Reading Time: 4 minutes

حققت المعارضة المستمرة لاستخدام تقنيات التعرف على الوجه على نطاقٍ واسع في الولايات المتحدة بعض الانتصارات أخيراً. فقد حظرت بعض المدن -التي تعتمد هذه التكنولوجيا- بعض استخداماتها، كما سحبت 3 شركات تقنية منتجات التعرف على الوجه من السوق، ووقفت منظمة «إيه سي إم» الرائدة في مجال الحوسبة في صفّ المطالبين بوقف استخدام هذه التكنولوجيا. وقد تقدم الديمقراطيون مؤخراً بمشروع قانونٍ لتعليق استخدام هذه التقنية.

لكّن الأمر يتخذ منحىً مختلفاً كلياً بعيداً عن الولايات المتحدة. فباتت الصين تستخدم تقنية التعرف على الوجه على نطاقٍ واسع في مجالاتِ عدّة؛ ن ضمنها التأمين الإجتماعي والشرطة، ومراقبة أقلية الإيغور. كما تقوم الصين بتصدير هذه التقنية إلى الدول الشريكة في مبادرة «الحزام والطريق». وفي بريطانيا، قضت المحكمة العليا بأن استخدام الشرطة في جنوب ويلز؛ كان مشروعاً في قضية رُفعت ضد الشرطة في سبتمبر/ أيلول الماضي (رغم أن القرار ما يزال قيد الاستئناف).

وفي أستراليا، ورغم رفض منظمات حقوق الإنسان لها، يسير الاتجاه نحو استخدام أوسع لهذه التقنية. فقد اقترحت الحكومة خطة طموحة لبناء قاعدة بيانات وطنية (تتضمن أيضاً تجارب التحقق من العمر لمستخدمي المواقع الإباحية). كماقامت بعض الحكومات المحلية باستخدام تقنية التعرف على الوجه في بعض أنظمة المراقبة لديها، بينما قام ضباط الشرطة الفيدرالية الأسترالية بتجربة هذه التقنية المثيرة للجدل من شركة «كلير فيو أيه آي».

هل تحتاج  أستراليا لاستخدام هذه التكنولوجيا؟ لكي نجيب، نحتاج إلى الإجابة على أسئلة أساسية حول ما نريد أن يكون عليه مجتمعنا وسكاننا.

من تقنية التعرّف على الوجه إلى «مراقبة الوجه»

في الواقع، لتقنية التعرف على الوجه استخدامات عديدة.

يمكننا التحقق من هوية الشخص من خلال مقارنة الصورة المستهدفة بالبيانات المحفوظة في ملفّه لتأكيد المطابقة. يُعرف ذلك بـ «التعرف الفردي على الوجه» أو «واحد إلى واحد». كما يمكن مقارنة الصورة الهدف بالصور المحفوظة في قاعدة بيانات لهدفٍ محدد، وذلك «واحد إلى كثير». أما الشكل الأكثر طموحاً هو «المطابقة الشاملة»، وهذا يعني مطابقة صورة كل شخص في قاعدة بيانات شاملة على مستوى المدينة أو الدولة، أو على أي مستوى تنظيمي معين.

يمكن تنفيذ كل نهج بشكلٍ غير متزامن (عند الطلب أو بعد التقاط الصور)، أو في الوقت الحقيقي. كما يمكن تطبيقها على البيانات المتدفقة لفصلها (تصنيفها)، أو تُستخدم لتجميع بيانات المراقبة الضخمة.

في الحقيقة، هناك العديد من الفوائد الموثّقة لتقنية التعرف على الوجه، وهي آمنة نسبياً في العديد من الاستخدامات؛ مثل استخدام هذه التقنية لفتح الهواتف، أو إثبات هويتك عند حواجز فحص جواز السفر الآلية. كما يمكن للسلطات الاستفادة من هذه التقنية في تطبيق القانون أيضاً، حيث يمكن تحليل أشرطة كاميرات المراقبة، على سبيل المثال، لتحديد المشتبه بهم، أو في العثور على الضحايا والجناة في مقاطع فيديو الاعتداء على الأطفال.

ومع ذلك، فإن تقنية التعرف على الوجه في جوانب أخرى (واحد إلى كثير أو الشامل، المراقبة في الوقت الحقيقي، المتكاملة) يرقى إلى مستوى المراقبة، وتحيط بفوائدها الكثير من الشكوك. فقد قامت العديد من أفرع الشرطة في المملكة المتحدة بتجربة هذه التقنية في الوقت الحقيقي من نمط التحقق «واحد إلى كثير» للبحث عن أشخاصٍ معينين، وقد كانت النتائج متباينة. بينما لم تُعرف بعد فوائد المراقبة المتكاملة الشاملة لمراقبة الوجوه في الوقت الفعلي في الصين.

وبالإضافة إلى الشكوك التي تحيط بتقنية مراقبة الوجه، فهي تهدد بتغيير جذري في المجتمع الذي نعيش فيه ونعرفه. ترتقي مراقبة وجوه الحشود إلى مستوى مراقبتهم والتجسس عليهم.

على الأغلب ترتكب تقنية التعرف على الوجه العديد من الأخطاء، لكنها سيئة حتى لو نجحت

تنجح معظم خوارزميات التعرف على الوجه مع الصور الشخصية والمضاءة جيداً، لكّن أداءها منخفضٌ عند التعامل مع الوجوه أثناء نشاط الناس الاعتيادي في الحياة اليومية. كما أن كفائتها منخفضة جداً في التعرف على وجوه أصحاب البشرة السمراء، خاصة النساء.

تميل الأخطاء لتكون إيجابية زائفة، أي إيجاد مطابقات غير صحيحة أكثر من عدم وجود مطابقات صحيحة مطلقاً. إذا اُستخدمت المطابقات لتوزيع الجوائز النقدية مثلاً، فلا بأس بذلك، إلا أن المطابقة غالباً ما تُستخدم للقيام بإجراءاتٍ معينة (مثل الاعتقال)، وقد تُضر كثيراً بأولئك الذين تمّ التعرف إليهم من خلال هذه التقنية.

في الواقع، ستتحمل أقلية من السكان أخطاء هذه التقنية مع ازدياد حالات الأخطاء الإيجابية الكاذبة. وبالتالي، سيؤدي استخدام هذه الأنظمة لازدياد الظلم الهيكلي في المجتمعات التي تتبناها.

وتبقى مراقبة الوجوه أمراً سيئاً حتى لو نجحت في الهدف المخصص لها. إن معرفة مكان الأشخاص وما يفعلونه يمكّنك من التنبؤ بسلوكهم والتحكم فيه.

ربما تعتقد أن استخدام الحكومة الأسترالية لهذه التقنية لن يكون بهذا السوء، لكن حقيقة امتلاكها لها تقيد حرية المواطنين. الحرية لا تتعلق فقط بمنع الآخرين بالتدخل في خصوصياتك إلى أقصى قدرٍ ممكن، بل يتعلّق بجعل ذلك مستحيلا عليهم.

مراقبة الوجوه خاطئة في جوهرها

تعتمد مراقبة الوجه على فكرة أن الآخرين يحق لهم استخدام بياناتك البيومترية (علم المقاييس الحيوية، وهو علم تحقيق شخصية البشر من خلال مكونات الجسم البشري) دون موافقتك أثناء تواجدك في الأماكن العامة. ذلك غير صحيح، فنحن يحقّ لنا التحكّم في بياناتنا البيومترية الخاصة، وذلك من أبسط حقوقنا الأساسية، مثل حقنا في التصرف بجسدنا كما نريد.

طبعاً هناك حدود لحقوقنا. يمكن أن تفقد المطالبة بحقّك (مثلاً يفقد الشخص حقّه في عدم الكشف عن هويته لأي سبب)، أو تجاوزه إذا كان هناك سببٌ وجيه لذلك عند الضرورة.

لكن الغالبية العظمى منا لم ترتكب أي جريمة من شأنه أن يجعلنا نفقد الحق في التحكم في بياناتنا البيومترية. يجب أخذ الفوائد المحتملة لاستخدام مراقبة الوجوه لأي غرضٍ معين بعين الاعتبار فقط من خلال احتمالية حدوث وتكراره. لا يحق لأحد انتهاك حقوق الآخرين لمجرّد وجود فوائد محتملة لأي تقنية.

لقد طُورت العديد من خوارزميات التعرف على الوجوه بطرق لا أخلاقية. فقد اُستخدمت قواعد بياناتٍ تحتوي على صورٍ شخصية دون إذن أصحابها الحقيقيين، ناهيك عن التسميات والتصنيفات المسيئة التي تُدرج فيها هذه الصور.

لا تصمد حجج استخدام مراقبة الوجوه

لقد تخلينا بالفعل عن خصوصياتنا وبياناتنا لصالح شركتي جوجل وآبل، فما هي المشكلة إذاً فيما لو استخدمت الشرطة هذه النوع من البيانات؟

في الواقع، المراقبة البشرية أكثر انحيازاً وعرضة للخطأ من المراقبة الخوارزمية، وتحيطها إشكالية أخلاقية بالفعل. هناك شبكة كبيرة من كاميرات المراقبة حالياً تراقبنا وتهدد حرياتنا المدنية، وتزويدها ببرمجياتٍ تتيح لها تعقّب الأشخاص في مواقع متعددة يجعلها أسوأ فقط.

يمكننا دائماً الإبقاء على دورٍ بشري في هذه الحلقة. يمكن تقليل الأخطاء الإيجابية الزائفة عن طريق الإشراف البشري، ولكن الرقابة البشرية على الأنظمة الآلية في حد ذاتها معيبة ومتحيزة، وهذا لا يعالج الاعتراضات الأخرى ضد مراقبة الوجوه.

التكنولوجيا ليست جيدة ولا سيئة في حد ذاتها؛ إنها مجرد أداة يمكن استخدامها لأغراض جيدة أو سيئة. كل أداة تجعل بعض الأشياء أسهل لكنها قد تزيد الأمور سوءاً في أشياء أخرى. تُسهّل تقنية التعرف على الوجوه من قمع السكّان الضعفاء، وتنتهك الحقوق الأساسية للجميع.

حان الوقت لتعليق استخدام هذه التقنية

تعتمد تقنية مراقبة الوجوه على البحث بين بياناتنا الشخصية دون معرفتنا، وهي بذلك تنتهك أبسط حقوقنا، وهي مؤذية وتفاقم الظلم الهيكلي في المجتمع سواء نجحت او فشلت. إن تبني هذه التقنية يؤذي الأفراد ويحد من الحرية ويزيد من الظلم في المجتمع.

تعليق استخدام هذه التقنية في أستراليا -والعالم- هو أقل ما يجب أن نطالب به.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن