Reading Time: 3 minutes

معروف أن التنقيب بشكلٍ عام له تأثير هائل على البئية، حتى في حالة التنقيب والبحث عن العملات المشفرة «البتكوين». فقد كشفت دراسة أجراها باحثون بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة ميونخ؛ أن عملية إنتاج البتكوين تستهلك قدراً كبيراً من الطاقة سنوياً، يعادل ما تستهلكه مدينة أميركية يزيد عدد سكانها عن 400 ألف شخص.

يحاول «كريستيان ستول»، الباحث في مجال الطاقة، والباحثون المشاركون في هذا البحث -وهم ليسوا الأوائل-، حساب كمية الطاقة التي يتطلبها تعدين العملات المشفرة، بيد أن الحصول على رقم دقيق ليس بالأمر السهل؛ لأن هناك العديد من العوامل التي تدخل في الحسبان. يقول ستول إنه من أجل الوصول إلى رقم مضبوط، تعين على الباحثين معرفة مقدار الطاقة التي تستهلكها أجهزة الكمبيوتر خلال عملية التعدين، وأماكن توزيعها.

العملات المشفرة، وأشهرها البتكوين، هي عملات رقمية لا يمكن تعقبها، تنتج باستخدام تقنيات التشفير بواسطة شبكة لا مركزية من الحواسيب. يستخدم المنقبون عن البتكوين هذه الأجهزة لحل ألغاز عددية، حيث يساعد كل حل في التحقق من صحة العملة، وفي الأخير إنتاج البتكوين. مع ازدهار هذه العملة على مدار السنوات القليلة الماضية، تضاعف معدل الألغاز العددية اللازمة لإنتاج بيتكوين واحد أكثر من أربع مرات، ومعه الطاقة المطلوبة لإنتاجه.

يقول ستول: «إن مفتاح الوصول إلى تقدير دقيق لحجم الطاقة المستهلكة؛ هو وجود الأجهزة التي يستخدمها المنقبون لحل ألغاز البتكوين». اعتمد الباحثون على المعلومات التي قدمتها كل من «بيتماين، كانّان، إيبانج»، وهي الشركات الرئيسية المنتجة لأجهزة تعدين البتكوين، كجزء من العرض الأوّلي العام، بعد أن طرحت أسهمها للتداول في سوق البورصة. بعدها، حللوا جميع السيناريوهات المختلفة التي ينقب فيها عن البتكوين، سواء باستخدام حواسيب فردية أو عن طريق عمليات تعدين ضخمة، وتوصلوا إلى مقدار الطاقة المحتمل استخدامه خلال مختلف هذه العمليات.

مع ذلك، لا يتطابق إجمالي الطاقة المستخدمة بشكلٍ مباشر مع حجم الانبعاثات؛ نظراً لأن كميات الكربون المنبعثة؛ تختلف حسب الطرق المتبعة في إنتاج الطاقة، فعلى سبيل المثال، لا يتطلب التعدين باستخدام حواسيب تعمل بألواح شمسية نفس مقدار الكربون الذي تتطلبه ذات العملية على أجهزة تعتمد على الفحم لإنتاج الكهرباء. لذلك، تحقق الباحثون من عناوين الـ «آي بي» الخاصة بالحواسيب والخوادم وشبكات الأجهزة المشاركة في عملية التعدين، من أجل تحديد مواقعها.

من خلال تحديد الموقع الجغرافي لعمليات التعدين، وحجم الانبعاثات المحلية الناتجة من استهلاك الطاقة، وربطها بالاستهلاك الإجمالي للطاقة، وجد الباحثون أن تعدين البتكوين ينتج حوالي 22 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. هذا الرقم قريب مما تطلقه مدينة كانساس سيتي التي يبلغ عدد سكانها نحو 489 ألف نسمة. لوضع هذه النتيجة في سياق عالمي، يكتب المؤلفون: «إن الانبعاثات الناجمة عن تعدين البتكوين؛ تقع بين مستويات انبعاثات الكربون في كل من الأردن وسريلانكا».

يقول «ألكس دي فريس»، خبير البيتكوين في شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»: «إن تحديد مواقع عمليات التعدين عنصر رئيسي في معرفة نوعية الطاقة التي يستخدمها المنقبون عن البتكوين».

على نحو آخر، تعدين البتكوين هو التعبير الأسمى عن رأسمالية لا ضابط لها، إذ يمكن للمنقبين، أفراد أو جماعات، كسب أموال طائلة من هذه العملية، لكن هذا يأتي على حساب الصالح العام. يشير الباحثون إلى أن «الحفاظ على درجة حرارة الأرض ما دون درجتين مئويتين، حسب ما تم الاتفاق عليه في قمة باريس للمناخ؛ يستلزم تحقيق الحياد الكربوني (الحصول على بصمة صفر كربون صافية) خلال النصف الثاني من القرن 21». تضاف هذه الدراسة إلى أبحاث متنامية ترى أن ثمة حاجة ماسة إلى قوانين تضبط تعدين العملات الرقمية، وذلك من أجل «حماية الأفراد من أنفسهم، وحماية الآخرين من تداعيات أفعالهم تلك».

يقول ستول: «إن العملات الرقمية المشفرة ما هي إلا خطوة أولى في طريق طويل»، إذ تستخدم تكنولوجيا البلوكشين -التي تعتمد عليها عملية تعدين البتكوين- في مجالات أخرى مثل الخدمات اللوجستية وألعاب الفيديو، وهي آمنة للغاية ولا يمكن التلاعب بها أو حذفها. لكن بالنظر إلى مقدار الطاقة المستهلكة خلال عمليات التعدين؛ فيجدر بنا التساؤل عما إذا كان علينا استخدام هذه العملة. ويختم دي فريس بقوله: «كانت هناك مزاعم بأن عملية تعدين البتكوين رفيقة بالبيئة، لكن هذه الدراسة تدحض هذه المزاعم».