Reading Time: 4 minutes

يقدم الأطباء يومياً وصفات دوائية لعلاج مرضاهم من الأمراض المختلفة، إلا أن تلك الوصفات يتم كتابتها فقط بعد أن يكون المرض قد تمكن من المريض، ونال منه بالفعل. وفي محاولةٍ جادة لإيقاف المرض قبل بدايته، يقوم بعض الباحثين بالضغط من أجل وضع سياسات وبرامج تُتيح للأطباء وصف الأطعمة الصحية، مع إلزام شركات التأمين بتغطية تلك النفقات، مما يساعد المرضى بشكلٍ فعال على تغيير عاداتهم الغذائية، والتحول إلى نظام غذائي يعزز الصحة.

يقترح هذا النوع من البرامج أن يتم دعم تكلفة الفواكه والخضراوات، وغيرها من الأطعمة الصحية بتغطية من برنامج التأمين الصحي (Medicare)، وبرنامج المساعدات الطبية لمحدودي الدخل (Medicaid) في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن خلال تطبيق هذا البرنامج، يمكن منع حدوث ملايين من الحالات المرضية، والوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية، وذلك وفقاً لنتائج نموذج جديد لتحليل فعالية الإنفاق على الرعاية الصحية، وهو الأمر الذي سيمنع حدوث مئات الآلاف من حالات مرض السكري، كما سيوفر مليارات الدولارات من تكاليف الرعاية الصحية.

يقول مؤلف الدراسة “داريوش موزافاريان”، عميد كلية فريدمان لعلوم التغذية: “إن قدرة الغذاء العلاجية صارت واضحة بصورة كبيرة”. وتشير “ريتا نغوين” التي تشغل منصب المدير الطبي لمبادرات الغذاء الصحي في مستشفى زوكربيرج سان فرانسيسكو العام، إلى أن فكرة اعتبار الطعام عنصراً أساسياً في الرعاية الصحية بدأت تنتشر في مختلف قطاعات الرعاية الصحية، حيث تقول: “بإمكان الناس إدراك صواب ذلك بالفطرة”.  وتستطرد “نغوين” موضحةً: “إننا ننفق الكثير على الرعاية الصحية، ونتائجنا كانت في غاية السوء، بينما لا نستثمر بشكلٍ كافٍ في الوقاية”.

الوقاية خيرٌ من العلاج

ترى “نغوين” أن اعتبار الغذاء دواءاً، لا يعني بالضرورة أنه بالإمكان استخدام طعام محدد لعلاج مرض بعينه، لكن اتباع نظام غذائي صحي قد يُساعد في التعامل مع المرض، حيث يُعد فقر النظام الغذائي عامل الخطر الرئيسي المسبب لعددٍ من الأمراض، منها على سبيل المثال أمراض القلب والأوعية الدموية. أيضاً في حالة انعدام الأمن الغذائي، فإن علاج شخص ما عن طريق إعطائه الطعام قد يُحسّن من حالته الصحية،, أما بالنسبة للذين يتمتعون بالأمن الغذائي، فإن اتباعهم لنظام غذائي صحي وجيد، سيزيد من قدرتهم على الحفاظ على صحتهم، وتجنب حدوث العديد من الأمراض.

يقدم النموذج الجديد تحليلاً للآثار الناجمة عن اتباع مسار خُطتين: تقترح الأولى تغطية 30% من تكاليف الفواكه والخضروات تحت برنامجي “التأمين الصحي” و”المساعدات الطبية”، أما الخطة الثانية، فتقترح تغطية تكلفة 30% من الفواكه والخضروات، وغيرها من الأطعمة الصحية مثل الحبوب الكاملة والمأكولات البحرية. يشتمل النموذج على أمورٍ منها العوامل الاجتماعية والاقتصادية للتركيبة السكانية، والعوامل المسببة للخطر على صحة الأشخاص المسجلين في برنامجي التأمين الصحي والمساعدات الطبية، بالإضافة إلى البيانات المتعلقة بالطريقة التي يتحكم بها انخفاض الأسعار في سلوكيات شراء الأغذية الصحية، وكذلك التكاليف المتوقعة لتطبيق هذا النظام.

استنتج الفريق الذي أجرى الدراسة أن دعم الفواكه والخضروات، سيمنع حدوث 1.93 مليون حالة إصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل النوبات القلبية، كما أنه قادرٌ أيضاً على منع حدوث 350 ألف حالة وفاة جراء هذه الأمراض. بينما من شأن إقرار الخطة الثانية التي تقترح تقديم برنامج لدعم جميع الأطعمة الصحية، بما فيها الفواكه والخضروات، أن يمنع حدوث 3.28 مليون حالة إصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، 120 ألف حالة من مرض السكري، و620 ألف حالة وفاة. كما أنه من المتوقع أن يوفر برنامج دعم الفواكه والخضروات ما يقرب من 40 مليار دولار من تكاليف الرعاية الصحية، وإذا أضفنا الأطعمة الصحية الأخرى إلى برنامج الدعم، عندها سيتم توفير أكثر من 100 مليار دولار.

تحديات مادية

يقول “موزافاريان”: “بالطبع سيكلفنا هذا الأمر الكثير من الأموال، لكن غالبية الأموال المنفقة، سيتم تعويضُها من انخفاض تكاليف الرعاية الصحية. فعند النظر إلى التكلفة لكل سنة إضافية على العمر المتوقع للأشخاص الذين يتم إنقاذ حياتهم، سنجد أن كلتا الخطتين المقترحتين فعالتان للغاية من حيث التكلفة”. إذاً فقد أظهرت هذه الاقتراحات فعاليةً من حيث التكلفة تُضاهى فعالية تكلفة استخدام الأدوية لمنع ارتفاع ضغط الدم.

تضيف “نغوين”: “نريد أن تُدرك شركات التأمين الصحي قيمة الغذاء. ليس هذا لأننا شديدو التعاطف مع ذوي الدخل المنخفض، إنما هو رأي يستند إلى العلم. باختصار إذا قدمت للناس طعاماً صحياً، فستقوم بتوفير المزيد من المال في النهاية “.

في حين يمنحنا النموذج الجديد نظرة على الصورة الكبيرة لتأثير هذا البرنامج على المستوى الوطني، فإن الجهود المبذولة على أرض الواقع لتنفيذ تدخُّلات مماثلة، تُعد أيضاً مفتاحاً لفهم تأثير تقديم الغذاء الصحي في صورة إعانات غذائية، أو وصفات يكتبها الأطباء. مثل هذه الدراسات إما أنها تجري الآن أو هي في مراحل التخطيط: فهناك دراسة تكلفت 6 ملايين دولار في ولاية كاليفورنيا تُقدم وجبات مخصصة طبياً للمرضى، كما تضمّن مشروع قانون الزراعة لعام 2018 مبلغ 25 مليون دولار كتمويل للدراسات التجريبية الخاصة بالوصفات الطبية.
يشير “موزافاريان” إلى أن  المقاربات التي تعتبر الغذاء علاجاً، بدأت تكتسب زخماً حقيقياً. كما يوضّح أنه  إذا تم تنفيذ الدراسات التجريبية، وبدأ العمل بها، فإن “هناك أملاً حقيقياً أن تذهب إلى الطبيب في المستقبل القريب، وتجد أن بإمكانه أن يكتب لك وصفة طبية للنظام الغذائي الواجب اتباعه، وأن تكون شركة التأمين مُلزمة بتحمل تكلفة هذا الطعام جزئياً”.

تشير “نغوين” إلى أن الحواجز التي تحول دون اتباع نظام غذائي صحي هي حواجز مالية في المقام الأول، فإذا توفر لديك المال، ستستطيع إذاً الحصول على طعام صحي. في حين لا يُعد نقص محلات بيع الأغذية الصحية العقبة الأساسية، حيث تُظهر بعض الدراسات أن مجرد إضافة مجلات للبقالة لا يزيد من استهلاك الناس للأغذية الصحية أو يُحسّن من مستوى صحتهم. بالطبع قد يكون هذا الأمر عائقاً في المجتمعات ذات دخلٍ مرتفع، إلا أنها ليست السبب الرئيسي في عدم الحصول على غذاء صحي في المجتمعات ذات دخلٍ منخفض، وإنما الأمور المادية هي العائق الأساسي.

برامج وصفات الطعام والإعانات الغذائية التي تُخفض من تكاليف الغذاء الصحي بإمكانها المساعدة، فهي مصممة للحد من مشاكل الرعاية الصحية والتكاليف المترتبة عليها. بكلماتٍ أخرى، تُعد التدخلات الغذائية رهاناً أفضل من زيارات الأطباء، أو انتظار اكتشاف علاج حديث لبعض الأمراض التي يمكن تجنبها من خلال برامج غذائية صحية. وأخيراً وفقاً لـ “نغوين”، فإن الاهتمام فقط بإتاحة الحصول على الرعاية الصحية دون الاهتمام بدعم الأغذية الصحية لن يكون قادراً على منع المرض من منبعه.