Image

وأؤكد لكم بأنني لم أتقياً

Bread assortment قضاء بعض الوقت في حالة من انعدام الوزن. أنا التي أتدلى من الأعلى وإلى اليمين.
انعدام الجاذبية/ ستيف بوكسال

عندما أقول للناس أنني ركبت على متن طائرة في حالة من انعدام الوزن، فإنهم دائماً يتساءلون، بلباقة تثير السخرية، إن كنت قد تقيأت.  لذلك، من الأفضل أن نتناول هذا الجانب من انعدام الوزن على الفور.

على الرغم من أنني كنت ملتزمة إلى أقصى درجة باستخدام كيس التقيؤ الذي وضعته الشركة في جيب بدلة الطيران التي ارتديتها – تحسباً فقط –، بقيت محتويات معدتي كما هي خلال الأشواط العديدة التي استغرق كل منها من 30 إلى 40 ثانية في مجال ثقالي ظاهري تقل شدته عن الجاذبية الأرضية. في حين كان هناك 5 طيارين آخرين – كلهم من الرجال – أقل حظاً بكثير.

ربما تعود جذور السؤال المتعلق بالتقيؤ إلى الاسم غير الرسمي للطائرات كالتي طرت على متنها: “مذنب القيء” (the vomit comet). رغم من أن رحلتي كانت تديرها شركة تحمل اسم “زيرو جي” الذي يليق بها، إلا أن رواد ناسا للفضاء هم من ابتدع هذا الاسم المستعار البغيض رغم أن له إيقاعاً موزوناً.

قبل أن تدخل هذه الطائرات مجال الأعمال الترفيهية، كانت عبارة عن وسائل للتدريب. على وجه التحديد، كانت وسائل تستخدم بهدف إفراغ محتويات المعدة عند متدربي ناسا، الذين كانوا يستقلون الطائرات من هذا النوع لكي يعتادوا الإحساس بحالة انعدام الجاذبية.

حالة انعدام الوزن ليست مطابقة تماماً لحالة انعدام الجاذبية. بالرغم من أنك قد تشعر وكأن الجاذبية قد اختفت، إلا أنها مازالت تحيط بك. كل ما في الأمر، هو أن مسار الطائرة المنحني (على شكل قطع مكافئ) يجعل الأمر يبدو وكأن الجاذبية قد اختفت للحظات، فتجعلك تطفو في حالة من انعدام الوزن.

في الوقت الحاضر على الأقل، يعتبر التحليق في حالة من انعدام الوزن أقرب تجربة يمكننا أن نخوضها لكي نختبر إحساس التواجد في الفضاء دون أن نكون فيه فعلاً، لذلك يقول لي رائد الفضاء “سكوت كيلي” الذي كان يرافقني على متن الرحلة؛ بأن انعدام الوزن في الفضاء وانعدام الوزن الذي اختبرناه أثناء ركوبنا للطائرة مختلفان.

كُلّف كيلي – الذي كان شقيقه التوأم “مارك” رائد فضاء أيضاً – بقيادة 4 رحلات فضائية، وقضى قرابة العام على متن المحطة الفضائية الدولية (IIS)، ولديه خبرة واسعة مع كلتا الحالتين.

يقول كيلي: “يمرض بعض الناس في الواقع على متن الطائرة، بينما يكونون على ما يرام في الفضاء. ويكون بعض الناس على ما يرام على متن الطائرة، في حين يمرضون في الفضاء”. فسألته: “هل سبق لك أن تقيأت في إحدى المرات؟”. ربما هذه هي المرة الوحيدة التي سيتسنى لي أن أسأل فيها رائد فضاء إن سبق له أن تقيأ في الفضاء، من دون أن أبدو وقحة.

كانت إجابة كيلي بأنه لم يسبق لذلك أن حدث معه. على الأقل، ليس في تلك الحالة.

لم يتقيأ رائد الفضاء سكوت كيلي على متن طائرة انعدام الوزن. ولم يتقيأ داخل مكوك الفضاء، ولم يتقيأ في الفضاء. ولم يمنعه أي من هذا من تناول دواء “الدرامامين” قبل الرحلة، تحسباً لأي أمر طارئ فقط.

سألني كيلي: “هل تودين أن تعرفي متى تقيأت؟”. ثم يتابع بالقول: “كان ذلك عندما عدت إلى الأرض”. فبعد أن قضى جسده وقتاً طويلاً في الفضاء، لم يعد معتاداً على الجاذبية الأرضية.

لا شك أنك تقضي وقتاً طويلاً وأنت تتفكر بالجاذبية عندما تشعر وكأنك جُرّدت منها فجأة. في الواقع، أعتقد أن جزءاً من السبب الذي يدفع الآخرين لكي يسألوني في كثير من الأحيان عن التقيؤ، هو أنه في حين يعتبر التقيؤ أمراً عادياً وعالمياً، إلا أن الاستلقاء معلقاً في الهواء بدون أي مساعدة وعلى الرغم من التفسير الذي تقدمه الفيزياء لذلك، لا يزال يتميز بلمسة خارقة للطبيعة. يبدو وكأنه ضرب من السحر.

خلال المرات الأولى التي ارتفع فيها جسمي عن أرضية المقصورة الداخلية، وجدت نفسي أحاول أن ألتقط أي شيء لكي أتمسك به.

بالرغم من الإدراك الواضح بأن الجاذبية – أو بالأحرى، الغياب الظاهري لها – هي ما يبقيني طافياً في الهواء، إلا أنني مقتنع بأن الهواء أسفل مني سيتبدد مفسحاً المجال، لكي يتسبب بسقوطي على الأرض عند إحدى الزوايا المنحرفة.

عندما تغير الطائرة اتجاهها، تعود قوة الجاذبية بشكل تدريجي، ما يتيح لنا الكثير من الوقت للاستلقاء والاسترخاء على أرضية الطائرة، بانتظار الجولة التالية.

داخل طائرة زيرو-جي

يعتبر مصطلح “طائرة انعدام الوزن” تسمية خاطئة نوعاً ما. فالطائرات المستخدمة عبارة عن طائرات عادية. والطائرة التي تستخدمها شركة “زيرو-جي” هي من طراز “بوينج 727″، في حين تسيّر إحدى الشركات الأوروبية رحلات مشابهة باستخدام طائرة من طراز “إيرباص A300”. يعود تاريخ طائرة إيرباص إلى سبعينيات القرن الماضي، في حين تم تقديم طائرة البوينج 727 أول مرة في ستينيات القرن الماضي.

خلال الجزء الأكبر من تلك المدة، اعتبر خبراء الطيران أن طائرة 727 يمكنها أن تعمل مثل حصان التحمل بلا كلل أو ملل، وهي حقيقة وجدتها مطمئنة. خلافاً لأحصنة السباقات، فإن أحصنة التحمل ليست استعراضية. فهي تتميز بالثبات في الأداء، والإخلاص، ومن الصعب أن تنهار. حتى العام 2013، عندما قاموا باستخدام طائرات أحدث بدلاً منها، ساعدت “بوينج 727” شركة فيدكس على نقل الطرود جواً حول العالم. خلافاً للبضائع التي كانت على متن الطائرة معنا، تلك الطرود لم تطف في الهواء.

بالرغم من أن طائرة انعدام الوزن “زيرو-جي” ما هي إلا طائرة عادية، إلا أن فيها بعض التعديلات. التعديل الأكثر وضوحاً هو المقاعد، ففي حين يمكن لطائرة تجارية من الطراز 727-200 أن تتسع حتى 189 راكباً، ليس بمقدور طائرة زيرو-جي أن تتسع لأكثر من 34 راكباً، مع إجمالي المقاعد الذي يبلغ 38 مقعداً.

تتميز الطائرة بأن الجزء الداخلي المركزي فيها يكون فارغاً صعوداً حتى مقصورة القيادة، مع بطانة داخلية بيضاء للوقاية من صدمات الرأس، وتلك المناطق التي يصبح فيها السقف لأحد الأجزاء، أرضية لجزء آخر. فليس هناك أعلى وأسفل في حالة انعدام الوزن.

كما أن الطائرة ليس فيها دورة مياه. وحالما علمت بذلك، كان عليّ أن أتبول على الفور. لم يحذرني أحد من أن الركوب على متن “زيرو-جي” يتطلب الاهتمام كثيراً بشأن السوائل الجسدية.

تشمل التعديلات الأكثر دقة الترقية التي خضع لها نظام الطائرة الهيدروليكي، والذي تستخدمه الطائرة للقيام بعمليات تتعلق بالقلابات، والمكابح، وعاكسات الدفع من بين المعدات الأخرى.

تتيح طائرة زيرو-جي بتطبيق ضغط هيدروليكي مستمر، بينما يقوم بعمليات المناورة اللازمة لتحقيق حالة انعدام الوزن. هناك أيضاً أجهزة لقياس التسارع داخل مقصورة القيادة، والتي يبدو أن عملها لا يضطرب عندما تصل الطائرة مرحلة انعدام الوزن.

لتحقيق حالة انعدام الوزن، يجري الطيارون أثناء التحليق سلسلة من المناورات التي يسمونها “القطوع المكافئة”. إنه مصطلح لطيف لوصف مناورة مكثفة بما يكفي لكي توقظ حتى أكثر حالات رهاب الطيران الخفية. هناك اثنان من الطيارين، الذين لا يختلفون عمن يشارك في فعاليات “ألعاب إكس” السنوية أو غيرها من النشاطات الرياضية المتطرفة. وعندما سألتهما إن كان بمقدورهما أن يتخيلا التحليق بطائرات تجارية، نظرا إليّ ثم ضحكا.

تقول “تيريسي بروستر” رئيسة زيرو-جي: “هل يمكنكِ أن تتخيلي هذين الشابين يرتديان زياً موحداً ويقولان ’’أمرك سيدي‘‘؟”.

قالت لي إحدى الصديقات التي كانت تعمل سابقاً كطيار تجاري على أحد الخطوط الجوية الإقليمية: إنها استقالت من عملها لأنها كانت تشعر إلى حد كبير وكأنها سائق حافلة لنقل الركاب، لم يشكل لها ذلك العمل تحدياً كافياً يناسب طموحها. في حين يتطلب تنفيذ المناورات كلاً من التنسيق، والتواصل والتخطيط بين كلا الطيارين.

أخبرني أحد الطيارين أنه لا يمكن لهما أن يتصورا التحليق بطائرات تجارية، لأن التحليق بطائرة زيرو-جي يتضمن الكثير من المتعة. وخلال رحلة عادية، لا يُسمح لك أن تحتفظ ببطة مطاطية صغيرة داخل مقصورة القيادة لترى إن كانت تطفو أم لا. بما أن الركاب مثبتون إلى مقاعدهم داخل الطائرة، فسيساعدهم وجود البطة العائمة في الهواء لكي يتأكدوا من أنهم بلغوا حالة انعدام الوزن.

error: Content is protected !!