Image

يعدّ رجل الجليد أوتزي بمثابة تذكير جيد بأنه لا يوجد نظام غذائي قديم وطبيعي حتى نعود إليه.

Bread assortment "عذراً، فأنا لا أقوم الآن بالسعي وراء الكربوهيدرات."
حقوق الصورة: بيكسيلز

يتملّكنا حنين غريب لعصر الصيد وجمع الثمار. فعلى الرغم من أن الكثير من أسلافنا ماتوا موتاً قاسياً جراء افتراس الحيوانات والإصابة بالعدوى البسيطة، إلا أننا نتمسّك بفكرة أن البشر كانوا بطريقة أو بأخرى أكثر صحّة وأفضل حالاً عندما كانوا يعيشون على الأرض. ولهذا السبب، يتحوّل الكثيرون إلى اتبّاع الحميات القائمة على ما كان يأكله أسلاف البشر أو مجتمع الصيد وجمع الثمار في العصر الحديث.

قام أحد الأبحاث الحديثة بدراسة ما كان يأكله أوتزي – الرجل الجليدي الشهير الذي اكتشف بسبب ذوبان نهر جليدي في عام 1991 – ووجد بأن ما يقرب من نصف محتويات معدته كانت دهوناً حيوانية، بالإضافة إلى بعض الخبز القديم. ومن المغري الاستنباط والاستنتاج من مثل هذا البحث بأنه يجب علينا تناول كمية أكبر من اللحوم، فهذا ما يبدو أن أجدادنا كانوا يتناولونه. إذا تغاضينا عن الافتراض غير المُثبت بأن البشر الأوائل كانوا أصحاء تماماً (فهم كانوا يعانون أيضاً من تصلب الشرايين)، فإن هناك مشكلة أخرى مع هذا النوع من التحليل، وهي أنه لم يكن هناك نظام غذائي واحد خاص بالعصر الحجري. ولا يوجد نوع واحد من الأنظمة الغذائية الذي يعتمد عليه مجتمع الصيد وجمع الثمار في العصر الحديث. (ملاحظة: على الرغم من أنه يطلق عليه “النظام الغذائي في العصر الحجري”، إلا أن المبررات التطورية لهذه الأنظمة الغذائية غالباً ما تتجمّع عند الناس من كافة أنماط العصور القديمة نسبياً. فعلى سبيل المثال، كان أوتزي من العصر الحجري النحاسي، ولكنه يندرج تحت مظلة مجتمع الصيد وجمع الثمار.)

كان هناك الكثير من الجدل حول أبحاث النظام الغذائي القديم، ولكن كان هناك أمر واضح تماماً، فالناس في مجتمع الصيد وجمع الثمار كانوا يأكلون كل ما كان صيده وجمعه أكثر عمليّة. إذا كنت تعيش في سهل أجرد بارد حيث لا تنمو النباتات أو ينمو القليل منها فقط، فسوف تأكل الكثير من الأسماك واللحوم الأخرى، اعتماداً على ما تتمكّن من صيده. وإذا كنت تعيش في غابة استوائية، فسوف تأكل المزيد من الفواكه والخضروات التي تنمو بوفرة، إلى جانب بعض الحبوب أو المكسرات واللحم أيضاً. وإذا كنت تعيش على أرض معشبة، فسوف تأكل اللحم كلما تمكّنت من الصيد، ولكن عندما تهرب الحيوانات، فسوف تتناول أي طعام نباتي متوافر.

تعود المشكلة جزئياً إلى عدم وجود بيانات ضخمة حول هذا الموضوع. كما تخضع السجلات الأثرية للانحياز نحو اللحوم، لأن النباتات ضعيفة وتتحلل بسهولة، في حين تُحفظ العظام بسهولة أكبر مع مرور الوقت. وبدلاً من ذلك، ينظر الكثير من العلماء إلى مجتمع الصيد وجمع الثمار في العصر الحديث على أنه نموذج لكيفية تناول أسلافنا للطعام. وكانت هناك بعض الدراسات التي قامت بالتحليل العميق للأنظمة الغذائية لبعض المجتمعات، ولكن يصعب استخلاص النتائج النهائية من الكثير من البيانات المتاحة.

وفي دراسة عامة كبيرة في عام 2016 لتغذية مجتمع الصيد وجمع الثمار، لاحظت العالمتان في مجال الأنثروبولوجيا أليسا كريتندن وستيفاني شنور بأن الكثير من البيانات المستخدمة في الأبحاث البارزة حول الأنظمة الغذائية القديمة تأتي من مصادر خاطئة بشكل أساسي. فقد تم جمع بعضها من قبل العلماء بوصف الأجناس البشرية، والذين لم يكونوا يركزون على التغذية وقدّموا تقديرات تقريبية مع القليل من توحيد المقاييس بين السكان. وتقوم بيانات أخرى بحساب أنماط الأكل عند الذكور فقط. كما يركز الكثير منها على المجموعات التي تعيش في المناخات الباردة، حيث تكون النباتات شحيحة ويكون الاعتماد على اللحوم ضروري للبقاء على قيد الحياة. كما أشارتا أيضاً إلى أن الكثير من البيانات لا تأخذ في الاعتبار مدى الاختلاف الموسمي. فعلى سبيل المثال، يأكل شعب الهادزا في تنزانيا كميات أكبر من اللحوم في موسم الجفاف وكميات أكثر من الفواكه في موسم الأمطار. وحتى في المجموعات السكانية التي تأكل تقريباً نفس الأطعمة على مدار السنة، فإن هناك تباين كبير بين المناطق الجغرافية.

ويبدو هذا الاختلاف واضحاً حتى في إحدى المقالات التأسيسية للرجل الذي صاغ مصطلح “حمية العصر الحجري”. في جدول موجز لتغذية مجتمع الصيد وجمع الثمار، تتراوح نسبة الأغذية الحيوانية التي تمثّل مدخول السعرات الحرارية من 26 إلى 99 بالمئة. ويحصل أحد الشعوب الإفريقية على ثلاثة أرباع السعرات الحرارية من النباتات. بينما يحصل شعب آخر في ألاسكا على واحد بالمئة فقط من النباتات.

أما بالنسبة للحبوب – التي لم يتم ذكرها كثيراً حتى الآن – فقد بدأ علماء الأنثروبولوجيا يدركون من خلال دراسة لويحة الأسنان المتحجرة بأن الناس في العصر الحجري القديم كانوا يأكلون الكثير من الحبوب والبقوليات والدرنات النباتية. أما الإنسان البدائي فكان يتناول الشعير. وكانوا يزرعون البذور بواسطة الأدوات الصخرية. وعلى الرغم من أن الكثير من أسلافنا لم يكونوا يشربون الحليب، فقد تطورت لدى السكان القدرة على هضم اللاكتوز عن طريق اكتساب إحدى الطفرات الجينية التي انتشرت عبر جزء كبير من البشرية بدقة لأنها كانت مفيدة.

إذا كان هناك أي درس لنتعلمه من عادات تناول الطعام القديمة، فهو كما أشارت كرتندن وشنور: “لا يوجد نظام غذائي واحد لمجتمع الصيد وجمع الثمار. ومع تراكم المزيد من البيانات، يتضح تماماً بأنه لا يوجد نظام غذائي قديم عابر للحدود الجغرافية والثقافية “.

فبدلاً من محاولة تقييد أنفسنا بنظام غذائي واحد والذي نعتقد بأنه يتماشى مع الصحة القصوى لأسلافنا الافتراضيين، فربما ينبغي علينا أن نقوم بما كان يقوم به أسلافنا فعلاً، وهو تناول مجموعة متنوعة من الأطعمة. فقد تطورنا لنصبح من أكلة الحيوانات والنباتات، ولكن الأهم من ذلك هو أننا تطورنا لتناول الطعام الأسهل تناوله. ويكمن الخطر اليوم في أنه من السهل جداً تناول الطعام غير الصحي أبداً. لكن هذا لا يعني وجود نظام غذائي طبيعي واحد يجب علينا جميعاً العودة إليه. تناول باعتدال جزءاً من كل شيء – النباتات والحيوانات (إذا كنت تأكلها) وغيرها من الأطعمة. كما عليك أن تحافظ على نشاطك وأن تتجنب تناول الأطعمة المصنّعة، وستكون على ما يرام.

error: Content is protected !!