Reading Time: 5 minutes

يجلس الجميع متأهبين في الظلام، مستعدين لمشاهدة العرض. يُفتح الستار، وتنطلق 4 أحصنة في حلة مزينة بألوانٍ زاهية تدور في حلبة السيرك، ثم تختفي، ويظهر بعدها فيل أفريقي هائل الحجم يحيي الجمهور ملوحاً بخرطومه، ويؤدي إحدى الحركات التقليدية لأفيال السيرك، فيقف على رجليه الأماميتين رافعاُ باقي جسده في رشاقة ثم يختفي. وتظهر في منتصف حلبة السيرك تماماً سمكة زينة برتقالية تعوم بحرية خاطفةً أنظار الحضور.. فربما تكون المرة الأولى التي يشاهدون فيها سمكة في سيرك!

المكان سيرك «رونكالي» الألماني، أول سيرك يقدم عروضاَ لحيوانات ثلاثية الأبعاد بتقنية الهولوجرام دون حضورٍ للحيوانات الحقيقية. يقول مذيع التليفزيون الألماني «ماكس شاترز» في لقاء مسجل خلال إحدى حفلات السيرك: «لقد تراكم الغبار على السيرك القديم، لكن بهذه الطريقة سيظل السيرك حياً للأبد».

منذ التسعينيات، اتخذت إدارة سيرك رونكالي قراراً بالتخلي عن استخدام الحيوانات البرية المدربة في عروضها، ومنذ ذلك الحين تضمنت فقراتها الأحصنة المنزلية فقط. لكن مؤخراً قررت إدارة السيرك التوقف تماماً عن استخدام أي حيوان. يقول «برنارد بول»، مدير السيرك ومؤسسه لإحدى الصحف الألمانية، إن أغلب عروض سيرك رونكالي اعتمدت بالأساس وما زالت على فقرات المهرجين ولاعبي الأكروبات والجمباز والفنانين الاستعراضيين، لذا لم تكن هذه الخطوة بهذه الصعوبة.

تعاونت إدارة السيرك مع شركة «أوبتوما» المصنعة لأجهزة العرض بتقنية الهولوجرام. أراد سيرك رونكالي إنشاء صور متحركة ثلاثية الأبعاد، تحاكي العروض الحقيقية، عن طريق أجهزة عرض ساطعة وموثوق في كفائتها وطويلة الأمد؛ لملء ساحة السيرك، التي يبلغ عرضها 32 متراً وعمقها 5 أمتار برؤية 360 درجة تتيح للجمهور بأكمله مشاهدة العرض من أي مكان.

كان الأمر تحديًا حقيقياً مثلما تصف شركة أوبتوما، لكنه أصبح حقيقة. يستخدم السيرك 11 جهاز عرض لعرض الصور الهولوجرامية ثلاثية الأبعاد، إلى جانب أجهزة عرض أخرى في العروض مع تحقيق نتائج مذهلة، وفقاً لرأي الجمهور الذي حضر العروض. تطلب الأمر طاقماً مكوناً من 15 مصمماً ومهندس برمجيات للعمل على جمع كل شيء معاً.

فيديو لشركة أوبتوما لأحد عروض سيرك رونكالي في 2018:

استحسان عام

لاقى الأمر استحسان كبير لدى الجمهور الذين أبهرهم العرض، والمدافعين عن حقوق الحيوانات، الذين يخوضون معارك طويلة من أجل منع إساءة معاملة الحيوانات، ووضعهم في بيئات غير مناسبة لهم ولا تلبي احتياجاتهم. فتاريخ المعاملة العنيفة مع الحيوانات واستغلالهم في العروض الترفيهية من أجل تحقيق الأرباح يمتد لعقود وعقود طويلة.

وفي سبيل تحرير الحيوانات ووضعهم في بيئاتهم الطبيعية، بدأت بعض الدول ومنها بريطانيا في سن القوانين التي تمنع استخدام الحيوانات البرية في عروض السيرك المتنقل، وفرض الغرامات المعاقبة على غير الملتزمين من مديري عروض السيرك. فأعلنت الحكومة عبر موقعها الإلكتروني أن استخدام الحيوانات البرية في السيرك المتنقل لم يعد له مكان في المجتمع الحديث،  ولا يقدم أي شيء من أجل الحفاظ على الحيوانات البرية أو فهمنا لها.

كما أصبحت ولاية نيو جيرسي الأمريكية أول ولاية أميركية تحظر استخدام الحيوانات البرية في عروض السيرك المتنقل، بعد أن صدّق حاكم الولاية «فيل مورفي» على القرار، وذلك من أجل تحقيق المزيد من معايير السلامة العامة في السيرك، وحفاظاً على حياة الحيوانات وحقهم في العيش في بيئتهم، بعد فيديوهات عديدة موثقة من جمعيات حقوق الحيوان توثق إجبار الحيوانات على القيام بالفقرات الاستعراضية، ومعاملتهم بشكل سيّء.

عن تقنية الهولوجرام

لفت سيرك كورنالي بعروضه الهولوجرامية المبهرة مزيداً من الأنظار إلى تطبيقات التكنولوجيا، وكيف يمكن استخدامها من أجل خدمة قضايا هامة، مثل إساءة الحيوان، وتقديم حلول فعّالة تلقى قبول الجماهير، حتى طالب بعضهم في تعليقاتهم على حسابات مواقع التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وفيسبوك بإحضار الحيوانات الأسطورية، مثل التنانين، والمنقرضة مثل الديناصورات إلى العروض وتحقيق ما كان يوماً مستحيلاً.

بعض من هذه التعليقات على الفيديو الذي نشرته شركة أوبتوما لواحد من عروض سيرك رونكالي المعتمد على تقنية الهولوجرام.

والهولوجرام تقنية تشبه إلى حدٍ ما الصور الفوتوغرافية لكنها تختلف عنها في كونها ثلاثية الأبعاد. ومن أجل تقريب الفرق بين الهولوجرام والصورة الفوتوغرافية، تخيل أنك تلتقط صورة لتفاحة مثلاً، تمسك الكاميرا وتضغط على زر التصوير، تنفتح عدسة الكاميرا لفترة وجيزة لتسمح بوصول الضوء إلى حساس الصورة (CCD) في الكاميرا الرقمية والمسئول عن استقبال الضوء المنعكس. يأتي كل الضوء المنبعث من التفاحة من اتجاه واحد ويتجه إلى عدسة واحدة لتلتقطه، فلا يمكن للكاميرا غير أن تقوم بتسجيل صورة ثابتة ثنائية الأبعاد للتفاحة.

لكن تخيل أنك تنظر إلى نفس التفاحة، ما الذي يحدث؟ إذا نظرت إلى التفاحة، يحدث شيء مختلف. ينعكس الضوء الساقط على سطح التفاحة في عينيك الاثنتين، ويدمج عقلك صورتيهما في صورة واحدة مجسمة (ثلاثية الأبعاد). وعند تحريك رأسك قليلاً ، تسير أشعة الضوء المنعكسة عن التفاح خلال مسارات مختلفة قليلاً لتلتقطها عينيك، ولهذا لا يظهر الظل والنور والألوان ثابتة، كما في الصورة الفوتوغرافية، بل تبدو أجزاء من التفاحة أفتح أو أغمق أو بلون مختلف. 

يعمل الهولوجرام بشكلٍ مقارب للكيفية التي ترى بها عيوننا الأشياء، ويترجمها عقلنا لصور مجسمة ثلاثية الأبعاد.

لا تقتصر إمكانية الهولوجرام ثلاثي الأبعاد على عرض المنتجات أو الأشياء الثابتة فحسب، بل تمتد لعرض الصور المتحركة لتطفو بحرية تامة في الفضاء المتاح لها في شكل أقرب ما يكون للواقعية، مثلما يحدث في عروض سيرك كورنالي. يتميز عرض الهولوجرام بأنه يتيح رؤيته من أي جانب، ولا يتطلب من الحاضرين ارتداء نظارات ثلاثية الأبعاد، مثل تلك التي يرتدونها عند ذهابهم لرؤية الأفلام ثلاثية الأبعاد في دور السينما. ومع حضور إعدادات صوتية مصاحبة للعرض الحركي، يتم تحقيق نتائج أكثر نجاحاً وإبهاراً. يتم العرض من خلال جهاز عرض  ثلاثي الأبعاد، وتتنوع أجهزة العرض ثلاثية الأبعاد في الحجم لتناسب الأغراض المختلفة المستخدمة في عرضها.  

تتنوع استخدامات تقنية الهولوجرام ثلاثية الأبعاد في مجالات مختلفة، فيمكن استخدامها في المعارض التجارية، والاجتماعات، والفعاليات المنظمة، والمتاحف، وعروض المنتجات في المتاجر الرئيسية، وأثبتت التجربة أنه يمكن استخدامها في السيرك المتنقل، وغيرها الكثير.

 كما يُستخدم الهولوجرام من أجل أغراض أمنية لمنع تزييف العملات النقدية الورقية، وبطاقات الائتمان والبرامج الإلكترونية غيرها. فالشريط اللامع الموجود أعلى العملات الورقية، ما هو إلا صورة هولوجرامية ويتم استخدامها لصعوبة عمل نسخ منها وإعادة إنتاجها ما يساعد على منع طباعة أوراق نقدية زائفة.

حقوق الصورة: dave gough/flickr/CC BY 2.0

يرجع تاريخ تطوير تقنية الهولوغرام إلى عام 1948، عندما تم اكتشاف مفاهيم الهولوجرام بالصدفة على يد العالم المجري «دينيس غابور» عندما كان يعمل على مشروع لتحسين جودة صور المجهر الإلكتروني، وبفضل اكتشافه حاز غابور على جائزة نوبل في الفيزياء بعدها بسنوات عديدة في عام 1971.

لم يدخل الهولوجرام حيز التطبيق حتى تم اختراع الليزر عام 1960، ومنذ ذلك الحين شهدت تقنية الهولوجرام تطورات سريعة سواء في مجال العرض أو التصوير العلمي. وفي ذلك الوقت قام العالمان «إيميت ليث» و«جوريس أباتنيكس»، المتخصصان في الهندسة الكهربية من جامعة ميشيغان، بتطبيق مفهوم الهولوجرام بمساعدة تقنية الليزر في تسجيل صور ثلاثية الأبعاد لبعض الأجسام. 

وفي الفترة نفسها كان يعمل الفيزيائي السوفيتي «يوري دينيسيوك» على التصوير الضوئي المجسم، واختراع نوع آخر من التصوير بالهولوجرام، والذي لا يزال قيد الاستخدام حتى الآن. 

ومع تطور التقنيات التكنولوجية وظهور أساليب وأجهزة عرض جديدة تم تحسين الصور الهولوجرامية ثلاثية الأبعاد أكثر وأكثر مع مرور الوقت، واتسعت مجالات استخدامها.

كان سيرك رونكالي الأول في التجربة، لكنه ربما لن يكون الأخير، فقد نشاهد عروض مماثلة في حلبات سيرك أخرى في بلاد مختلفة. الأكيد أن هذه التقنية ستساعد في الحفاظ على حياة الحيوانات، وجلب ما انقرض منها مرة أخرى إلى عالمنا.