Reading Time: 3 minutes

انسحب جيش «جورج واشنطن» القاري من كيبيك خلال الأيام الأولى من حرب الاستقلال الأميركية؛ بعد أن أُصيب نصف تعداد الجنود البالغ عددهم 10 آلاف بالجدري. بعد ذلك، بذل واشنطن كل ما يمكن فعله لمنع انتشار الجدري بين الجنود، مثل إصابة الجنود الأصحاء بفيروسٍ حي مأخوذ من بثور الجدري لدى المصابين؛ بغية تعريضهم لإصابةٍ معتدلة واكسابهم المناعة. كان هذا التطعيم الجماعي ناجحاً رغم وفاة 1-2% من الجنود الملقحين بعد تعرّضهم للفيروس. لقد أظهرت التدابير السريعة التي اتخذها واشنطن مدى فائدة التحصين، مما مهد الطريق للقيام بحملة تلقيحٍ واسعة النطاق ضد الجدري في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر.

بالرغم من التقدم في الطب على مدى القرنين الماضيين، لا تبدو البلاد اليوم مستعدة بشكلٍ جيد للقيام بحملة تطعيم شاملة ضد فيروس كورونا، وفقاً لما قاله «بول أوفيت»، مدير مركز تعليم اللقاحات في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا لشبكة سي إن إن مؤخراً. كانت الولايات المتحدة تهدف لإعطاء 20 مليون شخص الجرعة الأولى من لقاحي فايزر ومودرنا بحلول نهاية عام 2020، لكن لم يحصل عليه إلا أكثر بقليل من 3 ملايين شخص. ارتفعت وتيرة التلقيح قليلاً في يناير/ كانون الثاني، حيث حصل 2.3 مليون شخص على الجرعة الأولى من اللقاح. بالمقارنة، قامت مدينة نيويورك بتلقيح أكثر من 6 ملايين شخص ضد الجدري في أقل من شهر في عام 1947، مما أدى إلى تفادي تفشي المرض على نطاق واسع.

لقد تصرفت المدينة على مسؤوليتها للقيام بهذه المهمة في ذلك الحين، بينما عليها اليوم انتظار موافقة مجلس الولاية على من يمكنه الحصول على اللقاح وكيفية حصوله عليه. وبينما تعيق البيروقراطية والصعوبات اللوجستية حملة التطعيم على المستوى الوطني، تظهر مشكلة انعدام الثقة في العلم والأدوية لتزيد الطين بلة. فوفقاً لمسحٍ أُجري في ديسمبر/ كانون الأول، لا يزال ربع الأميريكيين مترددون بشأن أخذ لقاح فيروس كورونا، ومن بينهم حتى عاملون في مجال الرعاية الصحية أيضاً، إذ رفض 20 إلى 40% من طاقم مستشفى في مقاطعة لوس أنجلوس بكاليفورنيا تلقي اللقاح الشهر الماضي.

في الحقيقة، خوف الناس من اللقاحات قديم بقدم اللقاحات نفسها. تقول «نعومي روجرز»، أستاذة تاريخ الطب في كلية الطب بجامعة ييل في هذا الصدد: «قاوم البعض أخذ علاج الجدري لبعض الوقت بعد ابتكاره. كان آخرون قلقون بشأن الحصول على اللقاح وعدالة التوزيع». كانت الشخصيات العامة، مثل «بنجامين فرانكلين»، قلقة ألا يستطيع الجميع تحمل تكلفة طبيب، لذلك عمد إلى إنشاء مجتمعاتٍ لتلقيح الفقراء. وقد ذهبت الإدارات الصحية بعيداً في جهودها لإجبار الجماهير على التطعيم، حيث اُضطرت لاستخدام الشرطة والجيش أحياناً لإتمام هذه المهمة. وحسب روجرز، استمرت مقاومة اللقاحات في الخمسينيات من القرن الماضي عندما زعمت إحدى المنظمات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها؛ أن شلل الأطفال ناجم عن تناول الكثير من الملح والسكر.

وقد ازداد انعدام الثقة في العلم والحكومة ووسائل الإعلام مرة أخرى في السنوات الأخيرة؛ بعد أن نشر طبيب الهضمية البريطاني «أندرو ويكفيلد» دراسة خاطئة تربط بين لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية بالتوحد. بينما أدت السرعة غير المسبوقة التي طُور فيها لقاح فيروس كورونا إلى تفاقم نظريات المؤامرة.

معركة الحصول على لقاح كورونا

لقاح مودرنا, لقاح كورونا, كورونا, ادوية وعلاجات

لكن فيروس كورونا وحش وبائي مختلف عن وباء الجدري وشلل الأطفال اللذان قضت عليهما الولايات المتحدة من خلال التطعيم الشامل. في الواقع، فيروسا الجدري وشلل الأطفال قديمان جداً، لذلك رافق الناس لعدة قرون قبل ظهور اللقاحات. تقول روجرز: «كان الناس في إفريقيا والشرق الأوسط وأماكن أخرى -حتى قبل تلقيح واشنطن لقواته ضد الجدري- يطبقون نفس الطريقة للبقاء لمحاربة المرض. وبالمثل، قد يكون الأطفال قد اكتسبوا مناعة ضد شلل الأطفال من خلال تعرضهم لكميات صغيرة من الفيروس في المياه الملوثة. بالمقابل، فإن فيروس كورونا فيروس جديد مشتق من فئةٍ أكثر مقاومة من الفيروسات، ومناعة البشر ضده قليلة أو حتى معدومة، والتطعيم ضروري لوقف انتشاره».

حتى بعد أن يحصل كل شخص في الولايات المتحدة على اللقاح، من المحتمل أن يستمر فيروس كورونا في الانتشار، ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم وجود خطة عالمية لوقف الفيروس. بينما، ومن خلال التنسيق عبر الحدود بين الدول، أعلنت جمعية الصحة العالمية القضاء على الجدري عام 1980، واختفى شلل الأطفال في العديد من البلدان خلال العقود القليلة الماضية. لكن القضاء على فيروس كورونا قد يكون مستحيلاً لعدة أسباب.

ففي رسالةٍ نُشرت في دورية «لانسيت» في الخريف الماضي، يشير المؤلفون إلى أن الفيروس ينتشر من خلال مضيفين غير بشريين، وأن 20% من المصابين بلا أعراض، مما دفع العديد من خبراء الصحة العامة للاعتقاد بأن فيروس كورونا قد يصبح موسمياً مثل فيروس الإنفلونزا. وعلى النقيض من لقاح الجدري، فإن ابتكار لقاح فيروس كورونا لن يكون مؤشراً على نهاية الفيروس، ولكن سيعمل على إضعافه ليبدو مثل نزلات البرد التي تصيب الناس كل شتاء.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.