Reading Time: 6 minutes

شهدنا حدوث كوارث طبيعية من قبل، ولكنها وصلت هذا العام إلى مستويات جديدة من الشدّة. إذ شهدت ولاية كاليفورنيا حصتها من حرائق الغابات، ولكن حريق كامب فاير (Camp Fire) أدى إلى احتراق 150 ألف فدان، وهو الحريق الأضخم بين الحرائق الكبيرة. ولا تعتبر الأعاصير غريبة عن ولاية فلوريدا، ولكن هبوب رياح من الفئة الرابعة في إعصار مايكل جعله الأقوى على الإطلاق الذي يصل إلى حدود الولاية. كما تحدث العواصف الاستوائية في المحيط الهادئ مع أعاصير بشكل منتظم في المحيط الأطلسي، ولكن أصدر المسؤولون في هونغ كونغ هذا العام تحذيراً نادراً من الإشارة العاشرة قبل أن تضرب العاصفة مانكوت المدينة.

ومع ازدياد شدة وشيوع الكوارث الطبيعية، فإننا بحاجة إلى التخلّص من الطرق القديمة في التفكير حول الطقس الخطير والتحدث عنه والاستعداد له. وفي شهر ديسمبر 2018، قام العلماء في اجتماع جمعية تحليل المخاطر (Society for Risk Analysis) في نيو أورليانز بسرد الأسباب لكتابة مجموعة من القواعد للتعامل مع هذا العالم الذي يزداد غموضاً.

حرائق الغابات

تزداد حرائق الغابات في الولايات المتحدة اتساعاً وحجماً وتصل إلى أماكن أبعد وأوسع.

قامت أليسون كولينوهي خبيرة في تقييم المخاطر والسياسات البيئية في جامعة واشنطنمع هاري بودشويتوهو طالب دراسات عليا يدرس الحرائق والبيئة الكمية في جامعة واشنطنبدراسة بيانات الأقمار الصناعية لتتبع تزامن الحرائق على مدى 32 عاماً. خلال السنوات الست عشرة الأولىمن عام 1984 إلى عام 1999- أدى حريقان فقط إلى احتراق أكثر من 50 ألف فدان في الجنوب الغربي من البلاد، والذي يُعرف على أنه منطقة شاسعة من الأراضي القاحلة والتي تضم ولايتي نيومكسيكو وأريزونا وثلث ولاية تكساس وجزء من المنطقة الشمالية الغربية المتطرّفة من ولاية أوكلاهوما.

بدت السنوات الخمس عشرة التالية مختلفة إلى حدّ ما. فمن عام 2000 حتى عام 2015، اندلع 34 حريقاً بذلك الحجم في نفس المنطقة. وأصبح أكثر شيوعاً أيضاً أن يندلع أكثر من حريق كبير في وقت واحد. ففي أحد الأوقات، اندلعت خمس حرائق كبيرة جداً في الجنوب الغربي في شهر واحد، كما يقول بودشويت. أما في السابق، فقد كان من النادر أن يحدث أكثر من حريق واحد.

ويمكن لأنماط الطقس أيضاً أن تساعد الخبراء على تحديد فيما إذا كانت إحدى المناطق أكثر عرضة لحرائق الغابات المتزامنة في وقت واحد. فعلى سبيل المثال، ارتبطت درجات الحرارة الأعلى من المعتاد في الجبال الصخرية الشمالية مع احتمال أكبر لاندلاع حرائق كبيرة في وقت واحد. أما رطوبة الوقود الكبيرة في منطقة الحوض العظيم بولاية نيفاداأي أن تصبح الشجيرات جافة والنباتات سريعة الاحتراقفقد ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بتلك الحرائق في هذه المنطقة.

وتضيف كولين أن الولايات والمدن الأميركية تميل إلى تقاسم موارد مكافحة الحرائق، سواء كانت القوى البشرية أو صهاريج مياه أو طائرات الهليكوبتر أو غيرها من القوى التشغيلية التي تساعدها على إخماد عدوّها الناري. لذا فإن فهم الظروف المحليةمثل تلك التي حدّدتها كولين وبودشويت في الجنوب الغربييعدّ أمراً ضرورياً إذا كان الناس المتواجدون على الأرض يريدون أن يتبنّوا ممارسات للوقاية من الحرائق بحيث تكون مناسبة محلياً وأن يستعدوا لمواجهة أمر لا مفر منه.

الفيضانات الساحلية

مع توقّع ارتفاع مستويات البحار حول العالم، تحاول العديد من المدن الساحلية الاستعداد لفيضانات لم يسبق لها مثيل بحلول نهاية هذا القرن. ولكن كيف يمكن معرفة الخطوات العملية التي يجب اتخاذها؟ وكيف يمكن أن نجعل سكان المدن موائمين لهذه التغيّرات؟

هذا ما تعمل على استكشافه تامسن لايلالمؤسِّسة لشركة إبووتر كونسلتنج (Ebbwater Consulting) الهندسيةفي مدينتها فانكوفر. وقد بدأت بإعداد خرائط للمخاطر لمعرفة المناطق التي من المتوقع أن تشهد عدداً أكبر من الفيضانات في المدينة، وكم عددها.

بعد ذلك، وباستخدام حيّ كيتسيلانو الخلّاب كنموذج، عملت لايل مع موظفي المدينة لمعرفة كمية مياه الفيضانات التي يمكن أن تتحملها أنابيب المياه والطرق والبنى التحتية الأخرى في الحي. والتقت بموظفي المدينة الآخرين لإخبارهم عن الفيضانات وإجراء استبيان لردود أفعالهم. حيث سألتهم لايل عن مدى الفيضانات التي يستطيع الناس تحمّلها، وعن استراتيجيات التخفيف الممكنة التي تتلاءم معهم.

وكان من المتوقع أن يكون الناس أكثر ارتياحاً لحدوث الفيضانات في المتنزهات وملاعب التنس بشكل أكثر من منازلهم أو مدارسهم. ولكن لايل تقول بأن تحمّل الناس للفيضانات كان أقل بكثير مما توقعت، وبأن العديد من الناسمن سكان الحي غالباًخرجوا من اجتماعاتها لأنهم كانوا غير مرتاحين أبداً لسيناريوهات الفيضانات الافتراضية. وتضيف: “إنها مشكلة فظيعة للغاية.”

إن معرفة الأمور الأكثر أهمية بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون في الحيّ يمكن أن يعطي المهندسين نقطة للبدء بها. فعند أخذ مسبح كيتسيلانو الشهير بجانب البحر على سبيل المثال، فإن بعض الناس يسبحون في المسبح كل يوم في فصل الصيف طوال حياتهم، كما تقول لايل. وإن حماية المسبح أمر مهم بالنسبة لهم، حتى وإن بدت حماية المسبح من الفيضانات الإضافية غير منطقية.

ومن المهم أيضاً كيفية المشاركة مع السكان. تقول لايل بأن الصور والشهادات ورواية القصص أكثر فعالية بكثير من صدم الناس بالحقائق. يجب على الناس أن ينخرطوا في المشكلة للمساعدة في حلّها، بدلاً من التنحّي فقط.

خراب من زلزال وتسونامي في اليابان عام 2011.

التسونامي

يمكن للتثقيف أن يفعل الكثير لحماية الناس من الكوارث الطبيعية مثل التسونامي. وفي الوقت نفسه، فإن اتخاذ خطوات أخرى لحماية شواطئ المدنمثل تركيب جدران بحريةيمكن أن يعرّض المزيد من الناس للخطر.

يحدث التسونامي بسبب الزلازل في أعماق المحيطات، ويختلف عن حرائق الغابات والفيضانات الساحلية من حيث أنه لا ينتج عن الأحوال الجوية التي تتأثر بتغيّر المناخ بشكل مباشر. صحيح أن سبب التسونامي هو الزلازل في أعماق المحيطات، ولكن لوجان يقول بأن عمليات المحاكاة التي أجراها تُظهر أن التسونامي قد يزداد مع ارتفاع مستوى سطح البحر، مما يمنحه القدرة على إلحاق المزيد من الضرر.

يقول توم لوجانوهو مرشّح لدرجة الدكتوراه في الهندسة الصناعية والعمليات في جامعة ميتشيغان: “أريد التشديد على أمر وهو أننا نحتاج إلى الابتعاد عن المناطق المكشوفة، ولكننا لا نستطيع أن نتخلّى عن الأشخاص الموجودين هناك“. ويعدّ لوغان هو المؤلف الرئيسي في دراسة جديدة حول التخفيف من مخاطر التسونامي، والتي نُشرت في مجلة نيتشر سوستينابيليتي (Nature Sustainability) وعُرضت في مؤتمر تحليل المخاطر.

لإلقاء نظرة على تقاطع التدابير التكيّفيةمثل بناء الجدران البحرية والتنمية الحضرية والسلوك البشريقام لوجان بتسليط الضوء على مدينة تارو في اليابان. إذ تعرّضت المدينة لأربع كوارث تسونامي في الأعوام الـ 120 الأخيرة. وقام ببناء نموذج يدمج تغيير استخدام الأراضي والسلوك البشري وحجم التسونامي لدراسة مدى تعرّض المدينة للخطر مع وجود جدران بحرية بأحجام مختلفة. ويمكن للشعور بالأمان الذي توفّره هذه الجدران للسكان أن يتسبّب في استقرار المزيد من الناس بالقرب من مناطق التسونامي، مما يعرّضهم للضرر.

ويعدّ هذا الأمر صحيحاً بشكل خاص عند تناول ميل البشر إلى نسيان الأحداث المؤلمة حقاً بمرور الوقت. إذ أن تلاشي الذاكرة الجماعية لآخر تسونامي من شأنه أن يؤثر على قابلية التأثّر الحالية والمستقبلية. ومن المفارقات أن هذا يعني بأن ازدياد تكرار حدوث الكوارث الطبيعية يمكن أن يقلل من قابليتنا للتأثر لأن التكرار يحافظ على وجود تلك الذاكرة. ولكن لوجان يقول بأنه لا ينبغي لنا أن نقلل منالتكيّفات الليّنةمثل التثقيف عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الكوارث الطبيعية.

تغيّر المناخ

إن حماية أنفسنا من هذه الأنواع من الكوارث يجب أن يتضمّن العامل الذي يدفع الكثير من الكوارث الطبيعية إلى أقصى درجاتها، ألا وهو تغيّر المناخ. ولا يمكن البدء باتخاذ إجراءات بشأن تغيّر المناخ إلا عندما ينخرط الأشخاص مع هذه المشكلة بطريقة ذات معنى.

ومن أجل إيجاد طرق أكثر فعالية للوصول إلى الناس بشأن هذه المشكلة الكبيرة، قامت جانيت يانغأستاذة التواصل في جامعة ولاية نيويورك في بوفالوبدراسة رسائل تغيّر المناخ التي استجاب لها أشخاص ذوو ميول سياسية مختلفة. وتماشياً مع نتائج الأبحاث النفسية، فقد وجدت أنه من المرجح أن نهتم بالتهديدات ونشعر بالتحرك لاتخاذ إجراءات بشأنها عندما تكون أقرب إلينا من الناحية النفسية.

وقامت يانغ بتصميم مجموعة من الاستبيانات والتي جعلت الأشخاص أولاً يشاهدون مقطع فيديو قصيراً، ثم سألتهم مجموعة من الأسئلة. وتم في مقطع الفيديو إما وصف التهديد الذي يمكن أن يرتبط به الناس (نفاذ القهوة!) أو الذي يشعرون بأنه مجرد فكرة نظرية (مرض غير معروف ينتقل عن طريق القراد) في الولايات المتحدة أو إندونيسيا.

واعتمدت الرسالة التي استجاب لها المشاهدون على انتمائهم السياسي الذي أعلنوا عنه بشكل ذاتي، كما وجدت يانغ. إذ كان المحافظون يميلون إلى الإبلاغ عن أعلى مستوى من الاهتمام والدعم السياسي بعد مشاهدة مقطع فيديو حول الأمراض المنقولة بالقراد في الولايات المتحدة، الأمر الذي يرى المؤلفون أنه امتداد لحساسية الكثير من المحافظين تجاه الأفكار الجديدة والمسافة النفسية. وفي الوقت نفسه، كان الليبراليون أكثر استجابة للرسائل المتعلقة بالمناخ، لكنهم أشاروا إلى أنهم أقل حماساً للعمل عندما شاهدوا مقاطع فيديو عن التأثيرات المباشرة والفورية لتغيّر المناخ، وأثاروا مخاوف بشأن مدى فعالية الإجراءات بشأن المناخ. ووجدت دراسة متابعة بأن الليبراليين استجابوا بشكل أفضل للمقالات التي تدور حول الحلول لمشكلة تغيّر المناخ بدلاً من مجرد سرد المشاكل التي يبدو بأنه لا يمكن التغلب عليها.

وتخلص يانغ إلى أن الأمر الأساسي في الحديث عن تغيّر المناخ هو إيجاد رسالة تراعي وجهة نظر الشخص الخاصة حول العالم. فعند التحدث إلى شخص يساري، حاول الانخراط في حلول لمشكلة تغيّر المناخ. وعند التحدث إلى شخص أكثر محافظة، تجنّب ذكر مثال عن الدب القطبي على جبل جليدي واطرح أمراً أكثر ارتباطاً بشكل مباشر بهذا الشخص. نحتاج إلى تسليط الضوء على الأمثلة المحلية لتأثيرات تغيّر المناخ، وعلى الخطوات الملموسة التي يمكن أن نتخذها للتخفيف منه. بخلاف ذلك، من السهل جداً على الأشخاص من جميع الاتجاهات السياسية أن يبتعدوا. ولا تسمح لنفسك بأن تنأى عن المشكلة، حيث يحتاج الجميع إلى إعادة تقييم لما يقف بينهم وبين الإجراءات المناخية.

نحن جميعاً في منطقة مجهولة. وهذا يعني أننا بحاجة إلى التحدّث أكثر عن الحالات الشديدة للطقس وكيفية تطورها. قد يساعدنا تحديث القواعد والإجراءات في حماية أنفسنا والأشخاص الأكثر قابلية للتأثر بيننا من الكوارث المستقبلية.