتوليد خلايا ذوقية جديدة. يقول هوجون لي، كبير مؤلفي الدراسة، والباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة كولومبيا: “نحن نحاول أن نفهم كيف يمكن لشيء سلس جداً على اللسان أن يكون محدداً بما فيه الكفاية بحيث تتشكل الروابط بشكل صحيح كل مرة”.

تم تطوير إحساسنا بالذوق في الأصل للحفاظ على صحتنا، فالأطعمة التي تحتوي على الكثير من السكر يكون طعمها حلواً، لأن محتواها العالي من الطاقة يجعلها مفيدة لنا، ويشير الطعم المر إلى أن شيئاً ما قد يكون ساماً. والتفريق بين شيء حلو وآخر مر يمكن أن يكون أحياناً هو الفرق بين الحياة والموت.

واستناداً إلى هذه الدراسة الجديدة، فقد تبين أن اللسان والدماغ يتواصلان عن طريق مواد تدعى “سيمافورينات“. وهي مهمة جداً في إرسال الإشارات، وتشبه في ذلك إلى حد كبير نظام الاتصالات القائم على الإشارات والذي يحمل نفس اسمها. وعندما تنتقل من خلية إلى أخرى، فإنها توجه الخلايا العصبية للنمو باتجاه معين.

وقد وجد أن السيمافورينات موجودة في كل شيء، من الفيلة وحتى الفيروسات، وأن لها ثماني فئات مختلفة. ومع أن وجود السيمافورينات معروف منذ مدة طويلة، حيث يملك البشر عشرين نوعاً منها، فإن حقيقة ارتباطها بحاسة الذوق لم تكتشف إلا في هذه الدراسة.

وقد لاحظ الباحثون أن الخلايا الذوقية عند الفأر والخاصة بالطعم الحلو والطعم المر، تحتوي كل منها على نوع فريد من السيمافورين. وبينما تحتوي خلايا الطعم المرعلى كمية أكبر من السيمافورين A3، فإن خلايا الطعم الحلو تملك كمية أكبر من السيمافورين A7.

عندما تمت إزالة جميع السيمافورينات معاً، أصبحت الخلايا العصبية أكثر عرضة للإبلاغ عن طعم خاطئ أو طعوم متعددة، ولكن الخلايا الذوقية بقيت في النهاية قادرة على تنشيط الخلايا العصبية الصحيحة. وهذا يوضح -بحسب لي- مدى أهمية النظام الحسي الذوقي. وحتى عندما تتم إزالة سيمافورين واحد، فإن هناك سيمافورينات أخرى للحماية ضد سوء التوصيل.

ولذلك، ماذا سيحدث إذا وضعتَ سيمافورين A3 في الخلايا الذوقية الخاصة بالطعم الحلو، وسيمافورين A7 في الخلايا؟ حسنٌ، بمساعدة بعض الهندسة الوراثية، كان الباحثون قادرين على فعل ما يلي: قاموا بالتعديل الوراثي لسلالتين من الفئران، تملك كل منهما واحداً من السيمافورينات في النوع الخاطئ من الخلايا الذوقية.
ويسبب هذا تبادلاً وظيفياً، فعندما تملك الخلايا الذوقية الخاصة بالطعم الحلو سيمافورين A3، فإنها تنشط الخلايا العصبية المسؤولة عن الطعم المر. وعندما تملك الخلايا الذوقية الخاصة بالطعم المر سيمافورين A7، فإنها تنشط الخلايا العصبية المسؤولة عن الطعم الحلو. ويمكن للعلماء رؤية تأثيرات هذا التبادل، لأنه عندما تم تعديل الخلايا الذوقية الخاصة بالطعم المر عند الفئران لإنتاج سيمافورين يرسل إشارات خاصة بالطعم الحلو، أصبحت الفئران غير قادرة على الإحساس بالطعم المر. وكانت تشرب الماء المر بإرادتها، وهو ما لا يحدث في الحالة الطبيعية.

ويرى ريتشارد دوتي، أستاذ أمراض الأنف والأذن والحنجرة، ومدير مركز الشم والتذوق التابع للمركز الطبي في جامعة بنسلفانيا، والذي لم يشارك في هذه الدراسة، أن هذه الدراسة هي اختراق كبير في فهم ما إذا كان إدراك طعم محدد، كالحلاوة، ينبع من المستقبلات أو من الطريقة التي تتصل بها المستقبلات بالعصب. كما يرى أيضاً أن هذه الدراسة لديها إمكانية توفير طريقة جديدة لفهم اضطرابات التذوق.

ومن النادر -بحسب دوتي- أن يأتي المرضى إلى عيادته ليشكوا من مشاكل في التذوق، ولكن هذا يحدث. ويرى ستيفن مونجر، أستاذ علم الأدوية والعلاجيات، ورئيس مركز الشم والتذوق في جامعة فلوريدا، والذي لم يشارك في هذه الدراسة أيضاً، أن اضطرابات التذوق يمكن أن تحدث نتيجة إصابة أو مرض، كالعلاج الإشعاعي لسرطان الرأس والرقبة. ويضيف دوتي أنه في هذه الحالات من اضطراب التذوق، من الأهمية بمكان أن يكون هناك فهم أفضل للكيفية التي عادة ما يقوم فيها نظام التذوق بإعادة توصيل نفسه، من أجل تطوير علاجات جديدة للمساعدة في إعادة إنشاء وظيفة التذوق الطبيعية.

وتركز هذه الدراسة على الطعوم الحلوة والمرة، على الرغم من كونها طعوم تضاد، حيث أنه يتم تحديدها من قبل المستقبلات التي يمكن المقارنة بينها بسهولة. ويأمل لي أن يصرف اهتمامه حالياً إلى الطعوم المتبقية: المالح والحامض والأومامي، لمعرفة ما هي المواد التي تربط تلك الخلايا الذوقية بخلاياها العصبية، وما الذي يحدث من جانب الخلايا العصبية. وهو يعلم أن الأمر سيكون معقداً أكثر لأنه يتتبع إشارات الطعم داخل الدماغ.
يقول لي: “أعتقد أن هذه واحدة من الحالات الأولى التي نستطيع فيها بالفعل رؤية كيف تَعبر المعلومات بالتوصيل. وبالطبع هناك الكثير من المراحل قبل أن تصل إلى الدماغ، ولذلك هناك الكثير من الأماكن التي قد يحدث فيها توصيل خاطئ، ولكن هذا يعطينا فكرة عن الاتصالات التي تشكل النظام الحسي الذوقي”.

error: Content is protected !!