Reading Time: 4 minutes

ما مقدار المعلومات التي يمكنك الحصول عليها من بقعة من الصبغة الأرجوانية، منتزعة من صورة مصرية عمرها ما يقرب من 2000 عام؟ البقعة التي قد تساوي قطر شعرة تحوي الكثير من الأسرار وفقاً لدراسة جديدة.

وجوه الفيوم 

حصل علماء جامعة يوتا الأميركية معدو الدراسة الحالية؛ على الصبغة الأرجوانية من لوحة مصرية قديمة، تعود هذه اللوحة المسماة «صورة الرجل الملتحي» إلى القرن الثاني الميلادي عندما كانت مصر مقاطعة رومانية، ومن ثم فإن الصور أكثر واقعية وأقل شبهاً بالهيروغليفية من الفن المصري في العصور السابقة. 

تأتي معظم هذه اللوحات من محافظة الفيوم المصرية. اللوحة وهي واحدة من مجموعة كبيرة عرفوا جميعاً باسم «وجوه الفيوم»، رسموا على الخشب ووضعوا في أقمشة تحمل الجثث المحنطة. وكان الهدف من الصور هو التعبير عن صورة الشخص، وأيضاً عن وضعه الاجتماعي.

يقول داريل بوت، المؤلف المشارك في الدراسة من جامعة يوتا: «نحن مهتمون جداً بفهم معنى وأصل الصور الشخصية، وإيجاد طرق لربطها والتوصل إلى فهم ثقافي لسبب رسمها في المقام الأول».

اللون الأرجواني يطرح المزيد من الألغاز

صورة الرجل الملتحي. الصورة: جامعة يوتا الأميركية

الرجل في الصورة يرتدي التوجة وهو زي كان يرتديه المواطنون في الإمبراطورية الرومانية؛ ويظهر على التوجة علامات أرجوانية والتي تشير في روما القديمة إلى رتبة عضو في مجلس الشيوخ أو الفروسية.

يقول بوت؛ يُنظر إلى اللون الأرجواني على أنه رمز للموت في بعض الثقافات ورمز للحياة في البعض الآخر. وارتبط استخدمه مع صور الملوك في العصور القديمة. ويضيف بات إن اللون الأرجواني، الموجود في نهاية طيف الألوان المرئي، يمكن أن يشير إلى نهاية المعلوم وبداية المجهول، قال: «وجود اللون الأرجواني على هذه الصورة بالذات جعلنا نتساءل عن الرجل وماذا يعني وجوده».

من خلال المجهر، رأى العالم جيتس أن الصباغ يشبه الأحجار الكريمة المكسرة، التي تحتوي على جزيئات أكبر بعشر إلى مائة مرة من جزيئات الطلاء النموذجية. وللإجابة على سؤال حول كيفية صنعه، أرسل جيتس جسيماً من الصبغة إلى بوت وفريقه لتحليلها. كان قطر الجسيم 50 ميكروناً فقط، أي تقريباً نفس قطر شعرة الإنسان، مما جعل تتبعها أمراً صعباً.

تم شحن الجسيمات إلى جامعة يوتا في ولاية يوتا من مدينة بالتيمور أكبر مدن ولاية ميريلاند الأمريكية، وتفصل المسافة بينهم مئات الكيلو مترات، يقول بوت: «الجسيمات كانت محصورة بين شريحتين زجاجيتين، ولأنها تحركت حوالي مليمتر واحد أثناء النقل، فقد استغرق الأمر منا يومين للعثور عليها».  وعلى الرغم من صغر حجم الجسيم، يمكن للباحثين تصنيع عينات أصغر باستخدام حزمة أيونية مركزة وتحليل تلك العينات لتكوينها الأولي.

أصباغ البحيرة

تفاصيل مكبرة من الترقوة اليسرى في صورة الرجل الملتحي، تظهر جسيماً صبغياً أرجوانياً كبيراً بمظهر خشن يشبه الأحجار الكريمة. الصورة: جامعة يوتا الأميركية

في البداية وجد العلماء أن الأصباغ الأرجواني جاءت من جنس القواقع البحرية تسمى الموريكس. ويفترض بوت وزملاؤه أن اللون الأرجواني المستخدم في لوحة وجه الفيوم هذه كان شيء آخر؛ أرجواني صناعي.

ويفترض الباحثون أيضاً أن اللون الأرجواني الصناعي كان من الممكن اكتشافه بالصدفة عندما اختلطت الصبغة الحمراء والصبغة الزرقاء النيلية معاً. وقد يكون اللون النهائي أيضاً بسبب إدخال الكروم في المزيج.

تشير معادن العينة إلى أن الصبغة قد اختلطت مع الطين أو مادة السيليكا لتشكيل صبغة. وفقًا لبوت، وهو رسام بارع أيضاً، فإن الأصباغ المصنوعة بهذه الطريقة تسمى أصباغ البحيرة، وبالإضافة إلى ذلك؛ تم خلط الصبغة مع مادة رابطة شمع العسل قبل دهنها أخيراً على خشب الزيزفون. وأظهر الصباغ دليلًا يشير إلى وجود بنية بلورية في الصباغ. يقول جيتس: «كان يُعتقد أن أصباغ البحيرة خالية من التبلور قبل هذا العمل.. نحن نعلم الآن أن المجالات البلورية موجودة في أصباغ البحيرة».

وجد الباحثون أيضًا كميات كبيرة من الرصاص في الصباغ وربطوا ذلك الاكتشاف بملاحظات من مستكشف بريطاني في أواخر القرن التاسع عشر ذكر أن أوعية الصبغة في ورش الصباغ المصرية مصنوعة من الرصاص.

يقول بوت: «بمرور الوقت؛ ظهرت قصة أو فرضية توحي بأن الصباغين المصريين أنتجوا صبغة حمراء في أوعية الرصاص هذه. وعندما انتهوا من الصباغة في نهاية اليوم ربما كان هناك حمأة نشأت داخل الوعاء وكان لونها أرجوانياً أو كانوا أذكياء جداً وربما وجدوا طريقة لأخذ صبغتهم الحمراء، وتحويل اللون نحو اللون الأرجواني عن طريق إضافة ملح مع معادن انتقالية ومادّة لتخليق صبغة أرجوانية عن قصد. الحقيقة لا نعرفها بالضبط».

تأثيرات أوسع

عينة من الأصباغ داخل الجسيم. الصورة: جامعة يوتا الأميركية

هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها بوت الأساليب العلمية للتعرف على الأعمال الفنية القديمة. لقد شارك في تحقيقات سابقة مماثلة واستند إلى كل من خلفياته البحثية والفنية لتطوير فصل دراسي يسمى «علم الفن» والذي تضمن دراسات ومناقشات حول موضوعات تضمنت المواعدة والفهم والهندسة العكسية لمجموعة متنوعة من القطع الأثرية التاريخية التي تتراوح من الصحف الرائدة في الفن القديم.

يقول بوت: «إن مزج العلم والفن معاً هو مجرد متعة.. إنها طريقة رائعة لجعل تعلم العلوم أكثر سهولة. والعمل له تأثيرات أوسع أيضاً. لا يُعرف سوى القليل نسبياً عن وجوه الفيوم، بما في ذلك ما إذا كان الفنان نفسه قد رسم صوراً متعددة. وقد يوفر تحليل الأصباغ على المستوى الذري البصمة الكيميائية اللازمة لربط الصور ببعضها البعض».

ويقول جيتس: «تشير نتائجنا إلى أداة واحدة لتوثيق أوجه التشابه فيما يتعلق بزمان ومكان إنتاج وجوه الفيوم لأن معظمها تعرض لسرقة القبور ويفتقر إلى السياق الأثري». ويضيف بوت: «قد نتمكن من ربط العائلات.. وقد نتمكن من ربط الفنانين ببعضهم بعضاً».