Reading Time: 5 minutes

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي «جو بايدن» الأسبوع الماضي، أنّها ستشتري 200 مليون جرعة إضافيّة من لقاحات كورونا الخاصّة بشركة فايزر ومودرنا؛ مما يعني أن الولايات المتّحدة ستملك ما يكفي من اللقاحات لتحصين 300 مليون شخص (ما يقرب من التعداد الكامل للبلاد الذي يبلغ 328 مليون مواطن) بحلول نهاية الصيف القادم.

في التجارب السريريّة كانت هذه اللقاحات فعالة بنسبة 94 إلى 95% في الوقاية من حالات كوفيد-19 المترافقة مع الأعراض. هناك أيضاً بعض الدلائل الأوليّة التي تشير إلى أن هذه اللقاحات تخفض العدوات غير المترافقة مع الأعراض عند الأشخاص الذين تعرّضوا للفيروس بعد تلقّي اللقاح، إلّا أن هناك حاجة إلى المزيد من الأبحاث لتأكيد ذلك. مع الانتشار الأوسع للقاحات خلال الأشهر القليلة التالية، سنحصل على منفعة إضافية؛ وهي انخفاض هائل في الحالات الشديدة من مرض كوفيد-19.

تقول «ستايسي شولتز-تشيري»؛ وهي باحثة في الأمراض المعدية في مستشفى «ساينت جود» لأبحاث الأطفال في مدينة تينيسي: «هذا الانخفاض في الحالات الشديدة من المرض ذو أهميّة بالغة للأنظمة الصحيّة والمجتمعات» وتضيف: «إذا أصبحنا قادرين على تخفيض نسب الحالات الشديدة، سنصبح قادرين على العودة إلى الحالة الطبيعية في مناحٍ عدّة».

من المتوقّع أن تبقى نسبة من الأشخاص معرضون للعدوى بعد تلقّي اللقاح المخصص لمرض ما؛ وهذا ينطبق على مرض كوفيد-19. مع ذلك، تبيّن الأبحاث أن اللقاحات تخفض حدّة المرض عند الأشخاص الذين يصابون به. لقاح الإنفلونزا الموسميّ يقلل احتمال أن يحتاج المريض إلى دخول وحدة العناية المركزة، واحتمال الوفاة أيضاً، كما ويُقصّر مدّة الإقامة في المستشفى. تقول شولتز-تشيري: «حتّى ولو كان لقاح الإنفلونزا غير مخصص لسلالة الفيروس المنتشرة، سيظل قادراً على وقاية المريض من الإصابة بحالة شديدة من المرض»، وتضيف: «الأمر نفسه ينطبق على مرض الحصبة؛ إذ أن اللقاح ناجح للغاية في الوقاية من العدوى وتخفيض نسب الحالات الشديدة».

معالجة الحالات شديدة الخطورة

يبدو أيضاً أن لقاحات مرض كوفيد-19 تخفض احتمال أن تسوء حالة المرضى المصايبن بالفيروس. تتفاوت خطورة مرض كوفيد-19 كثيراً لدى الأشخاص غير الحاصلين على اللقاح، من حالات تترافق مع الأعراض إلى الالتهابات الرئويّة الخفيفة، إلى الحالات الخطيرة المهدّدة للحياة. هذه الحالات المتطرّفة قد تتضمن استجابات مُفرطة النشاط أو مختلّة وظيفياً للجهاز المناعي للجسم.

يقول «مارك جاي.موليجان»؛ مدير مركز لانجون للتلقيح التّابع لجامعة نيويورك: «الاستجابة المناعية التي تحفّزها اللقاحات تسمح للجسم بأن يسيطر على الفيروس قبل أن يصل إلى مرحلة الاستجابة الالتهابيّة المرضيّة. هذا يكبح المرض مبكّراً نوعاً ما، وسينتج عن ذلك إمّا وقاية من المرض، أو إصابة تتسم بتكاثر محدود للغاية للفيروس».

الفيروس نفسه قادر على أن يعيث فساداً عندما يغزو الأنسجة عبر الجسم. تقول شولتز-تشيري: «ما يحدث فعلاً هو أن الفيروس يدخل ويتسبب في الضرر، إضافة إلى الضرر الذي يتسبب فيه الجسم في محاولة مكافحة الفيروس»، وتضيف: «هناك العديد من الظواهر التي نلحظها عند هؤلاء المصابين بالحالات الشديدة من كوفيد-19».

خلال التجارب السريريّة للقاحات كوفيد-19؛ التي حصلت على تصريح للاستخدام الطارئ (وهي تشمل لقاحات فايزر ومودرنا)، حدد الباحثون عدداً من المقاييس التي تُعرّف الحالات الشديدة من المرض؛ ومنها تسرّع القلب، الحاجة لاستخدام التنفس الصطناعي، الصدمة، مشاكل في الجهاز العصبي والأعضاء، والحاجة إلى الدخول إلى وحدة العناية المركّزة.

مواجهة الاوبئة في المستقبل, لقاح كورونا, الحساسية تجاه لقاح كورونا

في التجارب السريرية التي أجرتها شركة موديرنا، كل المشاركين الذين أصيبوا بحالات شديدة من مرض كوفيد-19 تلقّوا علاجاً وهمياً بدلاً من اللقاح، وخلال التجارب السريرية التي أجرتها شركتي فايزر و«بيو إن تيك»؛ أصيب 9 أشخاص من المجموعة التي تلقّت العلاج الوهمي، وشخص واحد من المجموعة التي تلقّت اللقاح بحالات شديدة من كوفيد-19. أفادت إدارة الغذاء والدواء الأميركية أن هذا المريض قد اعتُبر من المصابين بحالة شديدة لأن مستويات الأكسجين في دمه انخفضت دون الحد الطبيعي بقليل. مع ذلك، ووفقاً للإدارة، لم يدخل هذا المريض المستشفى ولم يسعَ للحصول على أية رعاية صحيّة إضافيّة.

يقول موليجان: «اللقاحات فعالة للغاية في الوقاية من الحالات المرضيّة الشديدة؛ والتي تتضمن بشكل أساسي درجة من فشل الجهاز التنفّسي، أو فشلاً وشيكاً للجهاز التنفّسي»، ويضيف: «هذا كان من المناحي المثيرة للإعجاب لتلك التجارب».

خلال التجارب السريرية؛ تسببت اللقاحات في الوقاية من الحالات الشديدة من المرض عند مجموعات متنوعة من الأشخاص مختلفين في الأعمار والأعراق والحالات الصحيّة. تقول شولتز-تشيري: «حتى الآن، يبدو أن اللقاحات فعّالة في جميع النواحي، لكن هناك دائماً تفاوت في استجابات الأشخاص، من ناحية الإصابة أو تلقّي اللقاح. إحدى الأمور التي يجب علينا مراقبتها مع الوقت هي ما إذا كانت الأجسام المضادة تضعف بسرعة أكبر إذا كان المريض ينتمي لتركيبة سكّانية معيّنة أم لا».

مع ذلك، نحن متفائلون بمستوى الوقاية الذي توفّره اللقاحات. يقول موليجان: «بشكل عام، الأشخاص الأكبر سناً لا يستجيبون بنفس الجودة للّقاحات، لكن لا يبدو أن هذا يصح في حالة لقاحات مرض كوفيد-19؛ إذ أن البالغين الأكبر سناً يستجيبون بشكلٍ جيد جداً للقاحات الـ أر أن أيه». يفيد موليجان بأن هذا أمر مهم؛ وذلك لأن البالغين الأكبر سناً هم عرضة أكثر للدخول إلى المستشفى، ويمثّلون حوالي 8 من أصل 10 وفيّات نتيجة للإصابة في الولايات المتّحدة.

أُتيحت الفرصة للباحثين لتتبّع فيروس كورونا لمدة عام تقريباً، وما زالوا يعملون لفهم هذا المرض على المدى الطويل؛ وهو أمر يتضمن دراسة أعراض تستمر لأسابيع أو أشهر بعد الإصابة الأوليّة. هناك أيضاً قلق من أن الفيروس قد يسبب أضراراً في الحالات التي تبدو خفيفة؛ والتي ستظهر لاحقاً. تقول شولتز-تشيري: «أحد الأشياء المخيفة بشأن فيروس كورونا هو أننا لا نعرف حقاً ما سيحدث على المدى الطويل في حال الإصابة بعدوى شديدة أو خفيفة».

مع ذلك، فشولتز-تشيري وموليجان متفائلَين بأن اللقاحات ستكون قادرة على الوقاية من الحالات الشديدة واحتمالية حدوث أية مضاعفات طويلة الأمد. تقول شولتز-تشيري: «إذا كان اللقاح يقي من الإصابة؛ أي أنّه يمنع تكاثر الفيروس في الجهاز التنفسي، عندها فهو سيقي بالتأكيد من تلك المضاعفات طويلة الأمد، حتى لو بقيت نسبة من الفيروسات التي تتكاثر، ولكن كانت أقل بكثير أو لا تستطيع التعمق في الرئتين، يمكننا أيضاً توقع حدوث مضاعفات أقل على المدى الطويل».

تشير البيانات الأوليّة أيضاً إلى أن لقاحَي مودرنا وفايزر سيكونان فعّالين ضد السلالات الجديدة للفيروس؛ مثل تلك التي اكتُشفت مؤخراً في المملكة المتّحدة. قد تكون اللقاحات أقل فعالية إلى حدٍ ما في مكافحة سلالة أخرى من الفيروس؛ وهي التي ظهرت في جنوب إفريقيا، لكنّها (اللقاحات) تحفّز استجابات الأجسام المضادة؛ التي من المحتمل أن تظل عالية بما يكفي لتوفير الوقاية. تقول شولتز-تشيري: «حتى لو كانت الفعالية أقل بقليل، أعتقد أن اللقاحات ستظل فعّالة للغاية في الوقاية والحد من شدّة المرض».

مع ذلك، سيكون من المهم الاستمرار في مراقبة فيروس كورونا حتى مع توافر اللقاحات بشكلٍ أكبر. مع استمرار حدوث طفرات للفيروس بمرور الوقت، يقول موليجان: «قد نشهد بعض التراجع في القدرة الوقائيّة المطلقة من الإصابات المثبتة مخبريّاً، أو ربما في القدرة على الوقاية من الحالات الشديدة».

بالإضافة إلى وقاية الأشخاص الذين يصابون بكوفيد-19، من الحالات المرضيّة التي تهدد الحياة، فإن قدرة اللقاحات على الوقاية من الحالات الشديدة ستكون أمراً حاسماً لكبح الجائحة. يقول موليجان: «إذا كانت الحالات الشديدة تعكس بطريقة ما مستويات أعلى من الفيروس، فقد يكون هؤلاء الأشخاص مُعدين أكثر»، ويضيف: «نتيجة للوقاية من الحالات الشديدة، قد تنخفض نسب انتقال الفيروس، ومن المرجح أكثر أن يتعافى المرضى من أن يموتوا».

في الوقت الحالي، يتسبّب مرض كوفيد-19 بعبئ كبير على أنظمة الرعاية الصحية. في وقت سابق من الشهر الماضي، اضطرّت المستشفيات في لوس أنجلوس مثلاً للاستعداد لتقنين الرعاية مع ارتفاع نسب الحالات الشديدة. يعاني العديد من الأطباء والممرضات والعاملين في مجال الرعاية الصحية من الإرهاق، كما تم تأجيل التجارب السريرية والإجراءات الاختيارية للأمراض الأخرى.

تقول شولتز-تشيري: «نحتاج إلى تقليل عدد الأشخاص الذين يصابون بالعدوى، والأهم من ذلك، إذا كان شخص ما سيصاب بالعدوى، فعلينا التأكّد من أننا سنكون قادرين على تخفيف شدة المرض»، وتضيف: «لأن هذا هو الجانب الأكثر خطورة للمرض؛ وهو أنه يمكن للأشخاص أن يصابوا بحالات شديدة للغاية، وخصوصاً إذا انتموا إلى بعض الجماعات الأكثر عرضة».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.