Image

يجب على الولايات المتحدة أن تغير أسلوبها في الردع إذا أرادت تجنب إعادة أسوأ ما في الحرب الباردة

Bread assortment صاروخ كوري شمالي يندفع نحو الأعلى، وهو حتى الآن صاروخ ذو مدى قصير جداَ
المصدر: لقطة مصورة من أحد مقاطع اليوتيوب

أجري الاختبار الأول للقنبلة النووية بشكل جوي، أي أنه تم تفجير القنبلة ضمن الغلاف الجوي. وبدءاً من ذلك اليوم في العام 1945، وعلى مدى أول عقدين من الزمن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أجرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حوالي 400 اختبار جوي آخر في الإجمال. وأجرت فرنسا آخر اختباراتها الجوية في سبعينيات القرن الماضي، أما الصين فأجرت آخر اختباراتها الجوية في أكتوبر من العام 1980. ويمكن القول إن نصف سكان العالم ولدوا بعد آخر انفجار نووي في السماء، غير أن هذا قد يتغير، بسبب اشتداد التوتر بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية متجهاً إلى حافة هاوية مواجهة نووية حديثة.

تعتبر كوريا الشمالية الدولة الوحيدة التي اختبرت أسلحة نووية في القرن الواحد والعشرين. وحتى الآن، أجريت جميع اختباراتها تحت الأرض، حيث يمكن احتواء آثار الانفجار بشكل أفضل. يعني الاختبار الجوي للقنبلة رفعها بشكل عمودي، فوق أراضي كوريا الشمالية نفسها، أو إطلاقها في مسار أكثر ميلاً نحو الأفق، بحيث يحمل الصاروخ رأساً نووياً عابراً فوق دولة قريبة. وعلى الرغم من أن هذا الاختبار ممكن تقنياً بالنسبة لدولة كيم جونغ أون، فقد وصل الاختبار إلى طاولة المفاوضات بفضل سوء فهم دبلوماسي.

منذ فترة وجيزة، صرح وزير الخارجية ري يونغ – هو بأن بيونغ يانغ قد ترد على التهديد الذي أطلقه الرئيس ترامب في الأمم المتحدة بتدمير كوريا الشمالية، وذلك باتخاذ إجراءات قد تصل إلى “تفجير قنبلة هيدروجينية قوية في المحيط الهادي”، وفقاً لوكالة يونهاب الإخبارية. وجاء هذا التصريح على إثر مواجهات كلامية متصاعدة في نفس الأسبوع، حيث كان رئيس أقدم قوة نووية في العالم يحاول لجم أحدث قوة نووية في العالم.

حتى نفهم المخاطر الناجمة عن الاختبار الجوي الجديد المحتمل، من المفيد أن نعود بالزمن إلى العام 1963، عندما وقعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي معاهدة الحظر الجزئي للاختبارات، وسنحتاج أن نضيق نطاق نظرنا قليلاً، لنتفحص بعضاً من أسنان الأطفال.

أسنان أطفال مشعة

يقول أليكس ويلرشتاين، الأستاذ المساعد في معهد ستيفنز للتكنولوجيا، والمتخصص بتاريخ الأسلحة النووية: “تصاعدت المخاوف الصحية لدى الشعب الأميركي، بسبب وجود مستويات واضحة من الإشعاع في عظام الناس. وقد شهدت البلاد حدثاً كبيراً سمّي باستبيان أسنان الأطفال، حيث شجعت الحكومة الناس على إرسال الأسنان اللبنية لأطفالهم بعد سقوطها. وقد استخدم العلماء هذه الأسنان، إضافة إلى مكان سكن الأطفال وأعمارهم، حتى يقيسوا مقدار تسرب السترونيوم 90 إلى عظام الشعب الأميركي”.

يعتبر السترونيوم 90 أحد النظائر المشعة التي تنتج عن الانشطار النووي. وفي حالة الاختبارات الجوية، تبقى غمامة النواتج المشعة في الهواء، وتختلط مع الغيوم الأخرى، ومن ثم تسقط إلى الأرض مع المطر، وينتهي بها المطاف في النظام البيئي، على الأعشاب مثلاً. حيث تأكل الأبقار هذه الأعشاب، ومن ثم ينتقل السترونيوم إلى الحليب، لأنه يتمتع بسلوك كيميائي مماثل للكالسيوم، وبعد هذا، يصل إلى العظام البشرية.

يقول ويلرشتاين: “لن تصاب بأذى بالغ بسبب كميات صغيرة من هذه المادة، ولكن مع ارتفاع مستوى التعرض لها، وضمن أعداد كبيرة من السكان، يزداد احتمال الإصابة بسرطان قاتل، وهو احتمال مرتفع أصلاً، وأكثر مما يعتقد الكثيرون. ويكفي إضافة مقدار اثنين بالمائة إلى هذا الاحتمال بالنسبة لتعداد سكاني من 300 مليون شخص لتزداد الإصابات وصولاً إلى الآلاف من الناس، حتى لو كان من الصعب تحديد المصدر الأصلي للتعرض الإشعاعي”.

إضافة إلى المخاطر الصحية، كان هناك ايضاً سبب استراتيجي لحظر الاختبارات الجوية. حيث أن الاختبارات تحت الأرض تحد من حجم السلاح الذي يمكن تطويره. ولكن لم توقع كل الدول على معاهدة الحظر الجزئي للاختبارات وتلتزم بها، فإضافة إلى كوريا الشمالية، لم توقع فرنسا والصين على المعاهدة، على الرغم من أنهما لم تجريا أية اختبارات تنتهك بنود المعاهدة منذ عقود. وإذا قررت كوريا الشمالية اختبار سلاح نووي في المحيط الهادي، ستواجه مشكلة كيفية إيصال هذا السلاح إلى المحيط الهادي.

لا يوجد مسار آمن إلى المحيط الهادي

يقول فيبين نارانج، بروفسور مساعد في العلوم السياسية في معهد ماستشوستس التقني: “يمر أقرب طريق إلى عرض المحيط فوق هوكايدو، أي نفس المسار المستخدم في اختباري هاوسونج. يجب ألا يبدو المسار متجهاً إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة أو جوام، كما يجب أن يؤدي إلى المحيط المفتوح. وهو مسار هوكايدو، وقد اعتدنا عليه، كما اعتادوا هم عليه، وأعتقد أنه المسار الذي سيستخدم، كما أنه سيمر فوق أضيق جزء من اليابان، أي أن اليابان ستتعرض لأقل خطر ممكن”.

أجرت كوريا الشمالية اختبارين في أغسطس الماضي لصواريخ حلقت فوق القسم الجنوبي الغربي من جزيرة هوكايدو اليابانية. ويمثل هذان الاختباران أول عبورين للصواريخ فوق اليابان منذ أكثر من عشر سنوات، والعبورين الوحيدين لصواريخ بحتة بدلاً من صواريخ حاملة لأقمار صناعية. مرت الصواريخ فوق جزئين صغيرين من الجزيرة فقط، ولكنها عبرت المجال الجوي الياباني على أية حال، ما دفع الحكومة اليابانية لإرسال رسائل نصية إلى الناس لتحذيرهم في حال كانت هذه الصواريخ هجومية، لا اختبارية. غير أنه ليس من الممكن تجنب الخطر بشكل كلي، وإن كان بالإمكان التخفيف منه، وذلك على فرض عمل الصواريخ بشكل مطابق للتوقعات ومتابعتها طريقها إلى المحيط.

يقول ويلرشتاين: “قامت الولايات المتحدة باختبار رأس نووي حي على صاروخ عابر للقارات بمسار عابر للقارات لمرة واحدة فقط. وهي ضربة فريجاتبيرد ضمن عملية دومينيك، حيث أطلق الصاروخ من غواصة”.

تتضمن معظم الاختبارات النووية اختبار الرأس النووي بشكل منفرد، أو على متن صاروخ صغير مصمم خصيصاً للاختبار، ومن ناحية أخرى، تتضمن معظم اختبارات الصواريخ العابرة للقارات إطلاق الصواريخ بدون تثبيت رؤوس متفجرة عليها. وعلى الرغم من فشل بعض من هذه الاختبارات، فإن جمع هذين النوعين معاً يزيد من درجة الخطر، في حال حدوث خطأ ما.

يقول ويلرشتاين: “بشكل عام، يرتفع الخطر وتزيد الاحتمالات المختلفة عند جمع الاختبارين معاً. ويمكن تلافي بعض السيناريوهات الأسوأ بالاعتماد على التصاميم الهندسية المتقنة. كأن نضع حساساً على الرأس النووي يمنع انفجاره في حال وصوله إلى مكان غير متوقع، ونأمل أن كوريا الشمالية ستلجأ إلى إجراءات مماثلة. توجد حالة أخرى سيئة وإن كانت أقل كارثية، وهي انفجار الصاروخ الحامل للرأس النووي، وعلى الرغم من أن الرأس لن ينفجر بشكل كامل، فقد يتناثر البلوتونيوم منه، أو قد ينفجر في الجو. وفي بعض الأحيان، تنفجر الصواريخ على منصة الإطلاق وينتشر البلوتونيوم في المنطقة المحيطة، ما يتسبب بمشكلة تلوث كبيرة”.

أيضاً، يوجد احتمال بعدم وصول الصاروخ إلى وجهته في المحيط، وينفجر مبكراً في منطقة ما فوق البر. كما يمكن أن يتعرض للاستهداف من قبل أنظمة الدفاع الجوي المضادة للصواريخ، والتي لم تنجح حتى الآن في مواجهة هدف حقيقي في ظروف واقعية، وإن حققت بعضها نجاحات جزئية في اختبارات أجريت مؤخراً. وإذا تعطل الصاروخ فوق البر قد يتسبب بوقوع ضحايا، خصوصاً إذا انفجر الرأس.

يقول نارانج: “إذا وقع عطل ما، وانفجر الرأس عند ارتفاع أقل من المطلوب، قد يؤثر هذا على حركة الطيران المدني أو التجاري، أو يتسبب بوقوع ضحايا. إنه حدث يغير العالم، وإعلان حرب، وأنا شخصياً لا أدري كيف سنتجاوز هذا الأمر”.

خلال الحرب الباردة، عندما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يتبادلان إجراء التجارب الصاروخية الاستفزازية، ولكن بطريقة لا توحي بهجوم وشيك، كان البلدان يحذران بعضهما قبل إجراء الاختبارات، بحيث لا يكشفان كل شيء عنها، بل فقط ما يكفي من المعلومات لمنع وقوع كارثة والقضاء على العالم.

يقول ويلرشتاين: “من الصعب على كوريا الشمالية أن تقوم بهذا، ونحن السبب. فإذا قدموا لنا تحذيراً مسبقاً بأنهم سيختبرون صاروخاً، فقد أبلغناهم بشكل واضح أننا سنحاول إسقاط صواريخهم. لا يمكنك أن تحصل على كلا الأمرين، لا يمكنك أن تقول لهم أنك قد ستسقط صواريخهم، ولكنك ترغب في نفس الوقت بأن يحذروك مسبقاً قبل الاختبار”.

إذا أطلقت كوريا الشمالية الصاروخ، وتمكن من المرور فوق اليابان والوصول إلى المحيط بلا مشاكل، فسيظل يشكل خطراً على أي شيء قريب. صحيح أن المحيط الهادي هائل المساحة، وأن فرص وجود أي شخص في دائرة الخطر ضئيلة، ولكن إذا لم نعرف مسبقاً بمكان سقوط الصاروخ، فمن المستحيل أن نضمن عدم وجود شخص في المنطقة. إضافة إلى هذا، ستنتج عن التجربة جميع الآثار النووية المعروفة: انفجار، نيران، إشعاع، وهذا يعني يوماً عصيباً (ونهاية صعبة على الأغلب) لأي شخص على مسافة قريبة بما فيه الكفاية.

قد تنتج أيضاً نبضة كهرطيسية عن الانفجار، على الرغم من أنه من الصعب تقدير قوتها ومداها ما بعد المنطقة المحيطة بالانفجار مباشرة. تتمتع الكثير من الطائرات في الولايات المتحدة بدرجة من الحماية ضد هذا، كونها محصنة إلى حد ما ضد العواصف الرعدية.

يوجد أيضاً غمامة من الغبار المشع خارج المنطقة المحيطة مباشرة بالانفجار. يقول ويلرشتاين: “إذا انفجر السلاح في الغلاف الجوي، يمكن التقاط النشاط الإشعاعي على بعد مسافات هائلة، حتى المسافات التي لا تصل إليها المخاطر الصحية لهذا الإشعاع. أعتقد أن الكثيرين سيشعرون بقلق بالغ، لأن أغلب الأميركيين عاجزون عن التمييز بين الإشعاع الذي يمكن تحسسه والإشعاع الذي يمكن أن يتسبب بالأذى.”

تعتبر هذه الغمامة، إضافة إلى المخاطر القاتلة الناتجة عنها، واحدة فقط من النتائج المحتملة للتوتر وسوء التواصل بين البيت الأبيض وبيونغ يانغ. إذا كانت كوريا الشمالية أول دولة تجري اختباراً نووياً جوياً في هذا القرن، فلن تكون أول دولة تفاجئ الولايات المتحدة باختبار كهذا. ففي 1966، فجرت الصين سلاحاً نووياً على ارتفاع كبير عندما كان الرئيس الأميركي ليندون جونسون يزور تايلندا.

طريقة جديدة للفوز بحرب باردة

يقول نارانغ: “لقد تعاملنا مع ماو بنفس الطرق التي نتعامل بها حالياً مع كيم جونغ أون. لقد وصفناه بأنه مجنون، وغير مؤهل لحيازة أسلحة نووية. ولكننا تدبرنا أمرنا. يوجد للردع منطق خاص به، وهو لغة عالمية. في الواقع، فإن كيم جونغ أون تمكن الآن من حيازة وسيلة لحماية نفسه من التغيير الخارجي لنظام الحكم، والغزو، وربما محاولات نزع الأسلحة. وإذا حاولت الولايات المتحدة أن تقوم بأي من هذه الأمور، فقد تتعرض جوام أو اليابان أو حتى البر الرئيسي للولايات المتحدة لضربة نووية. وهو ما دفعه في المقام الأول لشراء أسلحة نووية، حتى لا يلقى مصير صدام أو القذافي، لذا لن يتخلى عنها مطلقاً”.

حافظت الولايات المتحدة لعقود من الزمن على سياسة محاولة نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية، على أمل أن تقتنع الدولة المارقة بالتخلي عن طموحاتها النووية تحت ضغوط السياسة والعقوبات. وعلى الرغم من هذه العقوبات، ومحاولات العزل الدبلوماسي لكوريا الشمالية، تمكنت هذه الدولة من تطوير أسلحتها النووية بنفسها. وقد توجت هذه الجهود هذا الصيف باختبار صاروخين عابرين للقارات وقنبلة نووية حرارية.

يقول نارانغ: “في الواقع، لقد تحول كيم جونغ أون إلى قوة نووية حقيقية في هذه المرحلة. ويجب أن نتخلى عن أسلوب محاولة نزع السلاح النووي، لأن ذلك لن يحدث على الأرجح. وهذا يعني أن نتعلم كيف نمارس الردع، كما فعلنا مع الصينيين والروس، وهو يعني أن نتبع وسائل الحوار والدبلوماسية إلى حد ما. ليس من الضروري أن يعجبنا هذا الأسلوب، ولكن يجب أن نكون واقعيين. وعند حد معين، سنجد أن كلفة نزع السلاح النووي أكبر من كلفة ممارسة الردع، وهو شيء تبرع فيه الولايات المتحدة في الواقع”.

error: Content is protected !!