Image

الأمر أقل خطورة مع إطفاء الأنوار

Bread assortment أتريد رؤية درب التبانة ليلاً؟ أصبح هذا مستحيلاً بسبب التلوث الضوئي

البلاستيك في المحيطات، وغازات الاحتباس الحراري في الهواء، والكيماويات في التربة الزراعية… هذه هي أنواع التلوث التي نتحدث عنها أثناء العشاء وتتناولها وسائل الإعلام الدولية كثيراً. لكن كثيراً ما ننسى شكل هام من أشكال الإضرار بالبيئة، إنه التلوث الضوئي. لأن آثاره ليست مباشرة مثل تلوث الهواء أو الماء لا نلاحظه كثيراً، لكن كثرة الأضواء في عصرنا قد تضر بالصحة والبيئة وبطريقة حياتنا. لحسن الحظ من الأسهل التعامل مع هذا النوع من أنواع التلوث وإصلاحه.

قال جون بارينتين مدير السياسات العامة في جمعية السماء المعتمة الدولية (IDA): “أعتقد أن الإنسانية لا تقدر بالقدر الكافي على الإطلاق خطورة الأنوار التي يضيئها البشر على البيئة. ما يجعل هذه القضية ذات خصوصية أنها وعلى النقيض من أشكال التلوث الأخرى، من السهل للغاية التعامل معها ويمكن حل المشكلة بكل بساطة”.

فمع عمل بعض الإجراءات البسيطة يمكننا مكافحة التلوث الضوئي على ثلاث جبهات. إليكم كيف نحمي صحتنا الشخصية ونعتم البيئة من حولنا ونطالب إدارة المدينة بإحداث تغيير للأفضل.

امنع اضطرابات النوم

دورة النهار والليل البالغة 24 ساعة تتعامل معها أجسامنا بإيقاع محدد، فدرجة الإضاءة تؤشر للجسم متى يجب أن ينام ومتى يجب أن يفيق. لكن بما أننا نُعرض أنفسنا للضوء في كل الأوقات، بدأ هذا الإيقاع الطبيعي يفقد قوته، ومن ثم فهو يضر بما هو أكثر من دورة النوم.

فعندما نُبقي الحجرة مضاءة إضاءة ساطعة في ساعات ما قبل النوم، قد يؤدي هذا إلى تقليل تدفق الميلاتونين، وهو هرمون طبيعي من أدواره المساعدة في تنظيم دورات النوم واليقظة. دون هذا الهرمون، لا يحصل الجسم على الإشارة التي تخبره أن وقت النوم والاسترخاء قد حان، ويبقى المخ يقظاً، فتنال قسطاً أقل من النوم في الأغلب، وهو ما يزيد من مخاطر الاكتئاب والسكري وأمراض القلب. كما أن هناك مهام أخرى لهذا الهرمون. فطبقاً لدراسة صدرت في دورية “الغدد والتمثيل الغذائي“، فإن اضطراب الميلاتونين قد يرفع ضغط الدم وقد يزيد من خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.

وأسوأ إضاءة غير طبيعية في البيوت هي الإضاءة الليد. فهذه المصابيح الأعلى كفاءة من حيث الثمن وتوفير الطاقة مقارنة بالمصابيح العادية، تتطلب أيضاً كهرباء أقل لإنتاج نفس الكمية من الضوء. وبمقارنة موجات المصابيح الليد بموجات ضوء المصابيح العادية، فمصابيح الليد تُطلق إضاءتها على الطيف الأكثر زرقة. ويرى الباحثون أن هذا النوع من الإضاءة يجعلنا أكثر يقظة وأعلى نشاطاً من حيث المهارات الإدراكية. ومن ثم فإضاءة الليد قد تؤدي لاضطراب دورة النوم أكثر من المصابيح الأخرى.

في الواقع فإن الضوء المزرق قليلاً الخاص بمصابيح الليد، ومن ضمن هذه الفئة أيضاً الضوء المنبعث من الشاشات الرقمية مثل الهواتف الذكية والحواسب والتلفزيون، يؤخر من إطلاق شحنات الميلاتونين، ويقلل من نومنا ويضر بصحتنا. لكن لا يمكننا التخلي عن هذه الأغراض. توصلت المؤسسة الوطنية الأمريكية لدراسات النوم إلى أن 95 بالمئة من الأمريكيون يستخدمون جهاز إلكتروني ما في الساعة السابقة على النوم، على مدار 3 ليالٍ أسبوعياً على الأقل. من يكتبون رسائل نصية أو يستخدمون حواسبهم في الساعة السابقة على النوم، أفادوا بأنهم يحصلون على نوم أسوأ.

الشاشات الرقمية تبث إضاءة زرقاء تؤثر على نومك وتضر بصحتك.

من حسن الحظ أن الإضاءة الداخلية ذات الطيف الأزرق هي مشكلة سهلة الحل نسبياً. إذا كان تجنب الشاشات لساعة أو ساعتين قبل النوم أمر غير مقبول، فإن تغيير إضاءة هذه الشاشات مسألة سهلة. أجهزة آبل على سبيل المثال ضمن إعداداتها إضاءة ليلية تغير تلقائياً درجة اللون الذي تبثه إضاءة الشاشة عند غروب الشمس (أو في أي وقت من اختيارك). وأجهزة الأندرويد بها إعدادات مشابهة تُسمى “الإضاءة الليلية”. إذا لم يكن في جهازك هذه الإعدادات، يمكنك العثور على تطبيق مناسب لعملها.

أما بالنسبة إلى المصابيح التي تضيء أنشطتنا الليلية، فيمكننا تبديل مصابيح الليد البيضاء، سواء داخلياً أو خارجياً، بمصابيح درجة لونها أكثر دفئاً. وإذا لم نتمكن من التخلص من درجة الإضاءة الزرقاء الباردة هذه، فلنحاول ارتداء نظارات خاصة لفلترة الطيف الأزرق.

غيّر إضاءتك الخارجية

كما سبق الذكر، فإن عليك تبديل مصابيح الليد البيضاء بأخرى أكثر دفئاً في درجة إضاءتها. وهناك سبل أخرى لتقليل كمية التلوث الضوئي التي تُطلقها على العالم. فبينما تضر الإضاءة الداخلية بصحتنا، فإن الإضاءة الخارجية تضر بالحيوانات والنباتات وبعلماء الفضاء.

فالدراسات تُظهر أن الإضاءة البشرية تؤدي لاضطراب دورات تزاوج الكثير من الحيوانات ودورات هجرتها. على سبيل المثال فهي تشتت الطيور المهاجرة، وتُخرجها عن مسارها المرسوم. وعلى الشواطئ، تؤدي الأضواء إلى الإسهام في تراجع تعداد سلحفاة البحر، فهي تضلل صغارها بعد خروجها من البيض وتجذبها إلى شوارع المدن، وإلى المفترسات الليلية، لا إلى البحر.  وتعاني الحياة النباتية أيضاً بسبب حشرات الليل التي تجتمع على الضوء وغيرها من الحشرات المفيدة، التي تتجمع حيث توجد الإضاءة الصناعية وتموت عندها، بدلاً من أن تخصب النباتات التي تعتمد على الحشرات في التخصيب. حتى البشر يتضررون: فالأضواء المبهرة تخفي النجوم، ولقد فقد محبي الفضاء المحترفين والهواة على السواء القدرة على رؤية الكون في الليل.

مع تغيير أنوارنا الخارجية، يمكننا أن نساعد الحياة الطبيعية على الانتعاش، وأن نربح امتنان ذلك الجار الذي يحب التحديق في النجوم. فلنبدأ بإطفاء الأنوار الخارجية. إذا كنت قلقاً بسبب الأمان، فالدراسات تُظهر أن الأنوار الخارجية لا أثر لها على ردع الجريمة، وأن النشاط الإجرامي قد يزيد في حالة وجود إضاءة جيدة. إذا لم تكن مقتنعاً، قم بتركيب مجسات للحركة. هكذا لن تُضاء الأنوار إلا عندما يتحرك شيء إلى جوارها.

وهناك طريقة سهلة أخرى، هي شراء أضواء خارجية بإضاءة مُركزة. فالمصابيح التي لا توجه الضوء بأي طريقة تُسهم في زيادة التلوث الضوئي، وهي أيضاً ضعيفة الكفاءة. ففي عام 2015 قدرت جمعية السماء المعتمة الدولية أن كل عام يضيع أصحاب البيوت في الولايات المتحدة 117 كيلووات في كل بيت (استهلاك كهرباء بقيمة 22 دولار) على الأضواء الخارجية غير الموجهة، والتي لا تفعل شيئاً إلا الإسهام في الوهج الذي نراه ليلاً في السماء ويخفي ورائه النجوم.

عليك استبدال هذه الأضواء العامة بأضواء مركزة أكثر. عليك البحث في المتجر عن مصابيح قابلة للتوجيه، بحيث يشع المصباح نوره للأسفل فقط لا لأعلى.

فلنقلل أضواء المدينة

تقليل التلوث الضوئي الذي تبثه المدن الكبيرة ليس بسهولة تغيير مصابيحك المنزلية. فلتحقيق هذا الهدف، عليك أن تطلب من مجلس المدينة أو البلدية أن تقوم بهذا بالنيابة عنك. لكن التغيير ممكن. فمدينة توكسون بالولايات المتحدة، التي بها مقر جمعية السماء المعتمة الدولية، ومدينة فلاجستاف أيضاً، تغيرت بهما أضواء الشوارع بالكامل، بشكل يحمي الظلام في الليل، فأصبحت السماء مظلمة والنجوم أكثر.

بدأت مدينة فلاجستاف التحول في عام 1958، عندما أصدر مجلس المدينة قراراً يحظر استخدام أضواء البحث الليلية البراقة التي تبث نورها في السماء. في عام 1972 أصدرت مدينة توكسون قراراً يطالب بجعل الأضواء الخارجية موجهة للأسفل. وفعلت مدينة فلاجستاف المثل في 1973. ثم في 1986 أصدرت مدينة توكسون قرارها بمنع أضواء بخار الزئبق ولوحات الإعلانات البراقة. ثم طالبت مدينة فلاجستاف بتغيير إضاءة الطرق السريعة وساحات الانتظار إلى مصابيح الصوديوم منخفضة الضغط. وفي عام 1998 أصدرت مقاطعة كوكونينو بالولايات المتحدة أول قانون في العالم لتحديد أنواع المصابيح المسموح بها بالمقاطعة وكمية الضوء المخصصة لكل فدان من الأرض. ومؤخراً، بدءاً من 2016، استبدلت توكسون مصابيح أعمدة النور بمصابيح ليد تعكس طيفاً أزرق أقل، وجميع هذه المصابيح موجهة للأسفل، وأغلبها بها وصلات وايرلس لتخفيف إضاءتها عن بُعد.

والنتيجة؟ أصبحت فلاجستاف من أكثر المدن تمتعاً بسماء معتمة في الولايات المتحدة، فهناك يمكنك أن ترى درب التبانة حتى وأنت بمنطقة وسط البلد. وقللت توكسون من الوهج الليلي الذي تعكسه في السماء بمقدار 7 بالمئة، وقللت من إجمالي الإضاءة بنسبة 70 بالمئة.

كيف تحقق تغييرات مماثلة في مدينتك إذن؟ يقول كريستيان لوغينبول، عالم الفضاء المتقاعد الذي كان يعمل في مرصد البحرية الأمريكية في فلاجستاف: “ليست هذه بالمشكلة التقنية الصعبة”. وتولى كريستيان حملة المطالبة بتعتيم سماء المدينة في الثمانينيات. أضاف: “سبب عدم حل هذه المشكلة في أماكن كثيرة هو الحاجة إلى الوعي الثقافي وروح المبادرة. الحلول التقنية ليست إلا حلقة واحدة في هذه السلسلة”.

في الليل تضيء مدن كبيرة مثل نيويورك السماء.

بحسب تقديرات لوغينبول، فالعامل الأساسي هو أن يتحمس الناس لقيمة سماء الليل الصافية المظلمة، وكيف يصادر التلوث الضوئي هذا الجمال. لتحقيق هذه الغاية يستضيف ائتلاف السماء المعتمة في فلاجستاف حفلات سنوية لمشاهدة النجوم، في فصل الخريف وفي نهاية العام، وينظم معارض فنية ومحاضرات وحفلات موسيقية، للتوعية الثقافية بأهمية السماء الليلية الطبيعية.

يمكنك أن تبدأ الرحلة نحو تعتيم سماء المدينة ليلاً عن طريق التواصل مع جمعية معنية بالقضية مثل جمعية السماء المعتمة الدولية. يمكن عمل شراكات مع جمعيات البيئة ورصد النجوم للتوعية بأهمية الاحتفاظ بظلام السماء. ولدى جمعية السماء المعتمة الدولية موارد لمساعدتك على البدء.

ما إن يبدأ المجتمع المحلي في دعم الفكرة ويبدأ الالتزام بها، يمكن التحدث إلى السلطات التشريعية والمجالس البلدية والمسؤولين بجهاز المدينة، لشرح ما سيربحه الناس من تقليل التلوث الضوئي. ثم يمكن مطالبة السلطات بإصدار قرارات لتفعيل الأمر، مثل تلك التي صدرت بمدينتي فلاجستاف وتوكسون.

  • يمكن تنفيذ قرارات بتخصيص مستويات إضافة مختلفة للمناطق المختلفة، بحيث تكون الإضاءة أقل في المناطق الريفية مقارنة بالمناطق الحضرية.
  • حظر لوحات الإعلانات الكبيرة التي بها أضواء مبهرة.
  • تقليل كمية مصادر الإضاءة بالعقارات غير السكنية.
  • المطالبة بأن تُسلط أعمدة الإنارة وأضواء ساحات الانتظار إلى الأسفل، بحيث يتم إبعاد الضوء المتجه إلى السماء.

وقال لوغينهول: “الطريقة الوحيدة للتصدي للتلوث الضوئي بفعالية هي أن نقرر نحن كمجتمع أن نفعل هذا وأن نهتم بهذا الأمر”.

سوف يستغرق هذا بعض الوقت، لكن التلوث الضوئي مشكلة لها حلول واضحة وبسيطة. ما إن نقوم بحلها، فسوف تعم الفائدة علينا جميعاً.

 

error: Content is protected !!