Reading Time: 4 minutes

لقاحات شركات فايزر، بايو أن تيك، ومودرنا؛ هي أولى لقاحات مرض كوفيد-19 المُعتمدة على الحمض النووي الريبوزي المرسال (رنا المرسال)؛ والتي مُنحت الموافقة لاستخدامها على البشر، وتُطرح حالياً في مختلف البلدان حول العالم.

تحمل هذه اللقاحات الرنا المرسال؛ والذي يكون مغلّفاً باللّيبيدات (الدهون)، إلى داخل الخلايا، وعند دخوله إليها، يستخدم الجسم التعليمات الوراثيّة الموجودة في الرنا المرسال لتركيب البروتينات الشوكيّة الخاصّة بفيروس كورونا. الاستجابة المناعية الناتجة عن هذه العملية تقي حوالي 95% من الأشخاص الذين يتلقّون اللقاح من الإصابة بمرض كوفيد-19.

للقاحات الرنا المرسال العديد من الفوائد؛ فهي سريعة التركيب؛ مما يعني أنه بمجرّد إنشاء منصّة للتصنيع، يمكن تصميم لقاحات الرنا المرسال لتستهدف مختلف أنواع الفيروسات أو السلالات الجديدة بسرعةٍ كبيرة. عملية تصنيع اللقاح آلية بالكامل، ولا تعتمد على الخلايا الحية؛ مثل بيض الدجاج أو خطوط الخلايا المُستنبتة؛ ولذلك فهذه التكنولوجيا مستدامة.

مع ذلك، هناك مشاكل يجب علينا كعلماء حلّها لزيادة عمليّة لقاحات الرنا المرسال، وجعلها متاحة بأسعار معقولة أكثر حول العالم، وليس فقط في بلدان العالم الأول. سنستعرض في هذا المقال 4 أمور يعمل عليها الباحثون في مجال لقاحات الرنا المرسال.

1. زيادة استقرار اللقاحات في درجات الحرارة المرتفعة

نعلم أن الرنا المرسال وغلافه الدهني يكونان في حالة غير مستقرّة نسبياً إذا وُضعا في بيئة باردة (الثلاجة) أو درجة حرارة الغرفة، ويعود هذا إلى أن الرنا نفسه أكثر حساسيةً من الحمض النووي (دنا) تجاه الأنزيمات الموجودة في البيئة المحيطة؛ والتي تحلّله.

لحلّ هذه المشكلة؛ يعمل الباحثون على اكتشاف ما يحدث عند استخدام أنواع مختلفة من المواد المُضافة، على أمل أن يزيدوا المدة التي يمكن تخزين اللقاح فيها. استُخدمت هذه المواد في لقاحات سابقة؛ وهي تشمل- على سبيل المثال- كميّات قليلة من بعض السكريّات المعروفة.

إحدى المقاربات الأخرى هي تجفيف لقاحات الرنا المرسال بالتبريد وتخزينها كمساحيق، ثم «إعادة تكوينها» بإضافة الماء إلى مسحوق اللقاح قبل حقنه. تختبر شركة التكنولوجيا الحيويّة «أركتوروس»؛ التي تتخذ مقراً في ولاية كاليفورنيا، هذه الآلية ضمن تجربة سريرية في مرحلتها الثالثة في سنغافورة.

تمكّنت شركة تصنيع المستحضرات الدوائية الحيوية «كيور فاك»؛ والتي تطوّر أيضاً لقاحاً معتمداً على الرنا المرسال لمرض كوفيد-19، من حل بعض هذه المشاكل، كما أنها صنّعت لقاحاً يبقى في حالة مستقرّة لثلاثة أشهر في درجات حرارة الثلاجة (البرّاد).

2. تقليل كميّة اللقاح في كل جرعة

تتراوح الجرعات الحالية للقاحات الرنا المرسال من 30 ميكروجرام (فايزر/ بايو أن تيك) إلى 100 ميكروجرام (موديرنا)، كما قد تَبيّن أن الجرعات الأقل من لقاحَي فايزر وموديرنا كانت فعّالة أيضاً ضمن التجارب السريرية.

هل يمكننا أن نقلل الكمية أكثر من ذلك؟ طوّرت شركة كيو فاك لقاحاً لمرض كوفيد-19 معتمداً على الرنا المرسال؛ تزن جرعته 12 ميكروجرام فقط، باستخدام مزيج من الابتكارات في مجالَي سلاسل الرنا المرسال وتركيبات الدهون. مع ذلك، لم تُصرّح بعد تفاصيل هذا اللقاح.

استخدام «الرنا المرسال ذاتي التعزيز» هي مقاربة أخرى لتقليل كمية الجرعات. الرنا المرسال ذاتي التعزيز يُصمَّم بطريقة تجعله يصنع عدداً أكثر من النسخ من نفسه بعد حقنه في الخلايا. هذا يعني أنه يكفي استخدام جرعات صغيرة منه فقط.

لقاح كورونا, لقاحات الرنا المرسال

الرنا المرسال ذاتي التعزيز والرنا المرسال القياسي. نظرياً؛ سنستطيع الوصول إلى نفس مستويات المستضدات في الجسم باستخدام جرعات تحتوي على كميات أقل من الرنا المرسال ذاتي التعزيز – الصورة: المؤلفان

يستخدم الباحثون في جامعة لندن الملكيّة وشركة أركتوروس هذه الآلية لتطوير لقاحات لمرض كوفيد-19، إلا أن التجارب أكملت المرحلة الأولى فقط.

على الرغم من أننا بحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لفهم الرنا المرسال ذاتي التعزيز، إلا أن هذه الآلية ستقلّل تكلفة تصنيع اللقاحات، بسبب تقليل كمية المواد المستخدمة.

3. استخدام جرعة واحدة بدلاً من جرعتين

لقاحات كوفيد-19 الحالية المُعتمدة على الرنا المرسال تحتاج إلى «دفعة إضافية مُعزّزة». الجرعة الأولى من اللقاح تُهيّئ الجهاز المناعي، ثم تُعزز الجرعة الثانية الاستجابة المناعية بعد ثلاثة إلى أربعة أسابيع من الأولى.

سيكون الأمر أبسط بكثير لو حققنا نفس الفعالية باستخدام جرعة واحدة فقط، وإذا بقي مرض كوفيد-19 منتشراً، فسنحتاج في المستقبل إلى تعزيز الاستجابة المناعية بشكل منتظم، كما هو الحال بالنسبة للقاحات الإنفلونزا. في هذه الحالة، الجرعة المُعزِّزة ستكون عبارة عن حقنة سنوية بدلاً من تطبيق الآلية الحاليّة.

مجدداً، الرنا المرسال ذاتي التعزيز يمكن أن يكون مفيداً في هذه الحالة؛ إذ أعلنت شركة أركتوروس عن نتائج واعدة لاستخدام جرعة واحدة من لقاح معتمد على الرنا المرسال ذاتي التعزيز.

في الأبحاث على الفئران؛ والتي نُشرت في ورقة أوّلية لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، تبيّن أن استخدام حقنة واحدة من لقاح الرنا المرسال ذاتي التعزيز يحفّز استجابةً مناعيةً قوية.

طُوّرت مقاربة أخرى على يد باحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؛ تعتمد على اللقاحات البروتينية. تحتوي هذه اللقاحات على كرات مجهرية تتشكّل من بوليمر (وهو مركّب يتألف من وحدات جزئية متكررة) قادر على إطلاق اللقاح في الجسم في اليوم الأول والـ 21 بعد الحقن. هذه الآلية يمكن أن تتسبب في تعزيز الاستجابة المناعية بحقنة واحدة فقط، ويمكن تطبيق مقاربة مشابهة في تركيب لقاحات الرنا المرسال.

4. التهيّؤ للسلالات الفيروسية الجديدة وتجهيز المُعززات المناعية

نعلم أن تكنولوجيا لقاحات الرنا المرسال مناسبة للاستجابة السريعة للسلالات الفيروسية الجديدة، ويعود هذا إلى أن الخصائص الكيميائية والفيزيائية للرنا المرسال تبقى نفسها، حتى مع التغيّرات البسيطة التي تطرأ على السلاسل؛ والتي يتطلبها التعامل مع الطفرات الفيروسية؛ هذا يعني أن تصنيع لقاحات الرنا المرسال المُعدّلة للتعامل مع السلالات الفيروسية الجديدة سيكون أمراً بسيطاً وسريعاً.

لقاح كورونا, لقاحات كورونا, الرنا المرسال, لقاحات الرنا المرسال

لقاحات الرنا المرسال المصمّمة للتعامل مع السلالات الفيروسية المختلفة تخضع لنفس خطوات التصنيع والتعبئة. هذا الأمر يجعل الاستجابة للطفرات الجديدة أكثر سهولةً، وهذا يشمل السلالات التي نشأت في المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا – الصورة: المؤلفان

العقبة الوحيدة التي تقبع في طريق تطوير لقاحات للتعامل مع السلالات الجديدة هي الموافقات القانونية. مع ذلك، أشارت إدارة الغذاء والدواء الأميركية مؤخراً في مقابلة، إلى احتمالية أن تتم الموافقة على استخدام لقاحات الرنا المرسال في مكافحة السلالات الجديدة من الفيروس بعد أن تتجاوز هذه اللقاحات تجربة سريرية صغيرة واحدة (أو حتى دون أي تجارب سريرية عند التعامل مع طفرات مستقبلية).