Image

حان الوقت لمحاكاة الفيروسات

Bread assortment يعدّ فيروس الإيبولا مميتاً للإنسان وغيره من الثدييات الرئيسية.
حقوق الصورة: سينثيا جولدسميث

تعدّ اللقاحات مدهشة جداً في الوقت الحالي. إذ تمكّنت من القضاء على الجدري وخلّصت الأميركيتين من الحصبة الألمانية، وأنقذت ملايين الناس كل عام من الموت بسبب الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي والحصبة. وعندما يحصل ما يكفي من الناس على اللقاحات، فإن الأمراض المُعدية لا يمكنها أن تنتشر بسهولة ويستفيد الجميع من الحصانة الجماعية.

ولكن الوصول إلى عدد كاف من الناس للقيام بذلك يعتبر صعباً، وخاصة في المناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية للصحة العامة. ولذلك يقوم العلماء بمحاكاة الفيروسات وذلك من خلال تطوير لقاحات وعلاجات مضادة للفيروسات يمكنها أن تنتقل من المضيف إلى المضيف.

ومن المرجح أن تُستخدم هذه اللقاحات القابلة للانتقال أولاً عند الحيوانات التي تحمل الأمراض التي يمكنها أن تنتقل إلى البشر. وقد يستخدم البعض نمطاً ضعيفاً من الفيروس، أو يرفق قطعة من العامل الممرض إلى أحد الفيروسات الحميدة. وسيكون هدف العلاجات الأخرى الأشخاص المصابين بالفعل وسوف تقوم بتدمير الفيروس الذي يستوطن الخلايا.

وتعتبر هذه هي الأيام الأولى لهذه الأنواع من اللقاحات والعلاجات، ويتوجب على العلماء إظهار فعاليتها وسلامتها لاستخدامها عند الحيوانات أو البشر. غير أنها يمكن أن تقلل من انتشار فيروس الإيدز وغيره من الأمراض المُعدية، ويمكنها أن تقوم بتحصين الناس الذين لا يمكن حمايتهم بطريقة أخرى. كما أن هذه الاستراتيجية ستكون أرخص من تلقيح الجميع باليد.

وهنا ثلاث طرق يمكن أن نمنع بها انتشار الأمراض المعدية من خلال نشر العوامل الدفاعية الخاصة.

الانتشار، ولكن ليس كالنار في الهشيم

هناك بالفعل لقاح واحد يتصف بالقابلية للانتقال، على الرغم من أنه لم يتم تطويره عمداً بهذه الطريقة.

ففي الولايات المتحدة، يتم إعطاء لقاح شلل الأطفال كحقن تحمل فيروس شلل الأطفال الميت. ولكن هناك شكل آخر من اللقاح يؤخذ عن طريق الفم ويعتمد على نمط ضعيف ولكنه حي من الفيروس. واتضح بأن هذا النمط يمكن أن ينتشر إلى أشخاص آخرين لفترة وجيزة قبل أن يموت في الخارج. واعتمدت منظمة الصحة العالمية على لقاح شلل الأطفال الفموي لجهوده في القضاء على المرض في جميع أنحاء العالم.

ولكن هناك عقبة في الأمر. حيث يمكن أن يتعرض اللقاح الحي في حالات نادرة للطفرات التي تسمح له بالعودة إلى نمطه المؤذي. ويحمل لقاح شلل الأطفال الفموي ثلاث سلالات من الفيروس، وتم القضاء على إحداها في الحياة البرية ولكنها من المرجح أن تسبب هذه مشكلة أيضاً. وتقوم منظمة الصحة العالمية بالانتقال إلى اللقاح الذي يحتوي على السلالتين الأكثر أمناً فقط.

ويذكر بأن اللقاحات توجّه الجهاز المناعي ليتعرّف على العامل المسبب للمرض ويهاجمه، سواء كانت هذه اللقاحات تحتوي على فيروس حي أو ميت أو على مجرد قطعة من الأصل. وهذا يدرب الجهاز المناعي على التصرف في حال مواجهة الفيروس الحقيقي. وتعتمد العديد من اللقاحات على أنماط حية ولكنها ضعيفة من الفيروس، بما فيها لقاحات الحصبة والجدري. كما أن العملية التي تثبط الفيروس بحيث لا يمكنه أن يسبب المرض تجعله أيضاً أقل قدرة على الانتشار.

ولكن من المحتمل أن تبقى بعض هذه اللقاحات قابلة للانتقال. ولم يتم دراسة هذا بعمق رغم ذلك. وعندما يتم تطوير هذه اللقاحات، يتم التركيز على التأكد من أنها لا يمكن أن تتسبب بمرض الناس. ويقول جيمس بول – عالم الأحياء التطورية في جامعة تكساس في أوستن – في رسالة بالبريد الإلكتروني: “معظم اللقاحات لا تعتبر قابلة للانتقال”.

وإذا قمنا عن قصد بتصنيع لقاحات قابلة للانتقال، فقد تكون أكثر قابلية من اللقاحات العادية لأن تعود إلى الحالة المؤذية. وذلك لأنها تصل إلى المزيد من الناس ولديها الفرصة لتتكاثر وتنتج أجيالاً جديدة. وهذا يعني المزيد من احتمال حدوث الطفرات والتطور. ويقول سكوت نوسيمر – عالم الأحياء الحسابية في جامعة ايداهو في موسكو والذي تعاون مع بول -: “بعد ذلك، يعود اللقاح القابل للانتقال إلى المرض بشكل فعال”.

وإحدى الطرق حول ذلك هي تطوير لقاح حي لا يمكنه الانتقال إلا بشكل ضعيف. ولن ينتشر هذا اللقاح إلا بشكل قليل قبل موته. كما لن يتمكن هذا النوع من اللقاحات من القضاء على المرض، ولكن عدداً أقل من الناس سيكونون بحاجة إلى تلقيح مباشر. وسيبقى اللقاح ضعيف الانتقال يحدث فجوة كبيرة في تفشي الأمراض، تبعاً لحسابات نوسيمر وزملاؤه. حيث يقول: “حتى القليل من الانتقال يصل إلى مدى بعيد”.

كما أننا سنوفر الكثير من المال. فإذا كان لدينا نمط قابل للانتقال من لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، فيمكن أن نخفض تكلفة التحصين بنحو 50 مليون دولار سنوياً، وفقاً لتقديرات نوسيمر. ويقول: “إن كمية المال التي سنوفرها هائلة، حتى مع اللقاح ضعيف الانتقال”.

ويمكن للعلماء أيضاً أن يقوموا بتعديل اللقاح الحي بشكل وراثي بطرق تثبط قدرته على التطور إلى شيء مؤذي.

صديقنا، الهربس

يزداد اقتراب البشر من الاتصال الوثيق مع الحياة البرية في كافة الأوقات بفضل البناء والصيد والزراعة، وغيرها من الأنشطة التي تقلص المواطن الطبيعية. وهذا يعني أيضاً المزيد من احتمالات تعرضنا للأمراض التي تحملها الحيوانات. ويقول مايكل جارفيس – عالم الفيروسات فى جامعة بليموث في المملكة المتحدة – في رسالة بالبريد الالكتروني بأن ثلث فاشيات الايبولا تقريباً يمكن أن تعزى الى الأشخاص الذين يتعاملون مع جثث القردة العليا التي يقتلها الفيروس.

لذا فإن اللقاحات القابلة للانتقال غالباً ما ستستهدف الحيوانات التي تستضيف الميكروبات التي يمكن أن تتسبب بمرض الناس. ومن شأن ذلك أن يحول دون تفشي الأمراض في المجتمعات البشرية وأن يفيد الحيوانات المهددة بالانقراض. والقرود العليا – التي تعاني بالفعل من مشاكل بسبب الصيد وإزالة الغابات – مهددة أيضاً بالإيبولا. ويقول جارفيس: “إن القدرة على حماية القرود العليا عن طريق اللقاحات ستكون بالتالي حلاً مربحاً لكل من صحة الإنسان والحفاظ على القرود”. كما أنه سيكون أسهل بكثير من محاولة تعقب وتلقيح كل القرود أو الخفافيش أو القوارض في المنطقة. ويقول نوسيمر: “مع اللقاح التقليدي سيكون عليك إيجاد كل حيوان وتلقيحه، وهو أمر مستحيل تقريباً. فكيف يمكن الذهاب إلى هناك وتلقيح مجموعة من الفئران ضد فيروس هانتا باليد؟”.

وقد لا تستخدم هذه الجهود في الواقع الأنماط الحية من الفيروسات المسببة للمرض. ويقول نوسيمر بأن هناك طريقة أخرى لتطوير اللقاحات القابلة للانتقال والتي من المرجح أن تثبت أمانها بشكل أكبر. وستعتمد هذه على اللقاحات على الفيروسات الحميدة التي يمكنها أن تصيب الشخص أو الحيوان دون أن تتسبب بمرضه. وتعرف باسم الفيروسات المضخمة للخلايا (CMV)، وتنتمي في الواقع إلى عائلة الهربس. وهي شائعة جداً عند كل من البشر والثدييات الأخرى. وفي الواقع، فإن ما بين 50 و80 في المئة من البالغين في الولايات المتحدة يصابون بالفيروس المضخم للخلايا قبل عمر 40 سنة، على الرغم من أن معظمهم لا يظهر عليه أي أعراض.

في اللقاح، سيتم تصميم الفيروسات المضخمة للخلايا الحية لحمل جزء صغير من فيروس آخر مسبب للمرض والذي من شأن الجهاز المناعي أن يتعرّف عليه ويهاجمه. وإذا عاد الفيروس، فإنه ببساطة يفقد فعالية كلقاح. ويقول نوسيمر: “ليس له أي عواقب كارثية لأنه يعود فقط إلى كونه الفيروس المضخم للخلايا”.

ويمكن لهذه الفيروسات أن تنتشر بسهولة فعلاً، ويرتبط العديد منها بنوع واحد فقط. ولذلك يمكن للعلماء تطوير لقاحات من شأنها أن تحصر نفسها فقط بنوع الحيوانات المختارة للتلقيح.

ومع ذلك، فإن انتشارها بين الثدييات يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين. فإذا وصل اللقاح إلى حيوان يحمل الفيروس المضخم للخلايا، فقد يضطر إلى مواجهة النمط العادي من الفيروس. ولذا فإن هذه اللقاحات المعتمدة على الهربس قد لا تعمل كاللقاحات الضعيفة الحية، كما يقول نوسيمر. ويقوم الباحثون بدراسة مدى إمكانية التعايش بين السلالات المتعددة للفيروسات المضخمة للخلايا في الحيوان.

ويعمل جارفيس وزملاؤه على اللقاحات المعتمدة على الهربس والتي من شأنها تحصين القرود من الإيبولا والفئران من فيروس لاسا. وقد أظهروا بأن لقاح الإيبولا الخاص بهم يمكنه أن يحمي قرود المكاك من الفيروس، على الرغم من أن النمط الحالي غير قابل للانتقال. ويقول جارفيس: “إن المرحلة التالية هي تحديد فيما إذا كانت الحصانة من النمط ذاتي الانتشار من اللقاح توفر الحماية أيضاً. أما مع فيروسات الهربس، فإن الطبيعة والتطور قد قاما بالعمل حيث تطورت هذه الفيروسات لتنتشر بسهولة”.

ويمكن أيضاً أن يتم تصميم هذا النوع من التلقيح بحيث لا ينتشر. ويقول نوسيمر بأن اللقاح الذي يتم تطويره لحماية البشر من الإيبولا يعتمد على فيروس حميد معدل ليحمل جيناً يرمز لبروتين يتواجد عادة على سطح الإيبولا. ومع ذلك، تم تجريد هذا اللقاح أيضاً من التعليمات الوراثية التي تمكّنه من التكاثر.

الاستعداد للاختلاط

لا يوجد لقاح حتى الآن لبعض الأمراض مثل فيروس الإيدز. ويقول ليور واينبرغر – عالم الأحياء الكمية في جامعة كاليفورنيا ومعهدي سان فرانسيسكو وغلادستون – بأن الأدوية المتوافرة لعلاج فيروس الإيدز قد قطعت شوطاً طويلاً في العقدين الماضيين. ويضيف: “إن العلاجات المضادة للفيروسات القهقرية تعتبر قصة نجاح كبيرة، والتي حولت فيروس الإيدز من وباء إلى مرض يمكن السيطرة عليه مدى الحياة”.

ولكن كما هو الحال مع اللقاحات، فإن الأدوية التي تعالج الأمراض المُعدية لها بعض العيوب. فهي لا تستطيع التكيّف مع تطوير الميكروبات للمقاومة ضدها. ويقول واينبرغر: “تقوم الفيروسات بالتكاثر وتتعرض للطفرات باستمرار، بينما لا تقوم المواد الكيميائية التي نستخدمها بذلك”.

كما أن الناس غير متعاونين دائماً بشأن الالتزام بأدويتهم. ويقول واينبرغر: “حتى عند العلاج بالمضادات الحيوية لمدة أسبوع، فإن الناس يواجهون صعوبات في الالتزام ويقومون بتفويت جرعة ما”. وللسيطرة على فيروس الإيدز، يتوجب على الناس أن يأخذوا مضادات الفيروسات القهقرية طوال حياتهم.

ولهذا السبب يخطط واينبرغر وزملاؤه لإعطاء هذا الفيروس نكهة الدواء الخاص به. فهم يطورون فيروساً ضعيفاً قابلاً للانتقال بحيث يكون مخصصاً للأشخاص المصابين بالفعل على عكس اللقاح. وهو يعمل كطفيلي فيروس الإيدز، إذ يتنافس مع الفيروس للحصول على الموارد داخل الخلية المصابة. ويطلق واينبرغر على الابتكار اسم الجسيمات العلاجية المتداخلة (TIPs).

ويقوم فيروس الإيدز باختطاف الخلايا السليمة ليصنع المزيد من نفسه. حيث تصبح هذه الخلايا عبارة عن مصانع لصنع لبات البناء التي يحتاجها فيروس الإيدز لإعداد مادته الوراثية. ولكن عندما تصل الجسيمات العلاجية المتداخلة (TIPs) إلى المكان، فسوف تقوم بسرقة هذه البروتينات لصالحها. وفي نهاية المطاف، فإن الخلية لن تنقل العدوى للخلايا المجاورة. ويقول واينبرغر: “لن يتم إنقاذ الخلية، ولكن ما ينتقل إلى الخلية المجاورة هو الجسيم المتداخل بشكل أساسي”.

عن طريق تثبيط فيروس الإيدز، فإن هذه الجسيمات تقلل من كمية الفيروسات التي تتحرك في دم الشخص. ومن شأن ذلك أن يحول دون انتقال فيروس الإيدز إلى أشخاص آخرين، كما يؤدي أيضاً إلى إبطاء تطور الفيروس إلى مرض الإيدز الكامل.

وستكون هذه الجسيمات المعيبة قابلة للانتقال إلى أشخاص جدد. ولا يمكن للجسيمات أن تتكاثر بدون فيروس الإيدز، فإذا انتقلت إلى شخص لا يوجد لديه فيروس الإيدز، فإنها قد تموت. ولكن من الممكن أيضاً أن تلتصق في مكان قريب، بحيث تكون جاهزة للعمل في حال أصيب هذا الشخص في المستقبل.

ولأن هذه الجسيمات يمكنها أن تتكاثر وتنتج أجيالاً جديدة، فإنها أيضاً قادرة على التطور. حيث ستدخل في سباق التسلح مع فيروس الإيدز حتى تتمكن من الاستمرار بالسرقة منه. وعندما تعود إلى حالة فيروس الإيدز، فستصبح ببساطة كالفيروس الذي كان يحمله الشخص المصاب. ويقول واينبرغر: “ذلك أشبه بإعطاء دواء قد توقف عن العمل”.

ويُذكر بأن هناك مخاوف أخرى تتعلق بالسلامة يتوجب عليه هو وزملائه معالجتها. ويقول واينبرغر: “علينا أن نتأكد من أننا نقوم بتثبيطها بطريقة غير مؤذية فعلاً، وبأنها لن تعود إلى شيء أسوأ من الأصل”. كما عليهم أن يتأكدوا أيضاً من أن الجسيمات لا يمكنها أن تسبب استجابة مناعية مفرطة من شأنها أن تتسبب بزيادة مرض الشخص.

وهم لا يزالون يستكملون تصميم الجسيمات وسوف يقومون باختبارها عند الحيوانات خلال العام أو العامين المقبلين للتأكد من أنها آمنة. ويقول واينبرغر بأن الفريق قد ركّز على فيروس الإيدز، ولكن يمكن استخدام استراتيجية مماثلة مع فيروسات أخرى.

error: Content is protected !!